منوعات

كامل كيلانى.. صديق الأطفال.. الذى علمّهم الخيال

ليس هناك كلام يمكن أن يقال فى تكريم رائد أدب الأطفال فى مصر والعالم العربى كامل كيلانى أهم مما كتبه أمير الشعراء أحمد شوقى من شعر جميل ومعبر، ينصف الرجل ويوفيه بعض حقه، فقد كتب أحمد شوقى  يخاطب كامل كيلانى قائلا:

«يا «كامل» الفضل: قد أنشأت مكتبة   يسير في هديها شيب وأطفال

جمال طبعك حلّاها وزيّنها             فأصبَحت بجمال الطبع تختال»

يعد «أدب الأطفال» -رغم شيوعه- واحدا من أكثر الأنواع الأدبية التى تثير الكثير من التساؤلات من قبيل: مدى قدرة الكاتب على التواصل مع عالم الأطفال؟، وطبيعة اللغة المستخدمة، ومدى ملاءمتها لمفردات عالم الأطفال؟ ومنظومة القيم التي يتناولها العمل الأدبي، ومدى قربها وتفاعلها مع منظومة القيم التي يود المجتمع غرسها فى سلوك الطفل، وغيرها الكثير من التساؤلات..  

ويظل التساؤل المطروح أيضا هو كيف كوّن كامل كيلاني هذه الرؤية البديعة والقدرة على فهم الأطفال والتواصل معهم واكتشاف عوالمهم؟، وكيف نجح في أن يكون أبرز رواد «أدب الأطفال» فى مصر والعالم العربي؟.

ألف ليلة وليلة

استلهم كامل كيلاني عبر رحلته الإبداعية في مجال «أدب الأطفال» حكايات «ألف ليلة وليلة» في كتابة العديد من القصص المشوقة للأطفال كان مثل: «بابا عبد الله والدرويش .. أبو صير وأبو قير .. على بابا .. عبد الله البحري وعبد الله البري .. تاجر بغداد .. مدينة النحاس»

 وقد أحسن كيلاني تبسيط القصص المأخوذة عن «ألف ليلة وليلة»، فقدم كل قصة منها بشكل مستقل وفى كتيب خاص بها، وحرص كثيرا على نشر الصور، الملونة وغير الملونة، داخل تلك المجموعة القصصية، كوسيلة بصرية جذابة ومعينة في الوقت نفسه على توضيح الفكرة وتجسيدها، ورسم الشخصية ومواقفها، بما يساعد الأطفال على تصور الموقف الذي يقرأونه، ومن ثم يساعدهم على مزيد من الإستيعاب والتواصل مع النص المكتوب.

قصص فكاهية

كتب كامل كيلاني مجموعة من القصص الفكاهية اتسمت بتنوع أبطالها، فكان منها القصة التي بطلها طفل صغير كما في قصتي: «عمارة».. و «نعمان»، والقصة التي أبطالها مجموعة من الحيوانات المتنوعة كما في قصة «عفاريت اللصوص»، كما كانت هناك القصة التي بطلها «حذاء قديم» يترصد صاحبه البخيل ومن ثم يوقعه بمواقف غاية فى الطرافة كما في قصة «حذاء الطنبوري» وغيرها من القصص.

ويؤكد دارسو أدب كامل كيلاني أنه كان حريصا على تقديم مادة قصصية تتناسب مع روح الطفل المحبة للمرح والدعابة، مستعينا بالمفارقات الخيالية التي تمكن من توظيفها أحسن توظيف في تقديم قصص شيقة، تحمل الكثير من الإشباع الروحي والوجداني للطفل، بأسلوب رشيق بسيط يتسم بالوضوح، فالجمل سواء كانت سردية أو حوارية تتسم ببساطة  التراكيب والألفاظ، ولا تتضمن أي تصنع أو تكلف أو إستطراد.

تراث وأساطير

والمثير في أدب كامل كيلاني هو قدرته المبهرة على تقديم عدد من قصص شكسبير للأطفال مثال: «تاجر البندقية .. الملك لير .. يوليوس قيصر .. العاصفة»، ملتزما هذه الأعمال بطريقته البديعة في التبسيط والتوضيح والإيجاز في آن واحد. كما حشد كيلاني مختلف أدواته عند تعامله مع القصص المستلهمة من التراث الهندي نظرا لإتساع الخيال والمغالاة في أجواء السحر والجان، ببيئات مختلفة وغريبة تمتلىء بالعفاريت والعماليق والحيوانات والطيور الأسطورية التي تأتي بأفعال خيالية بعيدة عن الواقع والمنطق، وعن قدرة عقول الأطفال الصغار على التصور.

 لكن بعض النقاد عابوا على كامل كيلاني تلك النوعية من القصص المستوحاه من التراث الهندي التي أعتبروها مشتتة لذهن الطفل،إلا أن هذا النقد لم يمنعهم من الإقرار بما تحمله تلك القصص من تشويق وتسلية، وإمتاع وتجسيد للعديد من القيم الأخلاقية والتربوية.

ففي قصة «الأميرة القاسية» على سبيل المثال، نجد شخصية الأمير «كوسا» الذي يتسم بالنبل والسماحة والصدق والإخلاص والوفاء الشديد لزوجته الأميرة «بيهافاتي» التي تنفر منه لقبح وجهه، إلا أن هذا لم يمنعه من أن يستمر على حبه وتفانيه في خدمتها حتى تكتشف الأميرة بنفسها المعنى الحقيقي للرجل كريم الخلق بعيدا عن جمال أو قبح المظهر الخارجي.

اعتمد كامل كيلاني بشكل عام في مجمل منجزه للأطفال، سواء جاء في صورته القصصية أو الشعرية، على التراث الشعبي والأساطير والقصص الدينية والعلمية، وكتب الرحلات والأدب العالمي وغير ذلك من مصادر متنوعة نهل منها بلغة انتقى  مفرداتها بعناية شديدة تقرب للطفل لغته العربية وتحببه فيها وتدفعه إلى التعلق بها.

كما وازن كيلاني بين إبراز البعد الفني في الكتابة وبين البعد التربوي الأخلاقي الذي تهدف إليه تلك القصص، مبرزا الدروس المستفادة عبر عرضها فى نهاية كل قصة، مع التركيز  على تنمية القيم الإيجابية من صدق ووفاء وإخلاص وسعي جاد في الحياة والحرص على العمل، والبعد عن كل الصفات السلبية من كذب وخداع، وكلها في مجملها منظومة قيم حرص كامل كيلاني على غرسها فى كل كتاباته للأطفال. 

حكايات الطفولة

من أين جاء هذا المبدع؟ وكيف استطاع أن يقدم كل هذا الإبداع فى عالم الطفل؟…

لعل إجابة هذين التساؤلين تنبع من التعرف على النشأة الأولى لكامل كيلاني، والتي كانت في بيت عتيق بحي القلعة الشعبي الذي تطل عليه قلعة صلاح الدين بشموخها البهي، لأب عرف بتميزه فى مجال الهندسة المعمارية يدعى الشيخ كيلاني إبراهيم كيلاني، وربما منحه معاصروه لقب «الشيخ» رغم أنه كان مهندسا معماريا بارزا لاتصال نسبه بالصوفى الشهير عبد القادر الجيلانى.، وقد ولد كامل كيلاني فى العشرين من أكتوبر عام 1897ـ

إلتحق كامل بالكتاب وبدأ بحفظ القرآن الكريم، ثم إلتحق بالمدرسة الإبتدائية عام 1907، ومنها للمدرسة الثانوية حيث نال شهادة البكالوريا، ومن ثم إلتحق بالجامعة المصرية عام 1917، حيث عكف على دراسة الأدب الإنجليزي وتعلم الفرنسية، كما حرص على حضور بعض الدروس بالأزهر الشريف.

يروي كامل كيلاني عن الأثر البالغ الذي خلفه خاله «الكفيف» ذو البصيرة الحادة الذي أشرف على تربيته صغيرا، وكذلك سائق الحنطور «الحوذي» قائلا: «كان خالي بحرا فياضا زاخرا بالقصص، كان يقص على مسامعي، ما عنده من قصص، أثناء الليل، ما جعلني أحب سماع القصص ومطالعتها وحفظ الأشعار، وكان لي حوذي نصف أمي، نصف فيلسوف، وكان حافظا للقرآن الكريم، ولكثير من الأحاديث النبوية، كما كان حافظا لكثير من الحكايات المتعلقة بالسحر والخرافات، وكان والدي ينصرف إلى عمله ويترك الحوذي يقص على قصصه، وقد سمعت منه قصة سيف بن ذي يزن، فأثرت في نفسي كثيرا».

إلى جانب قصص وحكايات وأساطير خاله والحوذي كانت هناك أساطير مربيته اليونانية وحلقات الذكر والإنشاد الشعبي الذي كان يستمع إليها بسوق العصر بالقاهرة برفقه خاله.

 

مكتبة الطفل

عمل كامل كيلاني في بداية رحلته العملية مدرساً بمدرسة الأقباط الثانوية بدمنهور عام 1920، وحين عاد للقاهرة عام 1922 عمل موظفا بوزارة الأوقاف حتى إحالته إلى المعاش عام 1954.

كان عالم الصحافة هو بوابته الأولى التي نفذ منها لعالم الكتابة الرحب، شغل منصب رئيس تحرير جريدة الرجاء عام 1922، وسكرتير رابطة الأدب العربي من عام 1929 إلى عام 1932، إضافة إلى مداومته على عقد ندوة أسبوعية بمنزله حرص على حضورها كبار رجال الفكر والأدب بمصر والعالم العربي في ذلك الحين، كان كيلاني يستقبل ضيوفه مرحبا:

«لي منزل إن زرته .. لم تلق إلا كًرَمَكَ

وإن تسل عمن به .. فليس إلا خَدَمَك»

أسس كامل كيلاني «مكتبة الطفل»، وكتب ألف قصة للأطفال إلى جانب الشعر، طبع من تلك القصص مائتي قصة فى حياته، وتولى ولده رشاد كيلاني متابعة نشر العديد من أعماله فيما بعد.

 وكما كان أكتوبر شهر الميلاد كان أيضا  شهر الرحيل حيث توفي كامل كيلاني فى التاسع من أكتوبر عام 1959، مخلفا كنزه الكبير من روائع «أدب الأطفال» الذي مازال أطفال مصر والعالم العربي يعيشون عليه حتى اللحظة.. ولعقود قادمة.

*المصادر:

-عبد التواب يوسف، الطفل والشعر، ديوان كامل كيلاني للأطفال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988.

– يحيى خاطر، قصة الطفل.. كامل كيلاني نموذجا، منشأة المعارف بالأسكندرية، 2001.

– صندوق التنمية الثقافية، رائد أدب الطفل العربي، كامل كيلاني، بمناسبة مرور 50 عاما على رحيله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق