فن

نبلاء وخونة.. الصداقة في السينما المصرية

يكاد يكون حضور الصداقة سائدا في غالبية الأعمال السينمائية على تنوعها، فوجود الصديق إلى جانب بطل العمل لا غنى عنه، ولا يمكن للأحداث أن تتدفق بشكل طبيعي دون وجود شخصية البطل المساعد الذي يستولي على مساحات الإبداع أحيانا بصورة تفوق سيطرة البطل الأول.. من اجل ذلك سعى المخرجون منذ فجر السينما إلى اختيار أكفأ العناصر لهذا الدور الذي هو بمثابة العمود الفقري للعمل السينمائي والدعامة الأهم له.

وعبر تاريخ السينما المصرية كان دور الصديق حاضرا بقوة في أفلام لا حصر لها، مع تنوع وثراء واضحين، وتفاصيل بالغة العمق ألهمت كبار الفنانين، الذين لعبوا تلك الأدوار، أداء استثنائيا، تدفق في سلاسة مفصحا عن مشاعر متضاربة ومتباينة، من تشفٍ تخالطه شفقة، إلى وفاء ممزوج بغيرة، أو محبة صافية لا تعكرها تقلبات الأيام.

المليجى.. لك يوم يا ظالم

ففي عام 1951 يقدم المخرج صلاح أبوسيف وعن قصة وسيناريو وحوار نجيب محفوظ فيلما بعنوان “لك يوم يا ظالم” ،والبطولة لمحمود المليجي وفاتن حمامة.. يقوم المليجي بدور “منير” الصديق الخائن الذي يطمع في زوجة ومال صديقه المريض” زغلول” فيحتال لاستمالة زوجته، لكنها تواجهه الصد، فيدبر لقتل الصديق بإغراقه في النيل أثناء نزهة في القناطر الخيرية.. وبعد موت “زغلول” يبدأ “منير” في التقرب من الأرملة الشابة وأم “زغلول” إلى أن يوافقا على زواجه من الأرملة.. ويستنزف “منير” المال من السيدتين للإنفاق على سهراته؛ إلى أن يلجأ لسرقة مصاغهما، وتتم مطاردته فينتهي به الحال قتيلا في مغطس الماء الساخن في الحمام الشعبي الذي تمتلكه أم “زغلول”.

قدم الفنان محمود المليجي في هذا العمل أداء متميزا، خاصة في المشاهد التي كان يعاني فيها “منير” من القلق والخوف وتأنيب الضمير، كما أن أداء المليجي تصاعد بإتقان مع توالي الأحداث، ليصل إلى ذروته في مشهد النهاية.. جدير بالذكر أن الفيلم يحتل المرتبة السابعة والأربعين في قائمة أفضل الأفلام المصرية.

أيامنا الحلوة.. الصداقة البريئة

وفي عام 1955 يقدم المخرج حلمي حليم “أيامنا الحلوة” عن قصته وسيناريو حوار “علي الزرقاني”  بطولة عبد الحليم حافظ وعمر الشريف واحمد رمزى وهو فيلم الصداقة النبيلة بامتياز، فبالرغم من وقوع الأصدقاء الثلاثة في حب الفتاة الفقيرة “هدى” إلا أن  “علي” ورمزي” يتفهمان أن قلب الفتاة اختار صديقهما “أحمد” فلا يقصران في مد يد العون لصديقهما ومحبوبته مريضة القلب، ما يضطر الأول “علي” للزواج من ابنة عمه التي لا يحبها من أجل أن يحصل على مبلغ من المال يساهم به في تكاليف العملية الجراحية التي ستجرى لـ “هدى” بينما يلعب “رمزي” مباراة ملاكمة تتسبب في تحطم وجهه من أجل المساهمة بجزء من المال المطلوب للعملية.. ويختار حلمي حليم نهاية حزينة للفيلم بموت الفتاة، لكن المشهد الأخير يكون للأصدقاء الثلاثة وهو يسيرون متجاورين في مودة واضحة يشقون طريق الأمل والمستقبل.

رؤوف علوان.. نموذج الخيانة

وعن قصة “نجيب محفوظ” أيضا يقدم المخرج “كمال الشيخ” عام 1962، فيلم “اللص والكلاب” من بطولة “شكري سرحان” و”كمال الشناوي” و”شادية” ونجد في هذا الفيلم نموذجين للصديق الخائن نموذج “رءوف علوان” الذي خان مبدأه بعد صعوده السريع والمريب في السلم الاجتماعي؛ فيتخذ من صديق الماضي “سعيد مهران” عدوا يسعى للقضاء عليه، والنموذج الثاني هو “عليش سدرة” الذي استولى الطمع على قلبه، فاستحوذ على زوجة “سعيد” وماله وبيته وابنته، بعد دخوله السجن.

أصدقاء .. غروب وشروق

وفي “غروب وشروق” يروي لنا المؤلف “جمال حماد” قصة الأصدقاء الثلاثة “عصام” و”أمين و”سمير” عندما يقترن الأخير بـ “مديحة” ابنة رئيس البوليس السياسي في أواخر العهد الملكي.. يُكثر “سمير” من الحديث لزوجته الضجرة عن صديقه “عصام” زئر النساء.. ما جعلها تتطلع للقائه، فتهاتفه عدة مرات ثم تقبل دعوته للعشاء بشقته، دون أن تخبره أنها زوجة صديقه “سمير” وبعد وصولها بقليل يغادر “عصام” الشقة لشراء بعض مستلزمات السهرة، ويغلق باب الشقة من الخارج خشية هروب “مديحة” لكنه يتعرض لحادث، فيرسل صديقه “سمير” إلى الشقة ليفتح الباب، وهنا يكتشف الخيانة، فيفضح الأمر، ما جعل “عزمي باشا” والد “مديحة” يتخلص منه في حادث سيارة على الفور، ويطلب الباشا من “عصام” الزواج بـ “مديحة” فيرفض، ويقنعه الصديق الثالث “أمين” بأن زواجه من “مديحة” هو السبيل الوحيد للانتقام من الباشا المتورط في قتل “سمير” وجرائم أخرى في حق الشعب والبلاد، وتنتصر إرادة الأصدقاء ويسقط الباشا ويتبعه انهيار حكم الأسرة العلوية بعد قيام ثورة يوليو المجيدة.

أدى دور الصديق “عصام” الفنان رشدي أباظة” بتميز واضح، خاصة في المشاهد التي جمعته مع “عزمي باشا” وأدى دور “أمين” الفنان صلاح ذو الفقار على نحو من الروعة والتمكن والهدوء المشوب بالقلق والتوتر دون افتعال أو مبالغة، وأدى دور الصديق “سمير” الفنان “إبراهيم خان” وبلغ ذروة فنية عالية في مشهد اكتشاف الخيانة. هذا العمل الرائع أخرجه كمال الشيخ عام 1970

الفخرانى.. خائنا

في مايو من العام 1982، يقدم عاطف الطيب “الغيرة القاتلة” وهو أول أعماله كمخرج عن قصة مقتبسة من مسرحية “عطيل” لـ “وليم شكسبير” وسيناريو وحوار “وصفي درويش” والبطولة لـ “نور الشريف” و”يحيى الفخراني” وتدور الأحداث حول الصديقين منذ الطفولة “عمر” و”مخلص” وشعور الثاني بالحقد الشديد على الأول الذي ينجح في مجال عمله، ويحصل على تمويل كبير لمشروعه الاستثماري من صديق ثري، ويرتبط بمحبوبته، فيسعى “مخلص” بطاقة الضغينة التي تحركه إلى إفساد مشروع “عمر” والوقيعة بين الحبيبين.. إلى أن يُكتشف أمره في النهاية بعد أن كاد يدمر حياة “عمر”.

أدى الفنان “يحيى الفخراني” دور الصديق الحقود باقتدار، وبدا مقنعا في المشاهد التي يكذب فيها على الممول الثري والحبيبة للإضرار برفيق الطفولة، كما أظهر الفخراني تمكنا فنيا في التعبير عن بركان الكراهية الذي انفجر داخله تجاه الصديق في المشاهد التي ركزت فيها الكاميرا على الملامح ونظرات العينين.. رغم أن الفيلم لم يكن سيئا إلا أن مخرجه وقع فريسة للنقد الشديد بسبب بعض الهنات وسقوط إيقاع الفيلم في بعض الفترات.

وفي العام التالي يعود “الفخراني” إلى نفس الدور بأداء أروع في “حب في الزنزانة”من إخراج وتأليف محمد فاضل وسيناريو وحوار “إبراهيم الموجي”..الجميل هنا في دور الصديق الخائن “فاروق” أن الخيانة جاءت في لحظة ضعف لم يستطع فيها مقاومة إغراء المال، وكذلك كان التبرير الذي ساقه لصديقه “صلاح الغرباوي” بعد اكتشاف الخيانة.. فقد باع “صلاح” نفسه من أجل المال، فلماذا يتعجب أن “فاروق” باعه لنفس السبب.

الصعاليك

وفي أول أعماله الروائية “الصعاليك” عام 1985، يقدم لنا “داود عبد السيد” قصة صديقين “صلاح” و”مرسي” يعيشان على السرقات الصغيرة والأعمال غير المشروعة،ويدخل “مرسي” السجن بعد أن صدم شخصا بالسيارة التي يعمل عليها، ويحاول “صلاح” إقناعه بدخول السجن بدلا منه، لأنه متزوج ولديه طفل، ولكنه يرفض.. ويظل “صلاح” مخلصا لصديقه السجين، رغم ارتكابه الخطيئة مع زوجة صديقه، لكنه يعتبر الأمر عارضا كما بررته الزوجة الخائنة.. وفي عصر الانفتاح يغتني الصديقان بعد عملية تهريب مخدرات، ثم يتحولا إلى حوتين وتتصاعد الأحداث إلى أن يقتل “مرسي”  “صلاح” بتأثير الخوف من الحيتان الكبار، والطمع في مضاعفة الثروة.

 أصدقاء نبلاء 

ويعرض لنا المبدع “عاطف الطيب” في  ثاني أعماله “سواق الأتوبيس 1982، عن قصة “محمد خان”  والسيناريو والحوار لـ “بشير الديك” معنى الصداقة الحقيقية من خلال مجموعة من الشباب جمعتهم رفقة السلاح التي تصهر الأرواح في أتون المعاناة في مواجهة الموت من أجل تحقيق الانتصار، وحين يتخلى الأهل وتتآمر الأخوات وأزواجهن وينكشف معدن الزوجة وقت الشدة، لا يجد “حسن سلطان” سوى هؤلاء الرفاق ليقفوا إلى جانبه، ويحاولوا معه الإبقاء على ورشة أبيه التي صارت فريسة للطامعين.

وإلى جانب أداء “نور الشريف” المبهر لدور حسن، يبدع “شعبان حسين” في دور “رزق” ويتميز “محمد كامل” في دور “عبدالله” وينافسهم في صدق الأداء الفني “سمير وحيد” في دور “صمويل” مع أداء سلس ومتوازن لـ “حمدي الوزير” في دور “ضيف”.

ويعود “نور الشريف بعد أحد عشر عاما ليقدم نفس الفكرة مع “نادر جلال” في فيلم “131 أشغال” مع كثير من التوابل وأداء شديد التميز والروعة لـ “نجاح الموجي” في دور رفيق السلاح “مشمش علام” الذي يعود إلى سابق عهده في الشهامة ليقف إلى جانب صديقه “شحته الجمال” ليثبت براءته من جريمة قتل صديقهم الثالث “سيد عفيفي”.

وفي عام 1993 يقدم الرائع “رضوان الكاشف” في “ليه يا بنفسج” قصة ثلاثة أصدقاء “أحمد” و “عباس” و”سيد” يعيشون ظروفا معيشية صعبة، في حارة شديدة الفقر، ويحاول “أحمد” كبح جماح “عباس” الذي لا توجد لديه أية محظورات، فهو يسرق ليأكل، ويطمع في مصدر رزق “أحمد” وتدفعه رغباته إلى الاقتران بفتاة يعلم تمام العلم أنها تحب صديقه “أحمد” وتنفصم عُرى الصداقة بين الأصدقاء الثلاثة، ويغادر “أحمد” الحارة مجددا لكنه يعود بعد مقتل صديقه ” علي بوبي” وانهيار حلم الثراء، فيعود الأصدقاء الثلاثة كما كانوا يغنون ويعزفون بعد أن نبذوا أسباب الخلاف وانتصروا للصداقة. أدى دور “أحمد” بتمكن وحضور رائع الفنان “فاروق الفيشاوي” بينما تألق “نجاح الموجي في دور “عباس” واستطاع “أشرف عبد الباقي” تقديم شخصية الصديق الثالث “سيد” بحرفية وإتقان. احتل  الفيلم المرتبة الخامسة والخمسين في قائمة أفضل مئة فيلم.

ولا يمكن أن نغض الطرف عن أداء الرائع “محمود حميدة” لدور الصديق “إبراهيم” الذي يخلص كل الإخلاص لصديقه “زينهم” لكنه ينتهي مقتولا على يد صديقه المتسرع بعد أن ظن أنه واقع زوجته المدمنة، والحقيقة أنه أنقذها من الانتحار.. لينتهي عالم “الإمبراطور”  “زينهم” ويصل إلى نهايته المحتومة.. عُرض الفيلم في نوفمبر 1990، وحقق نجاحا كبيرا، وهو من إخراج “طارق العريان”.

وعبر عدد كبير من الأفلام أدى الفنان “سعيد صالح” دور الصديق وبرع فيه، وقدم من خلاله نماذج بالغة الروعة للإخلاص والتضحية كما في “فتوات بولاق” 1981، إخراج يحيى العلمي. و”المحاكمة” من إخراج نادر جلال عام1982، و”سلام يا صاحبي”  1987، لـ “نادر جلال” أيضا، وفيلم “يا عزيزي كلنا لصوص” 1989، من إخراج “أحمد يحيى” وغيرها من الأفلام التي تركت لدى المشاهدين أطيب الأثر.

وبالطبع فإن الأفلام التي تتناول تلك “التيمة” كثيرة جدا وتجل عن الحصر، كما أن الفنانين الذين برعوا في أداء شخصية الصديق الوفي، والصديق الخائن- كثيرون، ونحن نتطلع إلى أعمال جديدة تتناول موضوع الصداقة من أبعاد مختلفة، فالموضوع مازال يحتفظ بجاذبيته عند القطاع الأكبر من الجماهير التي ربما تفتقد كثيرا قيمة الصداقة الحقيقية في الواقع المرتبك.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق