منوعات

ابن إياس .. المؤرخ الأمين الذى لم يخش السلاطين

ولد محمد بن أحمد بن إياس الحنفي بالقاهرة في 6 من ربيع الآخر سنة 852 هـ (8 يونيو سنة 1448 م)، وهو صاحب كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، الذي يبدأ بذكر تولي السلطان الأشرف قايتباي مقاليد الحكم سنة 872 هـ (1468 م)، ويستمر في سرد أحداث التاريخ حتى سنة 928 هـ (1522 م)، وعلى هذا فابن إياس كان المؤرخ الذي عاش وعاين أحداث هذه الفترة وكتب عنها، وهي الفترة التي شهدت نهاية حكم المماليك البرجية، بعد هزيمة السلطان قنصوة الغوري في موقعة مرج دابق، ثم اجتياح جيش العثمانيين بقيادة سليم الأول الأراضي المصرية، وإلقاء القبض على السلطان طومان باي، وشنقه على باب زويلة، لتصبح بعدها مصر ولاية تابعة للخلافة العثمانية.

وابن إياس سليل أسرة مملوكية، أما والده، واسمه شهاب الدين أحمد، فكان -على قول ابنه- من مشاهير أولاد الناس، أي انه من أفراد تلك الفرقة المملوكية التي تضم أبناء الأمراء. يقول المؤرخ الدكتور محمد مصطفى زيادة: «يتضح أن ابن إياس نشأ في وسط مملوكي بحت، وانه مَتَّ إلى بعض رجال الدولة المملوكية في عصر قايتباي والغوري بصلة المصاهرة والقرابة، غير أنه مما يدعو إلى العجب أن أحدا من معاصريه لم يترجم له بكثير أو قليل، وأن مبلغ ما يُعتمد عليه لإنشاء ترجمة حديثة لهذا المؤرخ الكبير لا يعدو نتفا مبعثرة في كتبه التي ألفها».     

كان حرا في كتابته أمينا في رسالته

وكان لابن إياس ممتلكات كثيرة تدر عليه دخلا كافيا جعله يستطيع أن يتفرغ للكتابة والتأليف ونظم الشعر. وما يدلل على ثرائه ما جاء بالجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور:

«ومن الحوادث الشنيعة في هذا الشهر (يقصد شهر جمادى الآخر سنة 914 هـ) أن السلطان (يقصد السلطان الغوري) شرع يُخرج إقطاعات أولاد الناس، وربما تعرض للرِزق الإحباسية والأوقاف، فأخرج نحواً من ثلاثمائة إقطاع ورزقة من غير جنحة ولا سبب، وصار ينعم بها على المماليك بمكاتبات، فحصل للناس الضرر الشامل ولاسيما أولاد الناس……. وكانت حادثة مهولة لم يُسمع بمثلها، وأنا من جملة من وقع له ذلك وخرج إقطاعي لأربعة من المماليك…….»

وهنا بيت القصيد فقد كان إقطاعه من الكبر بحيث يكفي لتوزيعه على أربعة مماليك، وقد أوردت هذا النص لأشير إلى مسألة مهمة تميز سلوك ابن إياس كمؤرخ، فقد كان من المؤرخين القلائل الذين لا ينتظرون رضا السلطان، وفي هذا نشير إلى قول الدكتور مصطفى زيادة – الذي حقق وكتب حواشي وفهارس مؤلف ابن إياس الأشهر «بدائع الزهور في وقائع الدهور»-  حيث يقول: «كان ابن إياس حرا في كتابته أمينا في رسالته، لا تؤثر فيه عوامل الظروف أو المناسبات، صوفي النزعة، يحفظ الجميل ولا يحمل الضغينة لأحد أساء إليه بل يعترف بالحق ويشيد به».

التأريخ شعرا

عَوِّل على كتب التاريخ وَاغْنَ بها / فكم تُهزّ لها الأعطاف من طرب

ولا تُعوِّل على من قال مِن سفهٍ / السيف أصدق إنباء من الكتب

وهو هنا يهجو المتنبى الذى نظم:

السيف أصدق إنباء من الكتب ..فى حده الحد بين الجد واللعب

ويصفه بالسفه حين قال هذا البيت الذى يَرُد التاريخ إلى السيف وليس الكتب

Related image

المتنبي

ويقول ابن إياس في السلطان العادل طومان باي (الأول)، عندما ثار عليه المماليك وقتلوه: «وكان السلطان العادل ملكا جليلا مهابا، لكنه لما ولي السلطنة ظهرت منه أمور فاحشة وأخرق في سفك الدماء وقتل الأمراء…. وقد قلت فيه»

العادل السلطان لا تعجب له / فيما جرى منه بتغير الدول

أعماله ردت عليه بما جنى / والدهر قد جازاه من جنس العمل 

السلطان طومان باي (الأول)

وعندما أصاب السلطان الغوري مرض في عينيه، وكان قد ظلم العباد وجار على حقوق بعض المماليك، قال فيه:

سلطاننا الغوري غارت عينه / لما اشترى ظلم العباد بدينه

لا زال ينظر أخذ أرزاق الورى / حتى أصيب بآفة في عينه

وعندما رفع الغوري المظالم عن الناس ورد الحقوق لأصحابها كتب يقول:

بعافية الغوري قُرّت عيوننا / ونال الورى منه بلوغ المقاصد

وقالوا به عين أصابت لعينه / فلما شُفي غارت عيون الحواسد

وقال فيه أيضا:

قد أظهر العدل في الرعايا / وأبطل الجور والمظالم

هذا الذي عنه أخبرتنا / طوالع النجم والملاحم

Related image

وهكذا كان ابن إياس ينظم الشعر تارة لنقد السلطان وأخرى لمدحه، حسب ما يراه من عدله أو جوره. وهذا ما نلاحظه في كتابته عن جميع السلاطين الذين عاصرهم والذين توالوا على حكم مصر مدة حياته، فإنه يسجل لهم محاسنهم كما يَعد عليهم مساوئهم، ومن اللافت أنه كان يكتب بحرية ودون أن يتعرض له أحد من السلاطين الذين كان ينتقدهم.

وابن إياس على كثرة ما ذكر من أحداث وأخبار تجده لا يترك حادثة دون أن يذكر ما قيل فيها من شعر سواء له أو لغيره من الشعراء. فمؤلفه الشهير «بدائع الزهور في وقائع الدهور» يحوي ما يقرب من خمسة آلاف بيت شعر، يخصه منها أكثر قليلا من خمسمائة وخمسين، أما الباقي فلشعراء آخرين عاصرهم أو روى عنهم شعرهم.

وعن لغة ابن إياس وأسلوبه يقول الدكتور محمد مصطفى: «كان لابن إياس أسلوبه الخاص الذي يمزج فيه العامية بالفصحى، شأنه في ذلك شأن غيره من المؤرخين في القرن الخامس عشر، ونلاحظ أن ابن إياس في كتابته لا يعبأ كثيرا بقواعد الإملاء، فهو ينقط التاء المربوطة في آخر الكلمات مثل الخليفة والقلعة أو يهمل نقطها (فيكتبها الخليفه والقلعه)، وأحيانا يكتب تاء التأنيث مفتوحة عوضا عن المربوطة في مثل زوجة القاضي أو نفقة البيعة فيكتبها زوجت ونفقت، أو يخلط بين الجمع والمفرد في مثل الذي والذين، أو المذكر والمؤنث في مثل التي والذي، أو الرفع والجر والنصب، إلا أن هذا الخلط وتلك الأخطاء قلما نجدها في شعره».

أُرْجوزة ابن إياس

 وقد توج ابن إياس «تأريخه» كله بقصيدة من تسعين بيتا يقول عنها: «… إنها أرجوزة لطيفة تتضمن أسماء السلاطين هم  وأولادهم على الترتيب، ومن ولي منهم من مبتدأ دولة الأتراك وإلى نهاية حكم دولة الجراكسة». ونلاحظ أنه لم يسمها قصيدة بل أسماها أرجوزة، حيث يبدو أنه التزم – والله أعلم – رأي الأدباء القدماء الذين اتفقوا على حرمان المزدوجة من شرف التسمي بالقصيدة. فقصيدته، أو أرجوزته، لم يلتزم فيها بقافية موحدة للقصيدة كلها كما جرت العادة، بل تتنوع فيها القافية من بيت إلى آخر على نسق المزدوجة التي يقفى فيها كل شطرين بقافية واحدة تخالف قافية الشطرين السابقين واللاحقين.

ويبدأ ابن إياس أرجوزته بهذين البيتين:

فأول الترك أتى المعزّ / ثم ابنه ووافته الغُزّ

فهو عليّ لا على في القدر / أيامه مغدوقة بالشرّ     

وهكذا يستمر قي ذكر تتابع السلاطين وأولادهم حتى يصل إلى دولة المماليك البحرية فيذكرهم سلطانا سلطانا، ثم دولة المماليك البرجية أو الجراكسة، حتى يصل إلى ذكر آخر سلاطينها:

وبعده قد جاءنا ذا الغوري / فسلطنوه سرعة بالفور

أقام بالملك سنين عدّة / والناس في ضنك وقاسوا شدّة

وقبل نهاية الأرجوزة يكتب ابن إياس هذه الكلمات: «فإن عُدّ الأشرف قنصوة من جملة السلاطين فيكونوا به ثمانية وأربعون سلطانا، هم وأولادهم، والله أعلم بمن يجيء من بعد ذلك».

ثم ينهي الأرجوزة على هذا النحو:

وجاء طومان باي يسعى الملك / من بعده وليس فيه شك

ثم سليم شاه ولي من بعده / وضك في أيامه عن رشده

ثم ولي الباشا المسمّى أحمدا / فثار نارا في الورى ما أخمدا

ومن أبدع ما كتب ابن إياس تلك الأبيات التى كتبها حين دخل العثمانيون مصر واحتلوها إذ كتب:

نوحوا على مصر لأمر قد جرى.. من حادث عمت مصيبته الورى

زالت عساكرها من الأتراك فى.. غمض العيون كأنها سنة الكرى

الله أكبر إنها لمصيبة.. وقعت بمصر مالها مثل يُرى

لهفى على عيش بمصر قد خلت ..أيامه كالحلم ولى مدبرا

وفى  أواخر عام 1523م رحل ابن إياس تاركا  أعمالا خالدة فى كتابة التاريخ بأمانة وشرف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: