رؤى

انتصارات ساحقة للديمقراطيين.. تمثل رفضا شاملا لحركة «ماغا» التي يتزعمها ترامب

راشيل لينغانغ – الغارديان | من دي موين، ولاية آيوا

أعلن الديمقراطيون، بمختلف تياراتهم، انتصارهم مساء الثلاثاء، في أوضح مؤشر حتى الآن على أن الناخبين قد ضاقوا ذرعا بالترامبية.

لا يستطيع أي تيار داخل الائتلاف الديمقراطي أن ينسب إلى نفسه وحده الفضل في الانتصارات الساحقة التي حققها الحزب في انتخابات التجديد النصفي يوم الثلاثاء، بل يمكن لجميع مكونات هذا الائتلاف أن تدّعي نصيبا من هذا النصر.

فقد كانت انتصاراتهم واسعة النطاق وحاسمة إلى حد تعجز معه الانقسامات بين أجنحة الحزب عن تفسيرها. وفي انتخابات هذا العام، لم يكن الشرط الأهم لفوز الديمقراطيين سوى ألّا يكونوا جمهوريين.

لقد قدّم ترامب للديمقراطيين هدايا سياسية ثمينة، تمثّلت في حرب على إيران لا تحظى بشعبية على الإطلاق، وأدت إلى ارتفاع الأسعار، ورسوم جمركية فوضوية ألحقت دمارا بالشركات الصغيرة والمزارعين والتحالفات الدولية، فضلا عن تقليص الإنفاق على الرعاية الصحية، وبرنامج ترحيل مميت، واستغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، والفساد، والفصول التي لا تنتهي من المهزلة المتعلقة بتجديد حوض مائي عاكس.

والتقط الديمقراطيون هذه الفرصة وانطلقوا بها، مصعّدين مواجهتهم مع ترامب في وقت واصلت فيه شعبيته التراجع. ولم يكن ما حدث مجرد رد فعل انتخابي معتاد ضد حزب الرئيس الحاكم في انتخابات التجديد النصفي، بل كان رفضا شاملا لحركة «لنجعل أميركا عظيمة مجددا» (ماغا) التي يتزعمها الرئيس، وأوضح دليل حتى الآن على أن الناخبين قد سئموا الترامبية.

وأعلن الديمقراطيون، بمختلف توجهاتهم، انتصارهم مساء الثلاثاء؛ من المعتدلين والتقدميين إلى الشعبويين والاشتراكيين الديمقراطيين. وامتدت انتصاراتهم إلى مختلف مستويات الاقتراع، إذ انتزعوا السيطرة على مجلسي الكونغرس، وعدد من مناصب حكام الولايات، وحققوا في عدة ولايات سيطرة ديمقراطية كاملة على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وستتيح هذه الانتصارات للديمقراطيين سُبلا لمحاسبة ترامب، والاضطلاع بدورهم بوصفهم سلطة حكومية فاعلة، وهو ما دأب الناخبون على القول إنهم افتقدوه خلال ولاية ترامب الثانية.

وخاض الديمقراطيون منافسات انتخابية في عمق المعاقل الجمهورية، في مناطق لم يكن أحد ليفكر حتى في إدراجها على خريطة المنافسة قبل ستة أشهر فقط. وسينضم إلى صفوف الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي عضوان من ولايتي كانساس وكارولاينا الجنوبية. كما تحولت تكساس إلى اللون الأزرق، ولم يقتصر ذلك على سباق انتخابي واحد.

وأظهر الناخبون في الدوائر الريفية، التي سبق للديمقراطيين أن فقدوا الأمل في الفوز بها، أنهم قابلون للإقناع. وفي ولاية مين، أطاح الناخبون بعضو مخضرم في مجلس الشيوخ الأميركي أمضى ثلاثين عاما في منصبه، رغم الفضائح التي لاحقت المرشح الديمقراطي، الذي استُبدل به مرشح آخر في نهاية المطاف.

وفي الحفل الذي أقامه الديمقراطيون لمتابعة نتائج الانتخابات في مدينة دي موين بولاية آيوا، حيث انتزع الحزب منصب الحاكم ومقعد مجلس الشيوخ الأميركي وثلاثا من دوائر الولاية الأربع في مجلس النواب، بلغ الحماس حدًا قارب الذهول وعدم التصديق.

وقال روب ساند، الذي انتُخب حاكما جديدا للولاية، مخاطبا أنصاره في كلمة النصر: «إلى ديمقراطيي آيوا، لقد مررنا بسنوات عصيبة هنا في الولاية، لكننا استعدنا الآن التوازن في الحكم».

وستمنح هذه الانتصارات الديمقراطيين فرصة لمحاسبة ترامب على جميع مستويات الحكم، وإثبات قدرتهم للناخبين على إدارة شئون البلاد بكفاءة، شريطة أن يتمكنوا من استثمار الزخم الذي حققوه.

ويكشف حجم الانتصارات الديمقراطية عن مدى تراجع شعبية الجمهوريين، وهو أمر ظل الناخبون في مختلف أنحاء البلاد يرسلون إشارات واضحة بشأنه طوال العام.

وخلال أحاديثي مع الناخبين على مدار العام الماضي، لمست استياءً عميقا وغضبا كانا المحرك الأساسي لأصواتهم، بمستوى لم أشهده من قبل. وعلى امتداد الحملات الانتخابية، بدا الناخبون من شتى الانتماءات السياسية وقد بلغ بهم السأم مداه، حتى طغى غضبهم من الأوضاع القائمة على سائر أولوياتهم الانتخابية.

وعندما سألت المستشارة السياسية التقدمية أنات شينكر-أوسوريو عن ذلك قبل أشهر، توقعت أن تُحسم انتخابات التجديد النصفي بأصوات الناخبين الذين بلغ بهم الغضب حد القول: «لقد طفح الكيل، ولن نتحمل المزيد»، كما يحدث غالبا في مثل هذه الانتخابات.

وقالت إن الأمر لن يكون تحولا مفاجئا نحو تأييد الديمقراطيين، بل تعبيرا عن موقف مفاده «اللعنة على الطرفين». وأضافت أن حجم الموجة الديمقراطية سيتوقف على مدى نجاح الحزب في إقناع الناخبين الغاضبين والمحبطين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.

وبالنظر إلى التسونامي الأزرق الذي اجتاح الانتخابات، يبدو أن هؤلاء الناخبين اقتنعوا بأن الإدلاء بأصواتهم يستحق العناء.

وفي معظم الحالات، حرص المرشحون الديمقراطيون على الحضور والاستماع إلى الناس. فقد عقدوا لقاءات جماهيرية مفتوحة في مختلف أنحاء دوائرهم الانتخابية، وأصغوا إلى الغضب الذي بات سمة بارزة في المشهد السياسي.

ووجّه الديمقراطيون غضبهم إلى أعلى الهرم، نحو المليارديرات والنخب التي تهيمن على النظام السياسي الأميركي، محمّلين إياها مسئولية اتساع فجوة التفاوت في الدخل، التي جعلت الأميركيين يشعرون بأن تحسين أوضاعهم والمضي قدما في حياتهم أصبحا أمرين شبه مستحيلين.

وأظهرت النتائج أن الناخبين قد سئموا الحزب الجمهوري بزعامة ترامب. فقد كاد ائتلاف ترامب أن يقصي من صفوفه جميع التيارات المتبقية التي كانت تجاهر بمعارضتها للرئيس. وبات على الجمهوريين الآن مواجهة السؤال المتعلق بهوية حزبهم في مرحلة ما بعد ترامب.

هل كان من الممكن أن يجد الجمهوريون مسارا انتخابيا بديلا لو خاض بعضهم السباق على أساس معارضة صريحة لأجندة ترامب، وتعهدوا بالعمل على كبح جماح السلطة التنفيذية ومحاسبة الرئيس؟ لا نعرف الإجابة، إذ لم يحاول أحد فعل ذلك بجدية.

ولم تنجح محاولات إثارة الخوف من المتحولين جنسيا، أو الأميركيين من أصول عربية، أو حسن بيكر. فقد كانت الظروف الأساسية لحياة الأميركيين تزداد سوءا، وخلص الناخبون إلى أن الجمهوريين هم المسئولون عن ذلك.

لقد اضطروا إلى دفع مبالغ أكبر بكثير مقابل الوقود بسبب حرب لا يؤيدونها. وتخلوا عن تغطيتهم الصحية لعجزهم عن تحمل تكاليفها، بعدما سمح الكونغرس بانتهاء العمل بإعانات التأمين الصحي.

وشاهدوا مراكز البيانات تتوسع داخل بلداتهم، في تجسيد مادي لما قد يحمله الذكاء الاصطناعي من اضطرابات تمس حياتهم.

لكن ترامب استخف بمخاوفهم إزاء هذه القضايا، مدعيا -في جوهر الأمر- أن ما يقلقهم لا يحدث أصلا، أو أنه خطوة ضرورية في سبيل تحقيق أهداف أكبر.

بل إن الناخبين تمردوا حتى على محاولات الجمهوريين إعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية بما يمنح حزبهم أفضلية، إذ مُني الحزب بهزائم كبيرة في دوائر كان يُفترض أن يفوز فيها بسهولة وبفارق يتجاوز عشر نقاط مئوية.

وكرر ترامب دعوته للناخبين إلى التصويت كما لو كان اسمه مدرجا على بطاقة الاقتراع، اعتقادا منه أن ذلك سيحفز قاعدته الشعبية ويساعد على تجنيب الجمهوريين خسائر فادحة.

لكن، وكما قال بعض الناخبين يوم الثلاثاء، كان حضوره واضحا بالفعل، غير أن النتيجة جاءت عكس ما أراد.

وفي مدينة روتشستر بولاية نيوهامبشير، قالت الناخبة المستقلة ريبيكا كونورز إنها صوتت للديمقراطيين لتوجيه رسالة إلى ترامب مفادها أنه «يعيث فسادا».

وقالت بيغي فلاناغان، الديمقراطية المنتخبة لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية مينيسوتا، عقب فوزها: «في مختلف أنحاء الولاية، وفي شتى أنحاء هذا البلد، يقول الناس: كفى، لقد طفح الكيل».

وأضافت: «لقد هزمتم دونالد ترامب للتو، وأميركا هزمته أيضا».

ورغم أن الأنظار ستتجه سريعا نحو انتخابات عام 2028، فإن الديمقراطيين باتت أمامهم الآن فرصة للإمساك بالسلطة التي ائتمنهم عليها الناخبون، وتوظيفها في إعادة بناء حزبهم.

أما الجمهوريون، فتنتظرهم مراجعة داخلية أعمق بكثير، فيما لا تزال نتائج انتخابات التجديد النصفي ماثلة أمام أعينهم، وإن أصبحت خلفهم في مرآة الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى