منوعات

واقعة جديدة تُعيد قضية الحجاب إلى صدارة المشهد فى فرنسا

*بولين بوك – كاتبة متخصصة في الشأن الأوربي

*عرض وترجمة: أحمد بركات

إلى أي مدى يمكن أن يكون ارتداء غطاء للرأس أمرا مفزعا؟ … في فرنسا، وفي هذه الأيام تحديدا، فإن الإجابة هي: «مفزع للغاية». ففي شهر أكتوبر الماضي، وخلال رحلة مدرسية إلى المجلس الإقليمي لمنطقة بورغون فرانش كونتي، في مدينة ديجون، شرق فرنسا، تعرضت امرأة ترتدي غطاء للرأس ،لهجوم لفظى من قبل أحد المسئولين أثناء اجتماع لأعضاء المجلس

كانت المرأة تصطحب طفلها وزملاءه في الفصل في رحلة مدرسية، عندما طلب منها عضو منتخب عن «حزب الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف، الذي تترأسه ماري لوبان، نزع غطاء رأسها واحترام «مبادئ العلمانية» و«قانون الجمهورية». كما قام أعضاء المجلس المنتمون للجبهة الوطنية – البالغ عددهم 15 عضوا – بالانسحاب من الجلسة احتجاجا على حجاب المرأة. 

على إثر ذلك، انتشرت على نطاق واسع صور للمرأة التي كانت تعانق طفلها في محاولة لطمأنته، على إثر نوبة بكاء هستيرية انتابته بسبب استهدافهما علانية

حرية الضمير والمعتقد

ينص القانون الفرنسي منذ عام 1905 على العلمانية، عبر مرسوم يفصل الكنيسة عن الدولة، ويحمي حرية الضمير، ويضمن حرية الممارسة الدينية ويُعرف «مركز مراقبة العلمانية» الفرنسي العلمانية بأنها «… ليست رأيا يتداوله الآخرون، وإنما هي حرية أن يكون لك رأي»، ويضيف في تعريفه: «إنها ليست معتقدا، ولكنها المبدأ الذي يسمح بجميع المعتقدات، شريطة أن تحترم مبادئ حرية الضمير والمساواة في الحقوق. لهذا السبب، فهي ليست مع الدين بقدر ما هي ليست ضده. وعلى هذا الأساس، فإن التمسك بالمعتقد – دينيا كان أم فلسفيا – يمثل على مستوى الجوهر سؤال حرية الضمير الذي يجب أن يجيب عنه كل رجل وامرأة». «إن الجمهورية العلمانية»، كما يؤكد المركز، «تضمن حقوقا متساوية لجميع مواطنيها في مجال الخدمات العامة أيا كانت معتقداتهم أو قناعاتهم»

تفاصيل الواقعة

في مدينة ديجون، عندما طالب أعضاء حزب الجبهة الوطنية المرأة بخلع حجابها، أجابتهم رئيسة المجلس الإقليمي، ماري جويت دوفاي، بأن قواعد المجلس والقانون الفرنسي جميعا لا يحظران ارتداء غطاء الرأس داخل القاعة. وأضافت: «بإمكاننا أن نحظر أي شخص يهدد سلوكه بالتشويش على جلستنا من دخول هذه القاعة، ومن ثم، فإنه من غيرالمبرر أن نطلب من هذه المرأة مغادرة القاعة». 

علاوة على ذلك، لا يوجد قانون يحظر ارتداء أغطية الرأس داخل البناية التي يتخذ منها المجلس مقرا له، أو داخل أي مكان عام، باستثناء المدارس حيث يتعين على المعلمين والعاملين مراعاة «الحياد الديني». ويحظر قانون عام ٢٠١٠ الملابس التي تخفي الوجه، وهو ما لا ينطبق على هذه الحالة.   

جدل مستمر

رغم ذلك، يثير الحجاب «le voile» جدلا مستمرا في فرنسا، ولا تعد هذه الحادثة استثناء من القاعدة، فقد تبادل وزراء كثيرون في حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون الأدوار في توجيه انتقادات لغطاء الرأس. على سبيل المثال، أعلن وزير التعليم، جان ميشيل بلانكر، على الملأ عبر شاشة التليفزيون الفرنسي أنه برغم عدم حظر الحجاب، إلا أن غطاء الرأس لا يزال يمثل « أمرا غير مرغوب فيه في مجتمعنا». كما أكد وزير الاقتصاد، برونو لو ماير، أنه يتمنى أن يرى مجتمعا «بلا طائفية».  

أما أكثر التعليقات الصادمة في هذا السياق فجاء على لسان وزير الميزانية، جيرالد دارمانين، الذي قال إن «المشكلة الأكثر تعقيدا» لا تكمن في أن امرأة ترتدي غطاء للرأس في رحلة مدرسية، وإنما في أن «بعض الفتيات لا يذهبن إلى المدرسة على الإطلاق». وتنحدر هؤلاء الفتيات، كما أشار دارمانين، من أسر مسلمة. 

رغم ذلك، تبنى آخرون في حكومة ماكرون وجهات نظر مغايرة. على سبيل المثال، أدلت المتحدثة باسم الحكومة، سيبيث ندياي، والسكرتير الرقمي، سيدريك أوه «اثنان من أعضاء الحكومة القلائل غير البيض» بتعليقات أكثر انفتاحية، مؤكدين أنه ليس لديهما مشكلة مع غطاء الرأس. رغم ذلك، تبقى وجهة النظر الأولى الأكثر انتشارا في السياسة والمجتمع الفرنسييْن. وفي اللغة الفرنسية، تمثلل كلمة le voile اختصارا للحجاب الإسلامي، الذي هو اختصار للإسلام ذاته. 

وكان جدل مشابه قد أثير في قضية المتحدثة باسم اتحاد الطلاب، وإحدى المتسابقات في النسخة الفرنسية من برنامج The Voice، وكلتاهما ترتدي الحجاب. وفي كل صيف، تحظر حمامات السباحة في فرنسا ارتداء «البوركيني»، بحجة العلمانية، برغم ما ينطوي عليه هذا التفسير المنحرف لمبدأ العلمنة من مخالفة لهدفه الأساسى، وهو ضمان المساواة في الحقوق وإتاحتها للجميع.

ثم جاءت أحداث القتل التي وقعت في 7 أكتوبر الماضي في مقر شرطة باريس على يد أحد الموظفين الذين يعتنقون الإسلام المتشدد، لتضيف إلى الجدل الفرنسي المسمم بشأن الدين. فقد أعلن مسئول «الجبهة الوطنية» في مدينة ديجون أنه: «لا يمكننا أن نبدأ الجلسة بدقيقة حداد على ضحايا مقر شرطة باريس، ثم نقبل بهذا»، في خلط واضح بين أم مسلمة تطوعت بالمساعدة في رحلة مدرسية من جانب، وبين قاتل راديكالي عنيف من جانب آخر. 

إن الجدل العام حول قضية الربط بين الإسلام والإرهاب دائما ما يطرح هذه الفرضية الخطيرة والعبثية. لقد بدأ للتو إريك زيمور – المعلق الذي سبق إدانته من قبل إحدى المحاكم بتهمة «التحريض على الكراهية ضد المسلمين» تقديم برنامج تليفزيوني جديد، قارن في أولى حلقاته بين الإسلام و «المنظمات الشمولية». كما نشرت جامعة سيرجي بونتواز «قائمة بأعراض الراديكالية» تتعلق جميعها بالدين الإسلامي، وطالبت العاملين بها بالإبلاغ فورا عن أي مشتبه بهم. 

ماكرون يهاجم الحجاب

على الجانب الآخر، طالبت افتتاحية صحيفة Le Monde، في يوم الثلاثاء ١٥ أكتوبر، والتي وقع عليها ٩٠ من رموز الثقافة والإعلام في فرنسا، الرئيس ماكرون أن «يدين بشدة» الهجوم الذي تعرضت له المرأة المحجبة في ديجون، وحذرت من تصاعد موجة «الكراهية ضد المسلمين». وأكد الموقعون «إننا نقدر العلمانية التي ينص عليها القانون الفرنسي، ونطالب بقوة كلا من الحكومة ورئيس الجمهورية أن يدينوا علانية الهجوم الذي وقعت ضحيته هذه المرأة أمام طفلها». وأضاف الموقعون: «ونطالبهم بأن يعلنوا بشكل جازم أن النساء المسلمات، سواء كن يرتدين الحجاب أم لا، والمسلمين بوجه عام، لديهم مكان في مجتمعنا. كما نطالبهم بأن يرفضوا السماح بمراقبة المواطنين المسلمين، أو وصمهم، أو التنديد بهم لمجرد أنهم يمارسون دينهم».

لكن الرئيس ماكرون لم يبد أي رد فعل حيال حادثة مدينة ديجون، في حين أنه بادر بعد الهجوم على مقر الشرطة في باريس، إلى دعوة الفرنسيين إلى «محاربة الأخطبوط الإسلاموي» عن طريق «بناء مجتمع يقظ» والإبلاغ عن «أي علامات تدل على التطرف مهما كانت صغيرة». وكان ماكرون قد أكد في عام ٢٠١٨ أن «ارتداء الحجاب لا يتناسب مع المدنية في بلدنا».   

لقد انطلق الشك الفرنسي في الإسلام والجدل المعقد حول العلمانية والحجاب قبل رئاسة ماكرون بزمن طويل. فمن رئيس الوزراء السابق مانويل فالس، الذي قال في عام ٢٠١٦ إن الإسلام لديه «رؤية للمرأة عفا عليها الزمن»، وطالب المسلمين بـ «التعقل» عند ممارسة شعائرهم الدينية، إلى جاك شيراك، الذي وصف الحجاب إبان رئاسته في عام ٢٠٠٣ بأنه «اعتداء»، يتعين على المجتمع الفرنسي برمته أن يواجه انحيازاته الضالة بخصوص الدين الإسلامي. وربما يؤدي التقاعس عن مواجهة هذه المواقف المتطرفة ضد الإسلام وضد الحجاب الآن إلى تداعيات سياسية واسعة النطاق بحلول عام ٢٠٢٢.   

                 رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا →

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق