في شهر أبريل عام 2024، كانت الشابة الأمريكية دارياليزا أفيلا شيفالييه٬ خريجة جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، تنظم مع رفاقها من الطلاب حديثي الالتحاق بالجامعة، اعتصاما حاشدا في ساحة الجامعة احتجاجا على حرب الإبادة الجماعية التي كان جيش الاحتلال الصهيوني يرتكبها في قطاع غزة وما اعتبره الطلاب تواطؤا من جامعتهم فيها بسبب استثمار إدارتها في شركات داعمة للاحتلال.
وبحلول نهاية ذلك الشهر.. اقتحمت قوات الأمن الأمريكية قاعة الاعتصام التي اسماها الطلاب “قاعة هند” تمينا باسم الطفلة الفلسطينية الشهيدة هند رجب، وأنهت الاعتصام بقدر مفرط من العنف.
في صيف عام 2026، عاد اسم شيفالييه إلى الأخبار مرة أخرى، ولكن هذه المرة بوصفها مرشحة للكونغرس عن الحزب الديمقراطي الأمريكي، في الدائرة رقم 13 في ولاية نيويورك، حيث تمكنت بفارق محدود، وبدعم من عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، من التفوق على نائب تلك الدائرة أدريانو اسبايلات، وانتزاع ترشيح الحزب.
وبحلول نوفمبر من نفس العام، حجزت المرشحة الشابة -التي أعلنت اعتناقها الدين الإسلامي بعد تأثرها الشديد بالأحداث التي شهدها قطاع غزة- مقعدها في الكونغرس الامريكي بعد أن تفوقت على مرشح الحزب الجمهوري المنافس في نفس الدائرة بحصولها على أكثر من 87% من أصوات الناخبين، لتصبح بذلك أول سياسية تعرف نفسها بوصفها اشتراكية تنوب عن هذه الدائرة في الكونغرس منذ خمسينات القرن العشرين.
لم تكن شيفالييه وحيدة في هذا السباق، حيث شهدت انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ لعام 2026، فوز أكثر من مرشح ومرشحة أعلنوا صراحة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، وقوفهم إلى جانب الحق الفلسطيني ومعارضتهم لحرب الإبادة التي تموّل بمال وسلاح أمريكي.
ووفقا للحملة الأمريكية للتحرك من أجل الحقوق الفلسطينية، فقد شهدت الانتخابات المشار إليها أعلاه فوز ما لا يقل عن 11 مرشحا على المستوى المحلي والاتحادي وهو ما أكَّده تقرير لوكالة الاسوشيتيد برس الإخبارية.
ومن بين المرشحين إلى جانب شيفالييه، المرشح عبد الرحمن السيد في ولاية ميتشيغان الذي أصبح، بعد تفوقه على منافسه الجمهوري.. أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ.
وتروي جاكسون في ولاية ماين، وهو أحد المرشحين المنادين بوقف الدعم غير المحدود لدولة الاحتلال.
أما على مستوى الكونغرس، فقد تضمنت قائمة الفائزين أسماء مثل الطبيب -ذو الأصول المصرية- آدم حموي في ولاية نيوجيرسي، وهو طبيب تطوع لعلاج الجرحى في قطاع غزة، إضافة إلى مرشحين معروفين بنقدهم للاحتلال تمكنوا من الاحتفاظ بمقاعدهم في الكونغرس مثل رشيدة طالب، في ولاية ميتشيغان وإلهان عمر، في ولاية مينيسوتا وأليكساندرا أوكاسيو كورتيز في ولاية نيويورك. وهي نتائج اعتبرتها صحيفة الغارديان البريطانية توبيخا عنيفا للساسة في واشنطن بسبب موقفهم من دولة الاحتلال الصهيوني.
ونقلت الصحيفة عن بيث ميلر، مديرة سياسات مؤسسة “صوت يهودي من أجل السلام” وهي مؤسسة يهودية أمريكية معادية للصهيونية، قولها إن إجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري على دعم الدولة الصهيونية قد انتهى، وأضافت أنه بدون هذا الإجماع قد يتخذ الكونغرس المقبل إجراءات ضد دولة الاحتلال من بينها حظر تصدير السلاح الأمريكي إليها وصولا إلى فرض عقوبات على مسئولين ومستوطنين صهاينة.
كما رأت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية إن نتائج الانتخابات تعكس اضطرابا وشيكا في سياسات واشنطن تجاه المنطقة العربية.
وأشارت إلى أن ما تشير إليه النتائج يتجاوز معارضة الكونغرس المقبل لحرب التي شنتها الإدارة الامريكية الحالية على الجمهورية الإيرانية، حيث أن دعم واشنطن لتل أبيب كان أمرا مقدسا في العاصمة الأمريكية على مدار عقود وفكرة يجمع عليها كلا الحزبين، أما نتائج هذه الانتخابات، فتعكس رغبة شعبية في سياسة مغايرة.
وبطبيعة الحال.. لم تخف هذه الدلالات على الإعلام العبري، فعلى شاشة القناة 14 العبرية، قالت محللة الشئون الأمريكية تهيلا فاليك ليفي: ندرك أن ما حدث الآن محزن وصعب ومخيف ومقلق، ليس للولايات المتحدة وحدها، بل لإسرائيل ولليهود الذين يعيشون هنا أيضا.
ووصفت القناة 15 العبرية المرشح الفائز عبد الرحمن السيد بأنه “سيكون أكثر سيناتور أمريكي معادٍ لـ “إسرائيل” في تاريخ “إسرائيل”، إنه متوجه إلى واشنطن بتفويض لاتخاذ مواقف قوية معادية لـ “إسرائيل” داخل مجلس الشيوخ”.
أما صحيفة معاريف فوصفت الانتخابات بأنها زلزال في الولايات المتحدة وأكدت أنها “ضربة قاسية لترامب في انتخابات التجديد النصفي”.
وعلى صفحات نفس الصحيفة، شن الكاتب بن كسبيت هجوما عنيفا على الحكومة الصهيونية الحالية، معتبرا أن انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة أتت “لتوضح لنا إلى أي حد أصبح اسم بنيامين نتنياهو مصدرا للنفور والأذى، أشبه بمادة مشعة، في كل ما يتعلق بصورة إسرائيل في العالم وفي أمريكا. أما الكيفية التي خسرنا بها أثمن ما نملك -أي التحالف مع أمريكا- فتستحق لجنة تحقيق مستقلة”.
وأضاف أن الحكومة الحالية نجحت في “تدمير صورة إسرائيل، حتى الأساس تقريبا. وأصبحنا منبوذين كالمصابين بالجذام”
ووصف الكاتب الرئيس الامريكي الحالي بأنه صار “بطة عرجاء” مضيفاً “والرئيس الذي سيأتي بعده، إذا كان ديمقراطيا، سيصفي حسابه معنا، وفي غضون ذلك، يتبين أننا نخسر المساعدات أيضا”.
وفي تعليق لا يخلو من سخرية مريرة، نقلت صحيفة إسرائيل اليوم العبرية، عمن وصفته بمسئول صهيوني رفيع، قوله “إن الحرب على إيران كان يُفترض أن تؤدي إلى إسقاط النظام في طهران، لكنها بدلا من ذلك أسقطت الإدارة في واشنطن”.
وبنفس منطق هذا المسئول الصهيوني، فإن “طوفان الاقصى” الذي انطلق من أرض غزة في السابع من أكتوبر من عام 2023، والذي لازال بعض “العرب” يستهينون به، بل ويصفونه بالفشل، قد وصلت أمواجه العاتية اليوم إلى عاصمة دولة هي أكبر حليف لكيان الاحتلال.








