مقدمة أصوات: يتناول المقال السقوط المدوي لحلفاء الكيان في أكثر من دولة بدءا من سقوط ألكسندر فوتشيتش في صربيا ومرورا بهزيمة بولسنارو في البرازيل، وعدم حسم نتنياهو وحلفائه للانتخابات داخل الكيان، وانتهاء بالهزيمة الكبيرة التي مُني بها ترامب وحزبه الجمهوري أمام الديمقراطيين الذين يتزعمهم الجناح المناهض لإسرائيل، المرتبط ببيرني ساندرز.. لم يقف الأمر عند ذلك فقد تعالت الأصوات داخل الحزب الجمهوري أيضا، تحمّل إسرائيل مسئولية الهزيمة الساحقة التي مُني بها الحزب الثلاثاء الماضي. سيتعين على الكيان الصهيوني مواجهة الحقيقة خلال الفترة القادمة.. وهي أنه لم يصبح كيانا منبوذا بالكلية ومدانا بارتكاب جرائم حرب وضالعا في إبادة جماعية ما زال مُصرا عليها إلى يومنا هذا فحسب – بل سيواجه حلفاؤه الهزيمة تلو الهزيمة في كل أنحاء العالم، وهو ما يعني أياما صعبة جدا.. ربما لم يواجهها الكيان المحتل من قبل.
المقال:
خسرت إسرائيل أربعة انتخابات خلال عشرة أيام. كان أحدها انتخاباتها هي، أما الأخير فكان انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء.
بدأت سلسلة الهزائم في 25 أكتوبر في صربيا. فقد استقال ألكسندر فوتشيتش، الحليف القوي لإسرائيل، من منصب الرئيس قبل شهر، وسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة من خلال تولي منصب رئيس الوزراء. لكن تحالفه خسر، بدلا من ذلك، الانتخابات البرلمانية المبكرة أمام قائمة مدعومة من الطلاب، نشأت عن حركة احتجاجية مناهضة للفساد.
وعلى خلاف انتخابات التجديد النصفي الأمريكية يوم الثلاثاء، التي كانت إسرائيل قضية مطروحة في عدد من دوائرها الانتخابية، دارت الانتخابات الصربية حول مظالم ومشكلات داخلية. لم يخسر فوتشيتش بسبب علاقاته الوثيقة بإسرائيل، لكن تلك العلاقات قد تتضرر نتيجة خسارته. وبعد “مجزرة” السابع من أكتوبر، أصبحت هذه العلاقات ذات أهمية استراتيجية بالغة.
ففي الوقت الذي بدأ فيه بعض حلفاء إسرائيل الغربيين فرض قيود على مبيعات الأسلحة أو مكوناتها، كثفت صربيا دعمها العسكري لإسرائيل. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تواصلت مع صربيا في وقت مبكر، وتحديدا في 8 أكتوبر 2023، طالبةً الحصول على ذخائر. وافق فوتشيتش، وسرعان ما بدأت قذائف المدفعية عيار 155 ملم تُنقل جوا إلى إسرائيل.
نتنياهو وصف فوتشيتش بأنه «صديق حقيقي لإسرائيل»
في فبراير 2024، وبعد اتصال هاتفي مع الزعيم الصربي، أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بما وصفه بـ«الدعم الثابت الذي قدمته البلاد لإسرائيل قولا وفعلا»، ووصف فوتشيتش بأنه «صديق حقيقي لإسرائيل». والآن، بعد خروج هذا «الصديق الحقيقي» من السلطة، ما الذي سيحدث للعلاقات الدفاعية بين البلدين؟
لقد كانت تجارة السلاح تسير في الاتجاهين. ففي أغسطس 2025، وقعت صربيا صفقة بقيمة 1.6 مليار دولار لشراء طائرات مسيّرة إسرائيلية، وصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة للحرب الإلكترونية، ومعدات عسكرية أخرى.
وفي أبريل الماضي، أطلق البلدان حوارا استراتيجيا، وفي 17 سبتمبر، افتتح فوتشيتش مصنعا في بلغراد لتجميع طائرات مسيّرة صُممت في إسرائيل.
وقد تعهدت قائمة الطلاب الفائزة بوقف صادرات الأسلحة إلى مناطق الحروب، وهو تعهّد جرت مناقشته علنا في سياق الحرب في أوكرانيا. لكن ما إذا كان هذا التعهد سينطبق أيضا على إسرائيل، وما الذي سيحدث لمشروع إنتاج الطائرات المسيّرة، يظلان سؤالين مفتوحين. غير أن البرنامج الانتخابي للقائمة، الذي طُرح قبل الانتخابات، اتخذ موقفا صريحا من غزة، جاء فيه:
«لن نكون شركاء في المحاولة المنهجية لتدمير الشعب الفلسطيني التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة».
وفي الأحد نفسه الذي مُني فيه تحالف فوتشيتش بهزيمة ساحقة في صربيا، تمكّن الرئيس البرازيلي اليساري المناهض لإسرائيل، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، من هزيمة مرشح اليمين المؤيد لإسرائيل، فلافيو بولسونارو.
وقد بددت هذه النتيجة الآمال في القدس بأن تسير البرازيل على خطى كولومبيا وبيرو وتشيلي وبوليفيا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية، من خلال انتخاب حكومات يمينية أكثر صداقة لإسرائيل. فبعد أن تقدم بولسونارو على لولا، في الجولة الأولى، في وقت سابق من أكتوبر، اتصل به نتنياهو لتهنئته. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي: «إن الطرفين يعتزمان تجديد أواصر الصداقة العميقة بين البلدين، في إطار التحول الجاري في علاقات إسرائيل مع دول أمريكا الجنوبية…».
إنه تصريح لم يحالفه التوفيق في ضوء ما حدث لاحقا! كان من المتوقع أن يؤدي فوز فلافيو بولسونارو إلى العودة إلى سياسات والده، جايير بولسونارو. فقد افتتح الرئيس البرازيلي الأسبق مكتبا تجاريا في القدس عام 2019، وعزز التعاون الدفاعي والاستخباراتي مع إسرائيل، كما غيّر أنماط تصويت البرازيل في الأمم المتحدة. لكن عندما هزم لولا الرئيس الأسبق جايير بولسونارو عام 2022، أخذ البرازيل في الاتجاه المعاكس تماما. فقد دعمت البرازيل الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، والمتعلقة بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
الانتخابات الإسرائيلية تنتهي إلى طريق مسدود
شبّه لولا الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة بالمحرقة النازية (الهولوكوست)، واستدعى السفير البرازيلي لدى إسرائيل. وقد أغلق فوزه بولاية رئاسية جديدة الباب أمام الانفتاح الذي كانت القدس تأمل تحقيقه.
ثم جاءت الانتخابات الإسرائيلية نفسها.
كيف خسرت إسرائيل هذه الانتخابات؟ انتهت، مرة أخرى، إلى حالة من الجمود السياسي، بحيث يستطيع كل طرف أن يصف النتيجة بأنها انتصار له.
فبوسع نتنياهو الإشارة إلى أن حزب الليكود لا يزال أكبر الأحزاب، وإلى تقدم معسكره على معسكر التغيير.
وفي المقابل، يستطيع معسكر التغيير الإشارة إلى أن الأحزاب الواقعة خارج معسكر نتنياهو، بما فيها الأحزاب العربية، حصلت على أغلبية واضحة من مقاعد الكنيست.
لكن أيا من الطرفين لم يخرج بأغلبية تمكّنه من تشكيل حكومة والحكم بمفرده. وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه إسرائيل في الخارج، والجراح التي لم تندمل بعد في الداخل جراء أحداث السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى انتخابات تفرز حكومة قوية ومستقرة وقادرة على إدارة شئون البلاد.
لكنها حصلت، بدلا من ذلك، على نتيجة مألوفة من دورة الانتخابات الخمس التي شهدتها البلاد بين عامي 2019 و2022: لا فائز واضحا في ليلة الانتخابات، واحتمال الدخول في مفاوضات ائتلافية قد تستمر شهورا، وقد تنتهي أو لا تنتهي إلى تشكيل حكومة. وحتى الحكومة التي قد تنبثق عن هذه المفاوضات ستواجه، بسبب التنازلات التي سيكون عليها تقديمها بالضرورة، تشكيكا في شرعيتها السياسية عند كل منعطف.
لماذا تضم الحكومة الأحزاب الحريدية (اليهودية الأرثوذكسية المتشددة)، بينما كانت الوعود الانتخابية تدور حول تشكيل حكومة من دون هذه الأحزاب؟
ولماذا تعتمد الحكومة على دعم الأحزاب العربية، بينما كانت الوعود قبل الانتخابات تؤكد أنها لن تسمح بمثل هذا الأمر أبدا؟
تواجه إسرائيل تحديات هائلة. وكان كثيرون يأملون أن تسفر الانتخابات سريعا عن قيادة قادرة على التعامل مع هذه التحديات والمناورة في مواجهتها. لكن ذلك لم يحدث -على الأقل حتى الآن- وبهذا المعنى خسرت إسرائيل. الديمقراطيون المناهضون لإسرائيل يحققون مكاسب في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وهذا يقودنا إلى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء.
فقد فاز الديمقراطيون بمجلسي الكونغرس، ومن بين الذين سيتوجهون إلى واشنطن في يناير المقبل السيناتور المنتخب عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد، المعروف بمواقفه المناهضة لإسرائيل. وقد أصبح من المغري بالفعل أن يتحسر المرء على الأيام التي كان فيها عدد أعضاء ما يُعرف بـ«الفرقة» (The Squad)، وهي المجموعة التقدمية المناهضة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، لا يتجاوز أربعة أعضاء! لكن السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى سيتحرك التيار الرئيسي للحزب الديمقراطي في اتجاه مواقف عبد الرحمن السيد؟ فبوسع أقلية صغيرة، لكنها صاخبة داخل حزب سياسي، أن تحدد نبرة النقاش وتوجهه، حتى وإن لم تكن تمتلك الأصوات الكافية لحسم القرارات. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يناقش الكونغرس قضايا مثل مبيعات الأسلحة، والمساعدات العسكرية، والرقابة على السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
لقد حصل الجناح المناهض لإسرائيل، المرتبط ببيرني ساندرز، داخل الحزب الديمقراطي على تعزيزات كبيرة يوم الثلاثاء. لكن المشكلة التي تواجه إسرائيل لا تقتصر على الجانب الديمقراطي من الممر الفاصل بين الحزبين في الكونغرس. فداخل الحزب الجمهوري أيضا، بدأت أصوات تحمل إسرائيل مسئولية الهزيمة الساحقة التي مُني بها الجمهوريون يوم الثلاثاء. خذ على سبيل المثال هذا العنوان الذي نشرته صحيفة «نيويورك بوست»: «حلفاء ترامب يحمّلون حرب إيران مسئولية الخسائر المدمرة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي: نأمل أن يتصل تشاك شومر بنتنياهو ويشكره!».
كان ذلك هو عنوان الصحيفة في الصباح. وبحلول فترة ما بعد الظهر، أزال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أي شكوك بشأن وجود هذا الاتجاه، من خلال منشور على منصة «إكس» (تويتر سابقا)، اقتبس فيه كلاما لأحد خبراء استطلاعات الرأي، مفاده أن بعض الناخبين الذين دعموا الرئيس دونالد ترامب عام 2024، صوتوا يوم الثلاثاء لصالح الديمقراطيين لأربعة أسباب رئيسة:
* إنهاء الحرب مع إيران.
* التركيز على قضايا تكاليف المعيشة.
* وضع أمريكا أولا.
* تغيير طبيعة علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل.
ويمكن تلخيص الحجة التي يطرحها هذا الاتجاه على النحو التالي:
خسر الجمهوريون لأن أسعار البنزين كانت مرتفعة. وارتفعت أسعار البنزين بسبب الحرب مع إيران. ونتنياهو هو الذي جرّ ترامب إلى تلك الحرب. وبالتالي، ينبغي تحميل إسرائيل المسئولية.
ومع بحث الجمهوريين عن طرف يحمّلونه مسئولية هزيمة الثلاثاء، يُتوقع أن نسمع المزيد من هذه الحجة. سيظل ترامب في البيت الأبيض خلال العامين المقبلين. لكن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم مرافعتها أمام كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، في الوقت الذي يحمل فيه بعض أقرب حلفاء الرئيس الأمريكي إسرائيل مسئولية الهزيمة “الجمهورية”.
وسيؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية في الثالث من يناير، سواء كانت إسرائيل قد نجحت في تشكيل حكومة جديدة بحلول ذلك الوقت أم لا. وهنا يكمن الخطر الناجم عن الانتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة. فبحلول الوقت الذي تحسم فيه القدس مسألة من سيحكم إسرائيل، قد تكون واشنطن قد تغيرت بالفعل، وأصبح لديها كونغرس مختلف تماما يناقش طبيعة العلاقة التي يريدها مع إسرائيل.
وإذا كان الساسة الإسرائيليون يريدون أن تكون للحكومة المقبلة كلمة مؤثرة في هذا النقاش منذ بدايته، فلديهم سبب وجيه للإسراع في تشكيلها.








