منوعات

أرقام مفزعة وقضايا موجعة: كيف تغيرت فلسفة الطلاق عند المصريين؟

دخلت قضية تزايد حالات الطلاق في مصر منحني جديداً مع هذه الحادثة التي نشرتها الصحف قبل أيام، حين ألقي زوج زوجته من الطابق الثالث في محكمة الأسرة أثناء نظر قضية طلب طلاق في إحدي قري المنوفية. تكشف تفاصيل الخبر أن الزوجة نُقلت إلى المستشفى في حالة خطيرة، بعد أن هجم عليها زوجها و بحركة خاطفة ألقاها من الطابق الثالث بعد أن أوهمها بأنه يريد التفاهم معها بخصوص الدعوى القضائية التي قامت برفعها ضده.

تحقيقات النيابة في الواقعة أوضحت أن الضحية تدعى «شيماء ز. ه» من قرية الدبايبة التابعة لمركز بركة السبع وترقد الآن في المستشفى مصابة بكسر في الحوض و نزيف داخلي حاد. أما المباغتة و الشراسة التي تعامل بها الزوج مع زوجته، فإنها تعكس تطورا وتدهورا خطيرا في العلاقات الزوجية التي يطلب أحد أطرافها أن تنتهي بالطلاق، كما أنها تظهر تغيرا لافتا في فلسفة المصريين في الطلاق، لا من حيث أعداد حالات الطلاق التي تضاعفت في السنوات العشر الأخيرة، و إنما أيضا من حيث حجم العداء الذي بات ظاهرا «و ظاهرة» بين اثنين قررا العيش المشترك تحت غطاء من الرحمة و المودة في بيت واحد، ثم تحولا إلى طلب الانفصال وسط حالة من القسوة و العداء الذي لم يكن يعرفه المجتمع المصري تاريخيا على هذا النحو المفزع  و المريع.

 

حرب البيانات و الأرقام

ككل القضايا الاجتماعية الأكثر خطورة تبدو قضية «أعداد حالات الطلاق في مصر» مسرحا لتداخل المعلومات أو لمكايدات سياسية لا علاقة بينها و بين مناقشة القضية وأبعادها. من حيث المبدأ تتفق كل الأرقام والإحصائيات علي تصاعد الظاهرة، لكن هناك من يقول إن مصر هي «الأولى عالميا» في حالات الطلاق، وهناك من ينفي هذا الكلام مثل الباحثة الاجتماعية إيمان بيبرس، التي تؤكد أن دولا غنية تتمتع برخاء وافر تأتي في مقدمتها «إمارة لوكسمبورج» هي التي تحتل المرتبة الأولي عالميا.  

Image result for ‫الباحثة الاجتماعية إيمان بيبرس‬‎

الباحثة الاجتماعية إيمان بيبرس

وفي كل الأحوال تبقى أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هي الأرقام الرسمية الدقيقة لاعتمادها على شهادات الطلاق الرسمية الموقعة من المأذونين الشرعيين على مستوى الجمهورية، وتقول هذه الأرقام  إن هناك زيادة جديدة في أرقام حالات الطلاق وتراجعا كبيرا في الوقت نفسه في  حالات الزواج.  ووفقا لأرقام الجهاز في نشرته السنوية التي صدرت في يوليو الماضي  فإن عدد إشهارات الطلاق  بلغ 198296 حالة عام 2017 مقابل 192079 حالة في عام 2016 ، و أن محافظة المنوفية حققت رقما قياسيا بين محافظات الجمهورية برقم 2465 قضية طلاق و 763 قضية خلع خلال أربعة أشهر فقط في نهايات عام  2018 .

علي جانب آخر انتشرت خلال الشهور القليلة الماضية مقولة إن مصر تشهد حالة طلاق كل أربع دقائق و هو ما يرى المأذون الشرعي أيمن فوزي أنه الأقرب للصواب، حيث يؤكد ومن خلال تجربته الشخصية أن هناك «حالتي طلاق أمام كل ثلاثة عقود زواج جديدة».

المصادر «الرسمية» التي تؤكد أن هناك ظاهرة خطيرة تحدث لكن هناك مبالغات في تقدير أعدادها، تطرح هي نفسها أرقاما لا يمكن وصفها إلا بأنها بالغة الخطورة دون أية مبالغات، فعلى سبيل المثال تتحدث الاحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن وجود 4 ملايين مطلقة و 9 ملايين طفل لأسر مطلقة، كما تؤكد أن هناك 7500 حالة طلب طلاق حاليا أمام محاكم الأسرة من «حديثي الزواج»، أي ممن تزوجوا منذ عام أو عامين على الأكثر، و تطور الأمر بين هؤلاء الأزواج الجدد من استحالة العيش معا الى استحالة إيجاد وسيلة الانفصال بما يضمن حقوق و كرامة الطرفين.. بعد عام أو عامين فقط لم يجد هؤلاء الآلاف من الأزواج الجدد إلا ساحات المحاكم لتبادل الاتهامات و الدفوع و الردود و بحث كل طرف عما يدين به من كان منذ شهور قليلة.. شريك العمر لبناء مستقبل لأسرة جديدة.

 اقرأ أيضا:

حفلات للطلاق.. تلك الظاهرة التي جاءتنا من مكان لا يشبهنا

ثقافة «الاحتفال بالطلاق»

محاولة زوج المنوفية التخلص من زوجته داخل المحكمة بعد فشله في إنهاء إجراءات الطلاق بصورة تُرضيه، ليست سوى جزءاً صغيراً للغاية من عدة ظواهر جديدة، تكشف خللا جسيما في مؤسسة الأسرة، إذ أنه بالإضافة إلى أسباب معروفة للخلافات التي تحول دون استقرار و استمرار الحياة الزوجية، يبدو أن هناك تيارا يتحرك في الإعلام وبين صفحات التواصل الاجتماعي، يدعم الانفصال و يسخر من فكرة الزواج و يدعو الزوجة بعد الطلاق للاحتفال بالحدث. كما تحوي عشرات الفيديوهات التي تحتفل فيها المطلقات بدعوة للسيدات لعدم الارتباط.

نفس الفكرة تم عمل برنامج تلفزيوني كامل حولها على إحدى القنوات الخاصة، حمل عنوان «قطعوا الرجالة».. والفكرة كانت استعراضاً و تمجيداً لفكرة الطلاق، حيث يستضيف البرنامج المطلقات من المشاهير، و تظل المذيعة و ضيفة البرنامج طيلة ساعة كاملة في السخرية من الزواج والزوج، و إمكانية أن تتحرر المرأة تماما من أي علاقة تتميز بالثبات و«الملل».

و قد استمر بث هذا البرنامج ثلاثة أشهر كاملة ثم توقف فجأة و دون إبداء أسباب، و إن لم تتوقف آلاف الصفحات على مواقع التواصل ليس عن مناقشة المشكلات الزوجية بل عن تحقير الزواج و تمجيد الطلاق.. هذا البرنامج وتلك الصفحات يمثلان بلا شك ظواهر مريبة للغاية تستهدف مجتمعاً منهكاً بمزيد من دعوات التفسخ و التشتت فيما يخص أقدس العلاقات بين الرجل والمرأة.. العلاقة الزوجية.

اعترافات مأذون شرعي

بإيقاع متسارع للغاية اتخذت قضية الطلاق في المجتمع المصري أبعادا جديدة لم يكن أحد يتوقعها، و بعيدا عن الأرقام التي تكشف تزايدا مطردا في عدد المطلقات، تطفو علي السطح قضايا «ذات صلة» تضرب بقوة عمق النسيج الاجتماعي للمصريين، من بينها حرص المطلقات علي «إقناع» المتزوجات بأن خطوة الانفصال ليست بالخطورة التي يتصورنها. تقول «نادية كمال» – ربة منزل في الثلاثين من عمرها – إنها باتت تخشى من الحديث مع عدد من صديقاتها المطلقات، لأنهن يحاولن إقناعها بأن مصاعب الحياة الزوجية و«تحكمات الزوج» حلها واحد ووحيد وهو الانفصال، وهؤلاء يعددن لها طيلة الوقت مزايا أن تعيش وترتب لحياتها هي و أولادها بمفردها دون وجود رجل ينغص عليها حياتها، و تقول إن صديقاتها من مستويات اجتماعية مختلفة لكنهن متأثرات بما يشاهدنه أو يقرأنه على مواقع التواصل من أفكار تدعو لتسهيل الطلاق و اعتبار السيدة التي أقدمت علي هذه الخطوة أكثر جرأة و تحررا ممن ترضي أن تعيش تحت سلطة رجل.

وكان لابد أن نذهب إلى مأذون شرعي.. يده في قلب مطبخ عمليات الانفصال «اليومية» التي تحدث في مصر وتتزايد أعدادها باطراد

 وبالمناسبة فإن مهنة «المأذون الشرعي»  عرفتها مصر منذ أيام الدولة الفاطمية، فبعد أن كان القاضي الشرعي هو من يقوم بتوثيق عقود الزواج و الطلاق و بعد أن زادت أمامه الحالات و المسؤوليات كان يأذن لمندوب عنه بتحرير تلك العقود و توثيقها و من هنا أطلق عليه «المأذون».

محمد علي الفقي مأذون شرعي حاصل على الماجستير في الشريعة يقول: إن فلسفة المصريين في الطلاق تغيرت كثيرا جدا و بما لم يكن يتوقعه أو يتصوره أحد و يمكنني أن أقول إن ما يحدث في مصر في هذا الموضوع لا يعكس فقط تغيرا عما كان سائدا في ثقافة المصريين في المائة سنة الأخيرة، بل ليس له شبيه علي مدار 7 آلاف عام هي عمر الحضارة المصرية.

المـأذون الشرعي محمد علي الفقي

و يضيف الفقي أن المصريين- مع تعاقب أنظمة الحكم أو مع اختلاف الحضارة- كانوا دائما يقدسون مؤسسة الأسرة و يعتبرون الحفاظ عليها هو حفاظ على الحياة ذاتها، وعلى تماسك المجتمع، و كان الرجل و المرأة يعتبران  أن الأبناء هم أفضل ما يتركونه وراءهم، و أن قيامهم بتحمل كل صعوبات الحياة من أجل هؤلاء الأبناء هو رسالة الحياة الحقيقية، و قد تغير الأمر كثيرا في السنوات الماضية لأسباب كثيرة من أهمها مغالاة الأهل فيما يطلق عليه «قائمة المنقولات» وهي لم تكن موجودة سابقا، حيث كانت احتياجات الأسرة في زواج ابنتهم بسيطة و تيسر الزواج، و في حالة وجود قائمة منقولات مبالغ فيها /كما يحدث في هذه الأيام / يشعر الزوج أنه محاصر بقيد مادي ثقيل يجعل من استمرار الزواج عملية مادية مجردة تخضع لاعتبارات ربح و خسارة.

اقرأ أيضا: 

حفلات الطلاق والعزوبية.. ولع المهزوم بتقليد الغالب

ويكمل الفقي: إن تغييرات قوانين الأحوال الشخصية ساهمت في تسهيل عملية الطلاق، كما أن  قانون الخلع  وإن كان صحيحا من الناحية الشرعية إلا أنه سهل من تفكير المرأة في الطلاق، خاصة وأن الطلاق مثل غيره من الظواهر الاجتماعية قد ينتقل مثل العدوى بين أفراد المجتمع.

و عن تضارب الأرقام في حالات الطلاق في مصر يقول الفقى: إن عملية حصر الأعداد تتم بصورة منضبطة، ذلك أنها تتم بناء على إشهارات الطلاق التي يقدمها المأذونون الشرعيون على مستوى الجمهورية، ولكل منطقة مأذون يعمل في النطاق المحدد له، باستثناء المأذونين العاملين في محافظتي القاهرة و الجيزة الذين يخرجون عن قرار التخصيص الجغرافي، و الأرقام الرسمية في عام 2018 تقول إن مصر شهدت 210 الآف حالة طلاق و 200 ألف حالة خلع و 250 ألف حالة طلاق شفوي، و هذه الأرقام «إحصائيا» لم تحدث في مصر منذ أيام الفراعنة، مع الوضع في الاعتبار نسبة المطلقات لعدد السكان في أي مرحلة من تاريخ مصر.

 ويؤكد الفقي أنه من خلال تجربته الشخصية في العمل فإن «جرائم الخيانة الإليكترونية» تُشكل أحد أسباب  ارتفاع معدلات الطلاق، و في كثير من الأحيان لا تكون هناك خيانة بالمعني المعروف بقدر ما تكون تزايد شكوك الزوج فيمن تحدثهم زوجته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة و أن مصطلحات كثيرة تظهر في الدراما علي سبيل المثال مثل أن تقول الزوجة عن شخص أنه «صديقي» وهذه مسألة لا يتقبلها الرجل المصري في كافة الشرائح و المستويات.

يرى محمد علي الفقي أن تدخل رئيس الجمهورية في الأزمة عام 2017 عندما طرح الرئيس قضية الطلاق الشفوي وضرورة توثيقه،كان تدخلا محمودا و استشعارا بخطورة و تمدد الأزمة، وعندما أصدر الأزهر بيانه الشهير في فبراير من نفس العام والذي أكد فيه أن هيئة كبار العلماء تحسم الجدل وتقر الطلاق الشفوي، وتؤكد في الوقت نفسه أنه من حق ولي الأمر تقرير ما يراه من عقوبات رادعة لمن تسول له نفسه المماطلة في توثيق هذا الطلاق، وضع الأمور في نصابها الشرعي مع معالجة الخطر الذي نبه له رئيس الجمهورية خاصة مع وصول حالات الطلاق الشفوي لقرابة ربع مليون حالة في عام واحد فقط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق