رؤى

الشعوب في مواجهة النخب: الشعبوية.. أيديولوجيا أم أسلوب لإدارة السياسة؟

كتب: آندي نوت

 ترجمة وعرض: تامر الهلالي

إننا نعيش لحظة لا تفارق فيها كلمة “الشعبوية” خطاب السياسيين والمعلقين والمراقبين, على الرغم من أنه نادرًا ما يكون هذا المصطلح وصفا من جانب السياسيين الشعبويين لأنفسهم.. نسمع تلك الكلمة مراراً وتكراراً لكن بمجرد أن نحاول أن نتعامل مع ما تعنيه في الواقع، يزداد الالتباس.

 هناك العديد من الأسباب لهذه الصعوبة في فهم معنى أو مفهوم الشعبوية، فالمجتمع الأكاديمي الذي تناول الظاهرة وصل إلى توافق في الآراء حول السمات الأساسية للمفهوم، حيث يبدو الحديث عن وضع الشعب فى مواجهة النخب أو حشده ضد النخب أو ضد المهاجرين أو الأقليات هو المعنى الأقرب لتفسير  المصطلح. غير أن مفهوم الشعبوية ربما يكون أبعد من ذلك، مثل الانحياز للعرق والهوية مثلا، ما يعني أن اللبس لايزال قائما بشأن التعريف الدقيق للشعبوية.

إرتباك مفاهيمي

السبب الأول في الارتباك بشأن تعريف لمصطلح “الشعبوية” هو أن الكلمات لا يتم وضعها في سياقاتها الصحيحة الدقيقة, فهناك صراع حول معنى المصطلحات السياسية الرئيسية والاستخدام السائد للشعبوية في السياسة والإعلام ,حيث عادة ما يقوم السياسيون والصحفيون المؤسسون بإقصاء النزعة الشعبوية باعتبارها طفلاً شاذًا يتدخل في الحياة السياسية ويُخرّبها.

ولأن الشعبويين لا يفهمون السياسة،- وفقا لرؤية هذا الطرف-، فإن الحضور الشعبوي سيكون مؤقتًا، وسيعود الناخبون حتما إلى صوابهم ويستبصرون المخاطر المحدقة التي يمثلها هذا الدخيل الطفيلي. هذا هو السبب في أن مصطلح “الشعبوية”، يستخدم عادة من قبل شخصيات المؤسسة السياسية السائدة – مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ونائب رئيس  وزراء بريطانيا السابق نيك كليج  في إطار ثابت غير موضوعي يشتمل فقط على أن الجمهور يجب أن يرفض الشعبوية.

توني بلير                                                     نيك كليج

 الشيء الذي يتكرر بوتيرة ملحوظة، هو أننا لا نميل إلى سماع أولئك المتهمين بأنهم شعبويون، مثل نايجل فاراج أو دونالد ترامب، -على سبيل المثال -وهم يصفون أنفسهم على هذا النحو.

Related image

نايجل فاراج                                  دونالد ترامب

الشعبوية ضد المؤسسات الرسمية

إن استدعاء بلير وكليج يقودنا إلى السبب الثاني للارتباك المفهاهيمي للشعبوية. فمن الناحية التاريخية، لم تكن الشعبوية ظاهرة سياسية متصلة التواجد, حيث  تأتي عادة في موجات, ثم تختفي، ثم تعاود الظهور، وعادة ما يتزامن حضورها مع أزمة ما، سواء حقيقية أو مفتعلة. فما يهم هو أن يشعر الناس بهذه الأزمة، ويجب أن يدركوا أن الأزمة التي يستغلها المدافعون عن الشعبوية هي أزمة حقيقية تُلم بهم. وعادة ما يكون سبب تلك الأزمة هو اضطلاع قادة العمل السياسي في المؤسسات السائدة بتنفيذ فلسفتهم السياسية أو رؤيتهم للعالم, فمثلا عندما كان بلير في السلطة كان يروج بشكل منتظم لمفهوم “نسخة العولمة” من وجهة نظر حزب العمال، بالرغم من أن “العولمة” أصبحت واقعا معاشا وتسببت في كثير من المعضلات، وكانت الاستجابة الصحيحة الوحيدة هي إيجاد طريقة للعمل ضمن هذه القوة التي لا يمكن وقفها.

 بدأت النزعة القومية في الصعود في أوروبا قبل عدة عقود, وجاء ذلك استجابة لتأسيس الاتحاد الأوروبي وتوحيده ونموه، وتدهور القارة العجوز بإنهاء الاستعمار ونهاية الإمبراطوريات. في البداية كانت الحركة الشعبوية التي نشأت كرد فعل, هزيلة، لكنها أخذت في النمو بشكل لا يتوقف طوال القرن العشرين، حيث بدأ الشعبويون في الاصطفاف ضد المؤسسات فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وضد المعاهدات الدولية التي تحاول ربط جميع الدول، مثل تلك المتعلقة بتغير المناخ والعوامل البيئية الأخرى.Image result for ‫العولمة‬‎

و نتيجة لتحركات الشعبويين -بالتعاون مع فئات و قوى سياسية أخرى- لم تعد العولمة تبدو حتمية كما ادعى بلير, حيث كان هناك رفض من جانب قطاع من  “النخب” لهذا التحول الذي مثلته عولمة بلير، والذي صب في صورة ميل إلى العودة إلى القومية. هذا الرفض  للعولمة من جانب قطاعات من الشعب البريطاني، كان في الحقيقة رفضا لرؤية بلير, للعولمة والتي كانت أحد الامور المثيرة  للجدل.

بالنسبة للشعبويين فإن هذا التناغم السلس بين الشعوب وحكامهم لم يعد موجودا, فهم يرون و يروجون لتعرض الشعوب للخيانة من النخب، و يستثمرون في اتساع الفجوة بينهما. و بدلا من الوحدة، دخلوا في علاقة صراع هذا هو المفهوم الدقيق للشعبوية الذي أصبح سائدا في المجتمع الأكاديمي.: الشعوب في مواجهة النخب, لكن هذا مفهوم محدود للشعبوية، وعندما يبدأ الأكاديميون بالتوسع فيه، تظهر اختلافاتهم بسرعة.

Related image

أيديولوجيا أم أسلوب سياسي؟

إن القضية الأكثر إثارة للجدل هي حول ما إذا كانت الشعوبية هي أيديولوجيا, بحسب كاس ماد، –  والذي يعد أحد أهم المعلقين السياسيين المهتمين بالشعبوية المعاصرة. هذا الأمر يضع الشعبوية في مصاف الإيديولوجيات السياسية الأخرى، مثل الليبرالية والاشتراكية والمحافظة وينُشيء ترابطا ما بينها كتوجهات سياسية.

 لكن الفارق كبير مثلا بين الشعبوية والليبرالية، فالثانية  تتمتع بسمات جوهرية محددة، مثل مركزية الفرد (وليس الشعب)، وحقوق الإنسان، والحد من الصلاحيات. بينما وعلى الجانب الآخر فإن الشعبوية ليس لديها مثل هذه السمات الثابتة الملموسة التي من الممكن تحديدها – بحسب ماد.

ولذلك فإن المفكر السياسي وأستاذ العلوم السياسية  بنجامين موفيت يرى أنه يمكن فهم الشعبوية بشكل أفضل إذا تم التعامل معها كأسلوب, أي طريقة لممارسة السياسة. أنت تحدد (أو تعلن) أزمة، تستحضر الناس ضد النخب، وهكذا. ولأنه أسلوب سياسي أكثر من كونه إيديولوجيا.

ربما كانت حركتا سيريزا في اليونان وبوديموس في أسبانيا هما أبرز القوى اليسارية التي ظهرت بعد عام 2008- على الرغم من أن كلا منهما تتبنى فكر جيريمي كوربين (زعيم حزب العمال البريطاني الحالي) وتتشاركان مع بيرني ساندرز (السيناتور الأمريكي البارز والمرشح الرئاسي السابق) بعض القناعات  والعلاقات. مع ذلك، فإن القوى اليمينية و ليس اليسار هي القوى الآخذة في الصعود، وخاصة في أوروبا، والآن في الولايات المتحدة في ظل دونالد ترامب.

Related image

 وقد ثبت أن تلك القوى اليمينية فعالة للغاية في حشد الشعوب ليس ضد المؤسسات السياسية الرسمية في واشنطن أو بروكسل فحسب، بل ضد تلك النخب التي تدافع عن وتحمي ليس فقط المهاجرين الذين يمثلون الهدف الأول لتلك القوى، ولكن أيضا مصالح الأقليات الأخرى. وهذا هو السبب الأخير في الارتباك الحاصل بشأن تعريف الشعبوية: فإلى جانب النخب، ثمة مجموعة ثالثة يوجه الشعوبيون غضبهم إليها وهم المهاجرون, فيما القوى الشعبوية اليسارية توجه غضبها إلى النخب المالية الغنية.

 وقد يفسر نجاح الشعوبيين اليمنيين، الذين يقومون بالتعبئة ضد الاتحاد بين النخب والمهاجرين (أو الأقليات) في بروكسل, لماذا يعتلي فيكتور أوربان السلطة في المجر، وماتيو سالفيني في إيطاليا، كما يفسر لماذا لا تزال السياسة الأوروبية متأثرة بشكل كبير بأشخاص مثل نايجل فاراج، ومارين لوبان، وخيرت فيلدرز – ومن على شاكلتهم.

تعريف بالكاتب

آندي نوت:  محاضر في كلية العلوم الإنسانية بجامعة برايتون بالمملكة المتحدة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق