دخلت مشاورات تشكيل الحكومة “الإسرائيلية” مرحلة حاسمة، بعد أن فرضت نتائج الانتخابات العامة التي جرت في 27 أكتوبر الماضي؛ واقعا جديدا أفقد نتنياهو وحلفاءه الأغلبية البرلمانية، وفتح الباب واسعا أمام إمكانية إنهاء حقبته، التي امتدت لسنوات طويلة.
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق المنافس الأهم- يتقدم في سباق الحصول على تكليف تشكيل الحكومة؛ لكن طريقه إلى تأمين أغلبية برلمانية تتيح له ترجمة هذا التقدم إلى سلطة فعلية، ما زال محفوفا بكثير من العوائق، ما يجعل المعركة الراهنة أكثر تعقيدا من مجرد استبدال آيزنكوت بنتنياهو.
أجرى رئيس الكيان إسحاق هرتسوج مشاورات مع ممثلي الكتل البرلمانية أسفرت عن تقدم واضح لآيزنكوت، بعدما أوصى 67 عضوا في الكنيست بتكليفه بتشكيل الحكومة، مقابل 46 عضوا أوصوا باستمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة؛ غير أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة امتلاك آيزنكوت أغلبية جاهزة للحكم؛ فالرئيس “الإسرائيلي” نفسه حذّر من أن الحسم مازال بعيدا؛ بسبب وجود اعتراضات متبادلة داخل المعسكرات السياسية وفيما بينها، وهو ما دفعه إلى إعلان عزمه تكليف أحد المرشحين يوم الأحد القادم، بعد إجراء مشاورات شخصية إضافية مع قادة الأحزاب.

الليكود الذي حصل على 27 مقعدا من 53 مقعدا حققها الائتلاف اليميني -أكثر من المعسكر المنافس بخمسة مقاعد- هو أكثر الأحزاب حصولا على مقاعد في الكنيست؛ لكن الأحزاب العربية نالت 19 مقعدا بنسبة مشاركة تصويتية تجاوزت 80% ما جعل لها دورا حاسما في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
مشاورات هرتسوج شهدت إعلان القائمة العربية المشتركة، التي يقودها يوسف جبارين، والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، تأييدهما تكليف آيزنكوت تشكيل الحكومة. ويعكس هذا الموقف، رغبة لدى قطاع واسع من فلسطينيي الداخل في إنهاء حكم نتنياهو وحلفائه الأكثر تطرفا، الذين ارتبطت سنوات حكمهم بتصاعد العنصرية والتمييز وتفاقم الجريمة والإقصاء السياسي بحق المواطنين العرب، مع العلم أن آيزنكوت لم يشر إلى إمكانية مشاركة عربية مباشرة في حكومته، فهو ما زال عند شروطه المتعلقة بالاعتراف بـ”إسرائيل” باعتبارها دولة يهودية، وقبول الخدمة “الوطنية” العسكرية أو المدنية، وإدانة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
القائمة العربية المشتركة أبدت استعدادها لدعم حكومة جديدة من خارج الائتلاف، من خلال التصويت التكتيكي في الكنيست، بينما أعلنت القائمة العربية الموحدة استعدادها للانضمام إلى حكومة يقودها آيزنكوت.

حزب يهدوت هتوراه الحريدي الذي فاز بـ 7 مقاعد امتنع عن التوصية بأي من المرشحين في مشاورات الرئيس؛ مُحدثا شرخا كبيرا في معسكر اليمين. اعتبر الامتناع ردا على فشل نتنياهو في تمرير تشريع يضمن إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية، وهي القضية التي باتت تشكل أحد أكثر ملفات الصراع الداخلي -في الكيان- حساسية، وتزداد أهمية الموقف الحريدي مع التقارير التي تحدثت عن تراجع أفيجدور ليبرمان، زعيم حزب إسرائيل بيتنا، عن رفضه المطلق مشاركة الأحزاب الحريدية في أي ائتلاف حكومي، وفتح الباب أمام التفاوض معها بشأن صيغة أكثر مرونة لقانون التجنيد. ويعكس تحوّل ليبرمان، أولوية سياسية باتت تتقدم على غيرها، وهي: التخلص من حكم نتنياهو، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات متبادلة في ملف التجنيد. وتذهب بعض التقارير إلى احتمال بحث ترتيبات ائتلافية تشمل تفاهمات بين ليبرمان وآيزنكوت، وربما اتفاقا على تناوب رئاسة الحكومة، وإن كانت هذه الأفكار لا تزال في نطاق التقارير والتكهنات ولم تتحول إلى اتفاق معلن، من الممكن أيضا أن يكون هناك ثمة تفاهم بين الحريديم ومعسكر آيزنكوت، وهو ما معناه توقف مسار التقارب مع القائمتين العربيتين؛ لكن ذلك يعني أيضا مواجهة مع حلفاء آيزنكوت، العلمانيين الذين يطالبون بالمساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية، ويرفضون استمرار الامتيازات الممنوحة لطلاب المعاهد الدينية. وبذلك قد يجد آيزنكوت نفسه أمام معضلة سياسية مزدوجة: إما تقديم تنازلات للحريديم تهدد تماسك معسكره، أو الاعتماد على دعم الأحزاب العربية بما يحمله ذلك من اعتراضات داخلية وضغوط من شركائه المحتملين.

ويسعى معسكر آيزنكوت إلى توسيع تحركاته داخل الكنيست، بما في ذلك محاولة تغيير رئيسه أمير أوحانا، والسيطرة على جدول الأعمال البرلماني، وفتح الطريق أمام ملفات ظلت معطلة خلال حكم نتنياهو، وفي مقدمتها المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023. وهو ما يكشف أن الصراع لا يدور فقط حول هوية رئيس الحكومة المقبل، وإنما يمتد إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ ومؤسسات الرقابة والمساءلة داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
إسقاط نتنياهو صار هدفا مشتركا يجمع أطرافا متناقضة، لكنه لا يصلح برنامجا للحكم. وهذه هي المفارقة الأساسية في المشهد “الإسرائيلي” الراهن: نتنياهو يخسر الأغلبية، وآيزنكوت يكسب توصيات التكليف، لكن حسم السلطة لا يزال رهنا بتفاهمات لم تنضج بعد، وبصفقات قد تغير خريطة التحالفات في اللحظة الأخيرة.








