منوعات

من القاهرة انطلق: مدفع رمضان.. تاريخ وحكايات

في العصور الأولى للإسلام كان الأذان هو الوسيلة الوحيدة للإعلان عن الإفطار أو الإمساك في شهر رمضان، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هناك أذانان قبيل الفجر؛ أحدهما للتنبيه للاستعداد للسحور وقيام الليل، والآخر للإمساك عن المفطرات والإعلام بدخول وقت صلاة الفجر، وربما لم تكن الحاجة  تدعو ً لاستخدام وسيلة أخرى لصِغَر المدن ومحدوديتها آنذاك.

وبعد اتساع المدن وكِبَر مساحاتها السكنية والجغرافية، استُخدم المدفع في الإعلان عن وقت الإفطار والإمساك في رمضان. واتفقت الروايات على أن أول مدينة استُخدم فيها مدفع رمضان في الإعلان عن وقت الإفطار والإمساك هي مدينة القاهرة.

تاريخ وروايات

اختلفت وتعددت الروايات حول تاريخ استخدام المدفع، وأول من استخدمه من القادة والولاة، فهناك رواية تقول إن إطلاق مدفع رمضان بدأ في عصر دولة المماليك البرجية «الشراكسة»، سنة 865هـ، أثناء حكم السلطان خو ش قدم، حيث أرادوا اختبار صلاحية أحد المدافع عند غروب الشمس أول أيام شهر رمضان، فظن الناس أنه تقليد جديد بدأه السلطان للتنبيه بموعد الإفطار، فتوجهوا إلى قصره بالقلعة، ووجهوا له الشكر على الأمر، فأقر استمرار إطلاق المدفع طوال الشهر الكريم.

أما الرواية الثانية فتقول إن إطلاق مدفع رمضان بدأ في مصر إبان حكم محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة سنة 1805، حيث أراد تجربة أحد المدافع الذي وصل إليه من ألمانيا في ساعة الغروب في أول أيام شهر رمضان، فقرر استمراره بعد أن صادف قبولا واستحسانا من المصريين. في حين ترجع رواية ثالثة هذا التقليد إلى عهد الخديوي إسماعيل، عند صيانة أحد المدافع فانطلقت منه دانة على سبيل الخطأ، وقت الغروب أول أيام شهر رمضان، وأن الأميرة فاطمة إسماعيل بنت الخديوي، أمرت باستمرار المدفع بعد ان صادف القبول عند المصريين.

غير أنه يمكننا  القول من خلال كتب التاريخ، إن أول من استخدم المدفع في رمضان هو «خوش قدم» الإخشيدي عام (1444م- 865هـ)، ثم انقطع استخدامه مع مرور الزمن ولأكثر من 400عام، إلى أن جاء محمد علي عام 1805م، ليأمر باستخدام مدفع رمضان من جديد، مع بداية توليه الحكم عام 1805، ثم انقطع استخدامه لعشرات السنين قبل أن يأمر الخديوي إسماعيل بطلب من ابنته فاطمة وقت حكم والدها، باستخدام المدفع من جديد. لكن لبعض المؤرخين رأيا آخر يقول إن عودة مدفع رمضان بعد توقف استخدامه لسنوات فى عصر أسرة محمد على كانت في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في عهد الخديوى «عباس حلمي الأول» عام 1853، حيث كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة، الأول من القلعة، والثاني من سراي عباس باشا الأول بالعباسية، وبمضيّ الوقت، تَوَقف المدفع عن الانطلاق، وفي عهد الخديوي إسماعيل، ذهب العلماء والأعيان لمقابلة الخديوي؛ لطلب استمرار عمل المدفع من جديد في رمضان؛ لكنه لم يكن موجودًا، فقابلوا الحاجة فاطمة ابنته التي أصدرت فرمانًا بانطلاق المدفع وقت الإفطار والسحور، وأضيف بعد ذلك في الأعياد؛ فأطلق عليه الأهالي اسم «مدفع الحاجة فاطمة»، ومنذ ذلك الوقت ومدفع رمضان ينطلق من قلعة صلاح الدين بالقاهرة.

 ثم توقف إطلاق مدفع رمضان مرة أخرى لفترة، وأصبح الناس يُفطرون على صوته المسجل في الإذاعة فقط؛ حتى عاد مجددا بناء على أوامر وزير الداخلية فى ثمانينيات القرن الماضى أحمد رشدي، الذي أمر بتشغيله من جديد، ومن المكان نفسه فوق سطح القلعة، طوال أيام شهر رمضان وخلال أيام عيد الفطر أيضًا. لكن هيئة الآثار المصرية اعترضت على موقع المدفع؛ بحجة أنه يهز جدران القلعة والمسجد والمتاحف الموجودة في المكان؛ فوافقت وزارة الداخلية على نقله مرة أخرى من القلعة إلى جبل المقطم القريب أعلى القاهرة؛ مما يتيح لكل أبناء العاصمة الكبيرة سماعه. ثم انتقلت هذه العادة بإطلاق مدفع رمضان إلى الكثير من محافظات مصر؛ لأنها تضفي البهجة على هذا الشهر الكريم، ويخصص لكل مدفع مجموعةٌ من صف الضباط الأكفاء؛ حتى لا تتقدم أو تتأخر الأوقات، ويكون ذلك تحت إشراف الجهات الأمنية.

مدفع رمضان فى الدول العربية والإسلامية

بدأت فكرة مدفع رمضان تنتشر من مصر إلى الدول العربية والإسلامية؛ إذ انتشرت في أقطار الشام بداية بالقدس ودمشق ومدن الشام الأخرى، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وبعدها انتقل إلى مدينة الكويت؛ حيث كان إطلاق مدفع رمضان بالكويت لأول مرة فى عصر الشيخ مبارك الصباح؛ وذلك عام 1907م، وتحوّلت لحظة إطلاق المدفع الرمضاني الشهير، الموجود في قصر نايف، في العاصمة الكويتية، إلى أشبه باحتفال تراثي يبث عبر برنامج تلفزيوني على الهواء مباشرة، ويحرص جمهور من الكويتيين على المشاركة فيه. ويقول المؤرخ الكويتي عادل السعدون، في كتابه «موسوعة الأوائل الكويتية»: إن «علي بن عقاب بن علي الخزرجي، هو أول من أطلق مدفع رمضان في الكويت، وقد تعلم استخدامه من العثمانيين».

ويضيف «السعدون» في كتابه، إنه «في عهد الشيخ مبارك الصباح، عُهِد إلى «ابن عقاب» بإطلاق المدفع وقتيْ الفطور والسحور؛ حيث كان يطلق طلقتين في كل وقت، ثم أصبحت طلقة واحدة خلال فترة حكم الشيخ أحمد الجابر الصباح (حكم من 1921 حتى 1950).

ثم انتقل مدفع الإفطار بعد ذلك إلى كافة أقطار الخليج قبل بزوغ عصر النفط، حيث استُخدم في مكة المكرمة كغيرها من المدن السعودية؛ إذ اعتاد السعوديون عامة، وأهالي المدينة المقدسة خاصة، وجود مدفع رمضان الذي يكون إلى جانب الأذان، مؤذنًا بالإفطار تارة، وبالإمساك وقت السحور تارة أخرى. كما عرف الإماراتيون تقليد مدفع الإفطار، في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، وكانوا يسمونه بـ«الراوية»؛ لارتباطه بشرب الماء، واستمر هذا التقليد حتى اليوم.

غياب

بدأ مدفع الإفطار يغيب عن كثير من البلدان العربية والإسلامية لأسباب متعددة؛ منها تسارع الحياة العصرية، وتطور وسائل التقنية والإعلام، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما كان له دخل فى تراجع واندثار واختفاء كثير من الموروثات الشعبية ومعظم طقوس رمضان القديمة الجميلة، إضافة إلى عدة عوامل أخرى؛ أبرزها انتشار الإرهاب في عدة دول مثل تونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن، التي -أوقفت أغلب مدنها إن لم تكن كلها- عادة إطلاق مدفع الإفطار؛ إعلانًا عن رؤية هلال رمضان وموعد الإفطار والإمساك طيلة الشهر الفضيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق