ثقافة

«وصايا» عادل عصمت: حينما تتقاطع هزائم الوطن مع أحزان الناس

تنتمي كتابة عادل عصمت في هذه الرواية تحديدا إلى نمط الحكايات، التي تشبه كثيرا حكايات ما قبل النوم.  لكن غالبا ما تأخذنا حكايات الجدات إلى النوم، أما حكايات عادل عصمت فتأخدنا لليقظة التامة لتفاصيل الحكاية.

كل حكاية قد تبدو في ظاهرها خاصة ،لكن في واقع الأمر كل الحكايات فيها شيء منا، ثمة شيء ما يخصنا في تفاصيل  ووصايا عصمت. قد تكون علاقتنا بالمكان واحدة من تلك الأشياء التي نتشارك فيها، فأغلب المصريين لهم جذر بالريف، والجذر غالبا متمثل في صورة الجد ولغته الصافية وما وصلنا عنه. الفرق هنا أن الحفيد حامل تلك الوصايا وتلقاها بشكل مباشر من الجد ويروي تفاصيل سيرته.

في «الوصايا» التي تُعد العمل العاشر من منجز الروائي «عادل عصمت» الإبداعي، وتنتمي إلى ما يسمى رواية الأجيال، تدور الأحداث في بيئة ريفية خالصة، عبر أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى.

أحزان متقاطعة

تبدأ الرواية، التي وصلت مؤخرًا للائحة الطويلة لجائزة «البوكر» العربية. وعادل بسرد الجد لتفاصيل ماضيه على مسامع حفيده، بدءا من رحلته للدراسة إلى المسجد الأحمدي، ومن ثم تركه لها لرعاية الأرض، ثمة فضيلة كبرى تشغل «الوصايا»، فضيلة التخلي، التي تشبث بها الشيخ عبد الرحمن بداية من تركه للدراسة بمسجد الأحمدي، مرورا بالتخلي عن حبه الوحيد «كوثر».

تتقاطع الهموم والأحزان والانتكاسات الشخصية للشيخ «عبد الرحمن» مع هموم وانتكاسات الوطن، موت ابن أخيه «علي سليم» الذي قتلته قسوته على نفسه، وتجاهله بأن ثمة مرضا ينهش جسده ويدميه. والنكسة التي عشناها، حالة التقاطع تشيرإلى فقدان راعي الأرض «علي سليم» والنكسة تعني أن ثمة وطنا  يعيش هزيمة نكراء من عدو غاشم.

الشيخ عبد الرحمن هو نفسه الوطن عند «عادل عصمت»، ثمة هزيمة شخصية وأخرى وطنية للشيخ العضو الفاعل في الحزب الاشتراكي، هناك مشكلة يواجهها «الوطن – الشيخ» كيف يسترد الأرض التي سلبها عدوه؟ ومن جانب آخر شخصي كيف يرعى  الأرض التي فقدت راعيها «على سليم» الذي قتل نفسه بتجاهل أسباب ما يدميه؟

تتشابه قصة ابنه الأصغر نعيم وهروبه وراء غجرية مع إحدى أبطال رائعة ماركيز «مائة عام من العزلة» تقريبا نفس تفاصيل ما جرى مع ابن الشيخ عبد الرحمن هو ذاته ما حدث في رواية مائة عام من العزلة.

أزمات الشيخ لا تنتهي وانكساراته يعبرها خلال سلطة أبوية أتاحت له السيطرة التامة على أسرته، وفق عادات وتقاليد الريف والتي تعطي صك التصرف لكبير العائلة في استخدام سلطة اجتماعية يمرر بها قرارات غرضها في الأساس تحقيق الأمان والاستقرار لمفهوم العائلة، وقد بدأ باسخدامها حينما أعطى أوامره بتزويج ابنه الأكبر الشيخ صالح من فاطمة ابنة علي سليم «ابن أخيه». رغم رفض صالح لها وتعلقه بإحدى بنات المدينة، هذا بالضبط ما حدث معه في ماضيه؛ فقد رضخ لسلطة أبوية ووافق على أن يترك الاستمرار في تعليمه، وانحاز  لنداء «القبيلة العائلة» وظل محكوما بها ليكون حارسا وراعيا للأرض.

المرأة المختلفة

يشغل دور المرأة وصراعاتها حيزا كبيرا من حياة الشيخ عبد الرحمن، بدءا ب «كوثر» في حياته وهى «الحبيبة» والنافذة الوحيدة لتفهم ما يعتمل بصدره من مشاعر ومن صراعات تؤرقه، دورها يتضح في ظهورها كوحيدة في إقناعه بالتراجع عن قراراته، ففي الوقت الذي طرد كل نساء البيت، وألزمهن بعدم العودة، طلت كوثر بمكانتها  ومنزلتها عنده ليتراجع عن قراره ويعيدهن إلى الدار.

زوجة ابن أخيه «نبيهة» والتي جعلها المسئولة الأولى عن الأموال، ومحاسبة العمال، تصطدم بزوجته «خديجة» بشكل مباشر والتي رفضت في البداية السلطة التي خوّلها الشيخ لزوجة ابن أخيه، وفي النهاية ترضخ لقرارات الشيخ، التي يمررها دون الرجوع فيها ودون نقاش.

ابنته «فاطمة» درة عائلة سليم، ظلت طوال حياتها العمود الفقري للعائلة. تقول عنها والدتها «إنها تشبه أباها في صمته وصبره وصلابة قلبه»، غير كونها ملجأ إخوتها عبد الله ونعيم والشيخ صالح.

زوجته «خديجة» صاحبة نبوءة تشتُت عائلة سليم، تلك الوحيدة التي تعرف ما يزعج الشيخ، ورغم معرفتها بمحبته لكوثر إلا أنها لم تستدع أي نقاش بينه وبينها، ولم تعبر يوما عن سخطها، حتى بعد رحيله ظلت تتمثل صوته وتتلبس شخصيته داخل البيت.

تبدو الرواية بمثابة مرثية سردية تروي تفاصيل غالبا هي حقيقية لجد حقيقي عاش في قلب وعقل «عصمت» فكانت الوصايا التي صارت مفتتح كل فصل من فصول الرواية، والتي تأتي على النحو التالي «خلاصك في مشقتك، إياك والعمى، المتعة عابرةٌ كالحياة، كن يقظًا وقت الفرح، الثروة مثل الدابة عليك أن تسوقها، احذر أن تقتل أخاك»، الأحزان سموم القلب، تحمّل الألم، المحبّة دواء أيام الباطل، أعظم الفضائل في التخلّي.

(*) صدرت الرواية في القاهرة، ووصلت مؤخرًا لللائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية. وعادل عصمت روائي مصري من مواليد 1959، صدرت له تسعة كتب غير «الوصايا»، هي: هاجس موت (رواية) –  1995، الرجل العاري (رواية) –  1998، حياة مستقرة (رواية) – 2004، أيام النوافذ الزرقاء (رواية) (حازت جائزة الدولة التشجيعية) – 2009، ناس وأماكن (مقالات) –  2010، قصاصات (قصص  2015، حكايات يوسف تادرس (رواية) (حازت جائزة نجيب محفوظ) –  2015، صوت الغراب (رواية) –  2017، حالات ريم (نوفيلا) – 2017.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق