قدَّمت شركة أديداس العالمية اعتذارا رسميا أول من أمس الإثنين، عقب موجة غضب عارمة ودعوات واسعة لمقاطعة منتجاتها، بعد نشر حملة إعلانية ترويجية في دولة الاحتلال، ظهر فيها جندي صهيوني سابق مبتور الساق، يدعى “شاليف بيتون”.
الإعلان كان يروِّج لخدمة عالمية أطلقتها الشركة باسم “الحذاء الواحد “”Single Shoe والمخصصة للأشخاص الرياضيين، من مبتوري الأطراف لشراء فردة حذاء واحدة بنصف السعر.
واجهت الحملة الإعلانية انتقادات حادة من ناشطين مؤيدين لفلسطين؛ حيث اعتبروا الاستعانة بجندي من جيش الاحتلال، أصيب عام 2021، أمرا غير حساس ويتجاهل معاناة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والأطفال الذين بُترت أطرافهم في قطاع غزة. انضم عدد من المشاهير للحملة على رأسهم الممثل الإسباني خافيير بارديم.
أوضحت الشركة في بيانها أن الإعلان كان عبارة عن نشاط محلي، نفَّذه فريق الشركة في دولة الاحتلال، ولم يكن جزءا من حملة عالمية. وأضاف البيان: “لم يكن هدفنا إطلاقا التسبب في الإساءة، ونعتذر لكل من تأثر بذلك”.
على إثر ذلك.. حذف الجندي بيتون، الفيديو الترويجي من حساباته، كما أزالت حسابات الشركة في الكيان المنشورات الخاصة بالحملة.
انتقد مناصرون للقضية الفلسطينية، اقتصار نشر بيان الاعتذار التفصيلي عبر الحساب الإقليمي لـ “أديداس الشرق الأوسط” دون تعميمه بشكل رئيسي باللغة الإنجليزية على الحساب العالمي.
خلال السنوات العشر الأخيرة.. تداخلت شركات المنتجات الرياضية العالمية، مع عالم السياسة والصراعات الدولية في محطات عديدة. تنوعت هذه المواقف بين حملات إعلانية مثيرة للجدل، أو رعاية رياضيين لهم مواقف سياسية، أو الانسحاب الكامل من أسواق بعينها بسبب الحروب وهذا سجل بأبرز هذه الأحداث:
1- شركة أديداس (Adidas) وأزمة بيلا حديد (2024): في تلك الحادثة.. واجهت أديداس انتقادات لاذعة من سياقين مختلفين، عند إطلاق حذاء مستوحى من أولمبياد ميونخ 1972. اختارت الشركة عارضة الأزياء ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد، وجها إعلانيا لها. احتجت دولة الاحتلال بسبب ربط عارضة فلسطينية، بأولمبياد شهد هجوما على رياضيين صهاينة، ما دفع أديداس للاعتذار واستبعاد بيلا، وهو ما فجَّر بدوره غضبا واسعا ودعوات مقاطعة من جانب مناصري القضية الفلسطينية.
وكانت أديداس قد أغلقت متاجرها في روسيا، وعلَّقت شراكتها الطويلة مع الاتحاد الروسي لكرة القدم عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية 2022؛ تماشيا مع العقوبات الغربية.
2- شركة نايكي (Nike): عام 2018، أطلقت نايكي حملة إعلانية ضخمة، بطلها لاعب كرة القدم الأمريكية كولين كايبرنيك، الذي كان يركع أثناء النشيد الوطني الأمريكي احتجاجا على وحشية الشرطة والعنصرية ضد السود. آثار الإعلان انقساما سياسيا حادا في أمريكا؛ حيث أحرق معارضون منتجات الشركة، بينما ارتفعت مبيعاتها من جانب المؤيدين للحركة.
وفي عام 2021، أعربت نايكي عن قلقها بشأن تقارير السخرة وعمالة الأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ الصيني. ردت الحكومة الصينية والمستهلكون بحملة مقاطعة شرسة ضد نايكي، أزيلت منتجات نايكي من المتاجر الإلكترونية الصينية، ما وضع الشركة في مأزق اقتصادي وسياسي معقد في أكبر أسواقها الآسيوية.
3- شركة بوما (Puma) رعاية الاتحاد الصهيوني لكرة القدم (2018 – 2023) عانت شركة بوما الألمانية من حملة مقاطعة دولية استمرت لسنوات وقادتها حركة (BDS)، بسبب رعايتها للاتحاد الصهيوني لكرة القدم الذي يضم أندية تلعب داخل المستوطنات في الضفة الغربية.. وتحت الضغط الاقتصادي المستمر وصورة العلامة التجارية المتضررة، أعلنت بوما أنها لن تجدد عقدها مع الصهاينة مع نهاية عام 2024، مبررة ذلك بأسباب استراتيجية تسويقية.
4- شركة آندر آرمور (Under Armour) وأزمة التصريحات السياسية للرئيس التنفيذي (2017) إذ أشاد الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك، كيفن بلانك، بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووصفه بأنه “أصل حقيقي للبلاد”. أثارت هذه التصريحات السياسية غضبا واسعا بين المستهلكين، ودعت أطراف سياسية لمقاطعتها، كما واجهت الشركة انتقادات من أبرز الرياضيين المتعاقدين معها مثل نجم السلة ستيفن كاري، ما أجبر بلانك على إصدار بيان توضيحي يتراجع فيه جزئيا لتدارك الأزمة.
تؤثر حملات المقاطعة الشعبية على الشركات الرياضية الكبرى عبر آليات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. ورغم أن هذه الشركات متعددة الجنسيات تمتلك تنوعا جغرافيا كبيرا يحميها من الإفلاس الكامل، إلا أن الأرقام والتقارير المالية تكشف حجم الخسائر والإرغامات الاستراتيجية التي تفرضها المقاطعة.. على الرغم من أن المقاطعة نادرا ما تؤدي لإغلاق شركة عالمية بالكامل؛ نظرا لانتشارها في مئات الدول، إلا أنها تنجح في إحداث نزيف مالي بملايين الدولارات في الأسواق المستهدفة، وتجبر مجالس إدارات هذه الشركات على تقديم اعتذارات رسمية متكررة، وتغيير استراتيجياتها التسويقية، وإلغاء عقود رعاية سياسية مكلفة لتجنب استمرار الخسائر وصيانة سمعة العلامة التجارية.








