رؤى

تحدّيات على طريق الإصلاح (٨) إشكاليات منهجية في توظيف النصوص والشواهد

يُعاني الفكر الإسلامي من إشكالية في لغته ومنهجيته، ففي عصر اتسم بلغة علمية دقيقة ما زال الخطاب الديني يستخدم لغة إنشائية فضفاضة تعوقه عن مواكبة أبجديات هذا العصر، فتعزيز الثقة في الخطاب الديني يحتاج إلى علمية في العرض والاستشهاد وإحداث انسجام حقيقي بين العقل والنقل، وتجنّب التعميم الذي يُصيب عقل الجمهور بسطحية في إصدار أحكام التحسين أو التقبيح تبعا للانطباعات والانفعالات، وليس وفق ما توفّر لديهم من معلومات وحقائق.. فالخطاب الديني مطالَب بأن ينتقل من اللغة المادحة أو المُقبِّحة فحسب إلى لغة خبرية معلِّلة؛ تحمل أحكاما شارحة لماذا هذا مذموم أو مقبول؟

للخروج من التعميم نحتاج إلى إعادة النظر في العناوين ذات الإطلاقات العامة، مثل “الجهاد في الإسلام” وتخصيصها في عشرات العناوين الجزئية، فلا يسوق حكما أو قولا عاما حول الجهاد، لكن يُفصِّل وينوّع فيه على نحو يستقصى كلّ جوانبه، حتى يتمكن العقل من تصوّر معانيه المختلفة وأحكامه المتنوعة، فيُدرك أنّ الجهاد ليس له دلالة واحدة، ولا حكم واحد، فإطلاق كلمات الكفر والجهاد والحق والخير والولاء والبراء والعدوان والحرية والمساواة دون تصنيف وتحديد وتوضيح كافٍ يجعلها مفردات بلا ملامح مُعرَّفة ومميَّزة في عقل المتلقي، فالجمهور وحده هو من يقع عليه عبء تلمّس معالم حقيقة تلك الكلمات، فيجدها البعض عند دعاة الجماعات ذوي الأصوات الصارخة المنتحبة بالبكاء على الإسلام الضائع من المجتمعات، ويتفاوت تأثُّر الشباب بخطاب جماعة بعينها دون أخرى، حسب ما يوفّره له الواقع، وحسب تفوق جماعة على أخرى في التواصل مع المجتمع، وهذا يُفسّر قبول البعض بتلك الجماعة دون غيرها.

وكما يُمثّل التعميم إشكالية في الفكر الديني يُمثّل اجتزاء النّص من سياقه اللفظي إشكالية أخرى يقوم بها خطاب التّطرف والخطاب الوعظي الرسمي على السواء حين يَعْزل كلّ منهما النّص القرآني أو القول المأثور عن سياقه الذي جاء فيه؛ ليصبح نصّا عاما؛ لخدمة توجّه سياسي أو أيديولوجي.

ومن صور الاجتزاء النّصي، اجتزاء النصوص عن السياق غير اللفظي/السياق الخارجي الاجتماعي باستدعاء شواهد دينية في غير موضعها لمخاطبة أناس لا صلة لهم بها، فلا يُراعي الخطاب الديني الواقع الخاصّ لهذا المجتمع أو ذاك.. “فهذا واعظ يدْخل إحدى القرى البائسة ليحدّث أهلها المستوحشين عن آفات الرياء! وهذا آخر يخطب في المدن عن جرائم القتل والأخذ بالثأر.. وفي الذهن الفقير تتمدد المعلومات القليلة وتصبح كل شيء.

سمعت رجلا يُجرى على لسانه هذه الكلمات لابن عطاء الله السكندري: “سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار”، “ادفن نفسك في أرض الخمول” فكرهت هذا الكلام وأنكرت سياقه. إن الجملة الأولى تقال لفرد من الناس تملّكه جنون القوة، واستحوذ عليه الاعتداد بالنفس، فبنى خطته على أنه إذا أراد فعل، وإذا عزم فعلى الْمَرَدَة والأملاك جميعا أن يُذعنوا له. ومن ثم فهو لا يتصور أن يردع همّه أو يغلبه أحد في الأرض والسماء على أمره. هذه الكلمة حق داخل هذا النطاق وحده. وهي خارج هذا النطاق لا عمل لها ولا مكان… وسوء الاستشهاد كما يقع في هذه الحِكم المجلوبة كَرْها، يقع في كتاب الله وأحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فترى بليد الفهم من هؤلاء يجيء بالأثر هو في نفسه حق ولكنه فيما ضُرب له وقُصّ من أجله بعيد بعيد.. وعندي أن هذا ضرب من تحريف الكلم عن مواضعه. أرأيت إذا انطلق رجل طيب أمين إلى قوم أغرار يحرص على وعظهم ويتعشق هدايتهم أيليق أن تثنيه عن مراده بقول الله “إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء” إن سوْق الآية هنا خطأ، فمجال الآية الوحيد هو المجال الذي نزلت فيه، أعنى تسلية الداعي الذي تعب ونصب وهو يحاول إرشاد شخص عنيد دون جدوى”.( )

ومن صور الاجتزاء في الخطاب الإسلامي المعاصر، التي أدخلته في علاقة غير فاعلة في حاضر الأمة الاجتزاء التراثي، فيتواصل مع التراث بقراءات وسيطة انتقائية موجِّهة، معتمدا على النقل السماعي عبر الوسائط السمعية، أو الكُتيبات المختصرة، يرى التراث بعينيها التي تُغمضها عن تعددية اجتهادية وفكرية يزخر بها التراث، كان لها أكبر الأثر في ازدهار الفكر الإسلامي قديما متمثلا في خطاب مدرسة علماء الكلام، ومدرسة الفلاسفة من أمثال: ابن سينا وابن رشد والفارابي، والمدرسة الفقهية متمثلة في أئمة الاجتهاد في القرن الرابع الهجري قبيل أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، ثم سرعان ما تراجعت كل الخطابات وبقي الخطاب الفقهي متجمدا في المذاهب الأربعة الشهيرة، وهذا ما وصفه القدامى والمحدثون من المحافظين أنفسهم( ) بعصور الجمود والتراجع؛ مفسِّرين ذلك بالتقليد وغياب الإعمال العقلي على حد قول أحد القدامى: “إن الذي أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم، اقتصروا على النقل عمّن تقدّم فقط، وانصرفت همّتهم لشرح كتب المتقدمين وتفهمها ثم اختصارها، وفكرة الاختصار ثم التّباري فيه مع جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل هو الذي أوجب الهرم، وأفسد الفقه، بل العلوم كلها، إذ صاروا قُرَّاء كتب لا محصلي علوم، ثم في الأخير قصروا عن الشرح، واقتصروا على التحشية والقشور، ومن اشتغل بالحواشي ما حوى شيء”( )

ومثل هذا نجده في الفكر الإسلامي المعاصر الذي اختزل القرآن في كتاب أحكام فقهية، واختزل الأحكام في اجتهاد الأئمة، واختصر اجتهاد الأئمة في حلال وحرام، فلم يخرج تناولنا للقرآن الكريم عن الناحية الفقهية التي لا تزيد آيات الأحكام فيه عن خمسمائة آية بين أكثر من ست آلاف آية قرآنية، أي أقلّ من 10٪ من القرآن، والبقية التي تزيد عن 90٪ ليس لها حضور في الخطاب الديني إلا في إطار سرد وعظيّ مُجتزِئ، وتغيب النظرة الكلية التي تُعمّق الدرس القرآني، وتثرى الخطاب الديني.

من جانب آخر الفكر الإصلاحي في حاجة إلى مواجهة إشكالية تداخل والتباس المفاهيم ( ) في عقل المُلقى والمُتلقي، فالمفاهيم ليست مجرد ألفاظ يمكن أن تُفهم، وتُفسّر بمرادفاتها كسائر الأسماء والكلمات، أو نقف على دلالتها من خلال قولٍ شارح أو منطقي برسمٍ أو حدٍّ على الطريقة الأرسطية، بل المفاهيم مستودعات كبرى للمعاني والدلالات كثيرا ما تتجاوز البناء اللفظي، وتتخطّى الجذر اللغوي؛ لتعكس كوامن فلسفة الأمة، ودفائن تراكمات ذاكرتها المعرفية، وما انتهى إليه التطور التوظيفي للمفهوم واستقرّ عليه الوعي الجمعي.

فالعقل المسلم أمام خليط من الأصول والماهيات، فقد يريد المتحدث أو الكاتب من المفهوم دلالة ويدرك السامع أو القارئ دلالة أخرى لهذا المفهوم وفقا لخلفياته الثقافية والاجتماعية، فإذا استخدم المفكر مثلا كلمة “المساواة” أو “الحرية” فإن مفهومها يلتبس على المتلقي هل يُريد المدلول اللغوي أم التراثي أم السياسي! ويتجلى هذا الخلط والارتباك عند المناقشة، فكل طرف من أطراف الخطاب يحتفظ في ذهنه بدلالة خاصة، فيصبح الحوار أحيانا نوعا من حوار “الطرشان” حيث لم تعد الألفاظ بإزاء دلالات محددة، وإنما تختلف الدلالة من ذهن إلى آخر، فلكلٍّ فهْمه الخاص لغياب الأرضية الواحدة في التعامل مع المفهوم، والإمعان في تغييب المشترك الثقافي ورفض التلاقح الفكري بين الخطابات المختلفة، فيُعاد مناقشة قضايا بعينها مرّات ومرّات دون الوصول إلى معانٍ مشتركة أو نتائج ننطلق منها، وستظلّ إشكالية المفاهيم قائمة في خطابنا الديني ما دام هناك حالة خلط بين المفهوم

والمصطلح والاسم، وما دام إطار المفاهيم المتداولة غير مقيد بتاريخية زمنية ومكانية، وغير مرتبط بالعوامل والمصادر التي شكّلته.

أضف إلى ذلك تزايد مساحات الحرْفيّين داخل بنية الخطاب الديني الرسمي، ومن أوضح النماذج التي تُعرَّف بهم في التراث ما قاله ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس: “كان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الحلْق قبل الجمعة، بإسكان اللام في الحلق، وأخبرني أنه ظل أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة، فقلت له: إنما هو جمع حلقة وهو الاجتماع في حلقات في المسجد، وكان ابن صاعد كبير القدر في المحدثين لكن ما كان يفهم جواب فتوى، وكان ابن شاهين قد صنّف في الحديث مصنفات كثيرة أقلّها جزء وأكثرها التفسير وهو ألف جزء وما كان يعرف في الفقه شيئا”.

هذا النمط الحرْفي التراثي الذي لا يدرك الطبيعة الاحتمالية لمعنى المفردة المعجمية ما زال موجود في عصرنا.. فكيف يتعاطى من يعجز عن استيعاب تلك الاحتمالية اللغوية مع الدراسات اللغوية الحديثة التي تقول بأن المفردات اللغوية لا تشير إلى موجودات خارجية، تُحيل عليها مباشرة، لكنها تشير إلى مفاهيم ذهنية مستقرة في عقولنا عن العالم الخارجي. فما زال الخطاب الإسلامي الحرفي، على نقيض ذلك، يرى ألفاظ اللغة العربية تدلّ على المعاني دلالة حرفية تطابقيّة، أو بعبارة القدامى الاسم هو المسمى، فالعلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية جوهرية تختفي معها المستويات الدلالية للغة، فتتمسك تلك الخطابات بقراءة حرفية للنصوص، وتدعى جمود المفاهيم عند معانٍ بعينها، مدعية امتلاكها لحقيقة المعنى مُقصيةً غيرها من الخطابات، موحدةً بين المستويات الدلالية، مغلقةً باب التأويل، ومتجاهلة طبيعة اللغة العربية التي حملت دلالات ذهنية لا وجود لها في الواقع من العنقاء والغول وغيرها مما ليس له مدلول عيني واقعي، ويتنكر مثل هذا الخطاب لطبيعة بناء المفاهيم التي تكتسب خصوصية من المحيط الثقافي والفكري والاجتماعي الذى تنشأ فيه، فيغضّ الطرف عن حقيقة كون البيئة إحدى أبرز مُشَكِّلات المفاهيم.

وفي مقابل القابع الجامد جاءت محاولات عصْرنة المفاهيم في تلفيق شكلي متساهل بين الوافد والموروث، فأُدمجت بعض المفاهيم الوافدة عن الأقليات والمرأة والحريات والمساواة والمواطنة في الخطاب الديني ليتماشى مع الخطاب العام للدولة، لكنها لا تعدو عن كونها قشرة سطحية بلا أدنى عمق سرعان ما تزول مع أول احتكاك.

وبين صراع فكري ثقافي دائر اليوم بين وافد مغترب وقابع متجمد اتسعت الهوة بين مرسلي الخطاب الديني، ومستقبليه الذين تأثروا بأفكار وثقافات وافدة، وزاد الطين بلّه الخطاب الإعلامي الذي لا يحرص على خطاب حواري هادئ يكشف المفاهيم، فعلى النقيض يتبنّى غالبا خطابا سجاليا صاخبا يُوسّع دائرة الحِجاج والتخاصم والخلاف والتشتت والصراع حول ما أقصد إليه أنا، وما تقصد إليه أنت..

فما زال الجهاد، والجماعة، والهجرة، والحرية، والمساواة، والولاء، والبراء مفاهيم ملتبسة في العقل المسلم، وستظل المفاهيم في الخطاب الديني تُعاني من الخلط واللبس الذي يُصيب الأمم في أطوار تراجعها الفكري والمعرفي والثقافي، ما لم نُؤسس لبنية مفاهيم نابعة من بيئتنا الخاصة وثقافتنا المعاصرة، فلا تقف المفاهيم عند زمن بعينه بل تتحرك مع العقل المسلم الذي ينبغي أن يكون في حالة حراك دائم..

ومن إشكاليات الفكر الديني أنّه يُكثر من الأقوال المرسلة بلا تعليل، ويختزل الفكرة في كبسولة معرفية دون الخوض في تفاصيل وخصائص قبول تلك الفكرة أو رفضها، فتحويل المعرفة إلى كبسولات جاهزة يُعيدنا إلى عصر التلخيصات التي كانت إيذانا بأفول عصر التقدم والازدهار في تاريخ المسلمين، تلك الإشكالية التي استوقفت الشيخ عبد القاهر الجرجاني فأنكر على سابقيه اختزالهم الحق والصواب في كلمةٍ بلا تفصيل، وإصدارهم الحكم بلا تعليل يُزيل الغموض، ويمنع التداخل، علما بأنّهم كانوا أقل اختزالا من الخطاب الإسلامي المعاصر، فعنده أي حكم يحمله قولٌ لابد أن يكون مشفوعا بدليل، وأنّ الكلام يكون دقيقا على قدره تفصيله. ( )

ومن الصور البارزة للاختزال في الخطاب الإسلامي اختزال الأشياء ذات الطبيعة الثنائية من الخير والشر والقبح والجمال في جانب واحد، ومن شواهد ذلك طريقة تناول الخطاب الوعظي للحياة الدينا، حيث يُركّز على إبراز جانب الشرّ فيها وترسيخ معاني تحقيرها وضرورة عدم الركون إليها، مهملا المعاني التي تحثّ على الإقبال على الحياة لتحقيق قيم الاستخلاف الإنساني إصلاحا وتعميرا، فلا عجب أن يأتي من يتطرف فيتخلّص من حياته فيفجّر نفسه ومن حوله؛ لأن الخطاب الدعوي الرسمي أضعف في نفسه جانب الاستخلاف التعميري للدنيا، وقوّى جانب كراهيتها، فصار أقرب إلى الهدم منه إلى البناء.

فالحثّ على كراهية الدنيا وتحقيرها لا يختصّ بخطاب إسلامي دون آخر، بل فكرة عامة في الثقافة الإسلامية لغياب الدقة والتحديد في تأويلنا لآيات القرآن الكريم، فدوما ننسي القيد وهو أن الدنيا المبغوضة هي “دنيا الإفساد”، “دنيا الأطماع”، ولا أميل إلى اتهام الخطاب الديني في الماضي وإعفاء الحاضر أو اتهام خطاب المتصوفة دون غيرهم، كما فعل الشيخ الغزالي في قوله: “منذ بضع مئات من السنين سقط المجتمع الإسلامي كله فريسة لفكر بعض المتصوفة، هوّنوا لديه العمل للدنيا باسم الإقبال على الأخرة، فكان عقبى هذا التوجيه الضّال دمارا أصاب المسلمين في كيانهم العلميّ والعسكريّ والسياسيّ. إن الإقبال على الآخرة حقّ، ومن ذا الذي يجرؤ على تهوين الآخرة أو يغض من الاستعداد لها؟ غير أن الطريق إلى ذلك ليس بالانصراف عن الدنيا -كما يفهم الكسالى وأهل البلادة- بل بامتلاك الدنيا وتسخيرها لله.

إن أي تاجر مسلم على عهد رسول الله كان كأي تاجر وثني أو نصراني أو يهودي نشاطا وذكاءً وضربا في الأرض وبصرا بالسوق وطلبا للربح. كل ما هنالك من فرق أن غير المسلم قد يكرّس مكاسبه لنفسه وعاجلته، أما المسلم فهو يدَّخر لأخرته -قليلا أو كثيرا- من سعيه”.( )

فالخطاب الديني في حاجة إلى أن يكون متوازنا بين التحذير من الأطماع الدنيوية والإعلاء من الجانب الروحي في التعامل معها، وبين التحفيز على التعمير والإصلاح والبناء والتمتع بالحياة ونشْر قيم العدل والمساواة والحرّية والأمْن، فلا يُهمّش من أهمية الحياة الدنيا في الإسلام ثم نسأل أنفسنا لماذا تخلّف المسلمون عن ركب الحياة!

ومن مظاهر اختزال الأحكام في الخطاب الإسلامي غياب الحديث عن المنطقة الشاسعة في التشريع الإسلامي، وهي منطقة المباح والجائز، حتى صارت أحكام الإسلام كأنها واجب أو حرام، مما جعل المتلقي دائما في حالة سؤال عن المسكوت عنه، أفي دائرة الحرام أم في دائرة الواجب بما أضفي على المسكوت عنه قداسة تخرجه عن دائرة الإباحة والجواز والاختيار إلى دائرة الإلزام!

وقد جاءت معالجة النبي – صلى الله عليه وسلم – متسمة بالصراحة والمواجهة، مؤكدة على مناطق المباح/الجائز الشاسعة في الإسلام، وأن سلطة الإيجاب والتحريم الشرعيين سلطة ربانية حيّزها الله في مناطق محدودة لا يجوز توسيعها؛ ليتقربوا بها إلى الله، فمجتمع النبي -صلى الله عليه وسلم- إنْ لم يعرف التطرف والتشدد في شكل جماعة أو فرقة، إلا أنه ظهر في غلو وتشدد بعض التساؤلات التي ردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابها من ضيق الإيجاب والتحريم إلى رحابة الجواز والإباحة، ففي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها (أي :عدُّوها قليلة(، فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا (أي: دائما دون انقطاع)، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر (أي: أواصل الصيام يومًا بعد يوم)، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني”.( )

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى