رؤى

محمد عابد الجابري.. صاحب الإضاءات الكاشفة لـ «العقل العربى»

شاءت الأقدار الطيبة أن التقي الدكتور «محمد عابد الجابري» في لقاء عابر بإحدى الدول العربية الخليجية، حيث كان يلقي محاضرة هناك ولم يكن آنذاك، أي في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، صاحب تلك الشهرة التي اكتسبها لاحقا بوصفه واحداً من مفكري العرب الكبار في النصف الثاني من القرن العشرين.

كنت قد قرأت له كتاباً هاماً صدر عن دار الطليعة البيروتية عام ١٩٨١، وعنوانه «الخطاب العربي المُعاصر: دراسة تحليلية نقدية»، ورجوته أن يعيد طباعة هذا الكتاب لأهميته القصوى، وقد أخبرته وقتها أن «يهو شفاط هركافي» رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، له كتاب يحمل عنواناً مُشابها، غير أنه يُكرٍسُ كل بحثه على الواقع العربي المعاصر، وعنوانه هو «تيارات الفكر السياسي العربي» جاء فيه عَلى ذكر التيارات القومية والليبرالية والماركسية والإسلامية، ودورها السياسي، سواء أكانت في الحكم أو المعارضة.

أبدى الدكتور «الجابري» اهتماماً وتقديراً، غير أن المُدهش في الأمر، أنني فوجئت ذات يوم، وبعد نحو سنة، باتصال هاتفي منه ، يُبلغني بصدور طبعة جديدة من كتابه «الخطاب العربي المعاصر» عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، والذي كان يرأسه آنذاك الدكتور «خير الدين حسيب». كان صوته، وبلهجته المغربية الفصيحة تملؤه الفرحة والبهجة، ولم أملك وقتها غير التعبير عن الفرحة المُتبادلة، وتقدير عميق لهذا المفكر العربي الاستثنائي، لا لقيمته الفكرية والثقافية وحسب، ولكن لقيمته الإنسانية والحضارية.

الدكتور «خير الدين حسيب»

المرحلة المشرقية

كانت المرحّلة المشرقية في رحلة الدكتور «الجابري» مرحلة جديدة وثرية وعظيمة في حياته وحياتنا، ففي السنوات الأولى له كباحث ومُفكر إثر حصوله على دكتوراه الدولة في الفلسفة عام ١٩٧٠ من كلية الآداب بالرباط، بدأ مرحلته المحلية المغربية، والموزعة بين الفكر والسياسة العملية النضالية. فقد أصدر حينها أول كتبه عام ١٩٧١ وعنوانه «العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي»، فضلاً عن طائفة من الإصدارات المُكرسة للفكر التربوي. أما على الجانب السياسي، فقد أعطى الدكتور «الجابري» كل جهده كمناضل مغربي مُعارض من موقعه في حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات  الشعبية» برفقة صديق كبير آخر هو «عبدالله العروي» وصحبة مناضل عظيم الشأن هو «محمد الفقيه البصري» رفيق «المهدي بن بركة» الزعيم التاريخي للمعارضة الوطنية في المغرب.

 ثم جاءت المرحلة المشرقية في حياة «الجابري» وهي تلك المرحلة التي فتح خلالها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، أبوابه لإسهاماته الفكرية والفلسفية، فقد كان انطلاق مشروعه الفكري والثقافي من هذا المركز لا سواه، لتتسابق دور النشر البيروتية بعد ذلك على نشر مؤلفاته، كان يكتب من وطنه، وينشر في بيروت، ويتفاعل في كل محفل علمي وأكاديمي وثقافي يقيمه هذا المركز البحثي الرائد في حياة العرب.

مشروع فكرى كبير

في تلك المرحلة الثرية في حياة «الجابري» بدا كتابه «الخطاب العربي المعاصر» بمثابة خارطة طريق لمشروعه الفكري الكبير، إذ سعى عبر نضاله وتدريسه وتأليفه إلى ما اعتبره كثير من المفكرين والباحثين العرب، بمثابة «إعلان لميلاد عقلانية فلسفية عربية مُستنيرة وديمقراطية ومُتحررة» ولذلك بدت كل أعماله، والتي اقتربت من ثلاثين مُؤلَفاً في إطار حقول فلسفية مُتقاربة، ومُتشابكة بين منهجي العلاّمتين الكبيرين، ابن رشد في الفلسفة الفقهية التجديدية، وابن خلدون في الاجتماع والتاريخ، فضلاً عن حديثه الدائم عن، أزمة التراث العربي، والتي خصص لها كتاباً رائدا هو «نحن والتراث : قراءات مُعاصرة في تراثنا الفلسفي» والذي صدر في بيروت ثم في الدار البيضاء.

وعلى نفس القدر من الأهمية، أعطى الجابري كل اهتمامه لقضية المثقف العربي وأزماته الدائمة مع ذاته، ومع كل سلطة سياسية، ليس في عصرنا الراهن، ولكن طوال التاريخ القديم والحديث للأمة العربية والحضارة الإسلامية ، والتي لخصها بتلك الاشكالية، التي أسماها بـ «حيرة المثقف العربي.. ما بين القيادة العلمية والرئاسة السياسية».

كتابات «الجابري» كثيرة ومتنوعة وخصبة وإشكالية في نفس الوقت، ومن هنا تبدو صعوبة، بل واستحالة الإلمام بجوانبها كاملة، فهي عالم مُترامى الأطراف، وحّسبُنا هنا التوقف عند مشروعه الفكري، بشقيه «القومي العربي» «والإسلامي التفسيري والتاريخي»، فالأول تبدو رباعيته «تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، والعقل السياسي العربي: مُحدداته وتجلياته، ثم الجزء الرابع والآخير، العقل الاخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية». هذه الرباعية هي باتفاق الكثير من مفكري العرب المعاصرين، بمثابة العمل الجليل لـ«الجابري» عَلى الرغم من أهمية أبحاثه الأخرى، بحيث تبدو الفلسفة العربية – وللمرة الأولى – مولودة ومُصاغة في نظام معرفي دقيق، برغم ما أثاره هذا العمل الرائد من ملاحظات وكتابات نقدية كثيرة، لعل أهمها ما كتبه مفكر عربي كبير هو «جورج طرابيشى» في كتابيه «اشكاليات العقل العربي» و «نظرية العقل» الصادرين في بيروت عن دار الساقي في عامي ٩٨ و١٩٩٩، واللذين كرسهما للرد عَلى «الجابري» بطريقة منهجية صارمة ودقيقة.

غير أننا نجد «الجابري» في أطروحته «نقد العقل العربي» يؤكد في أكثر من موضع عَلى أن ذلك العقل محكوم بثلاثة أنظمة معرفية هي «البيان والعرفان والبرهان»، فقد رسمت هذه الأنظمة «لهذا العقل حدوده فأصبح يفكر بواسطتها وداخلها، وتحول الزمن الثقافي العربي الى زمن تقليد وتكرار، مما جعل الحضارة الإسلامية والعقل الإسلامي مجرد عقل فقهي وحضارة فقهية».

وفي ظني أن ذلك الاستنتاج الذي توصل اليه الدكتور «الجابري» تجاه «العقل العربي» قد دفعه الى البحث عن منهج جديد للتعامل مع التراث والعقل العربيين، برؤية جديدة وفي ساحة مُغايرة، وإن كانت في نفس الفضاء البحثي «التراثي العربي». فقد شرع في بناء مشروعه الإسلامي الجديد والجرئ في الوقت نفسه، إذ كّرّسَ سنواته الأخيرة للبحث في «القرآن» الكريم ذاته، لا في علوم «القرآن» من تفسير أو تأويل، أو شريعة، أو عقيدة، أو فقه، أو سيرة نبوية، أو تأريخ.

بل بما أسماه «التعريف بالقرآن» وقد نجح في إتمام هذا المشروع برغم سنوات مرضه الأخير العُضالْ، اذ أصدر أربعة مجلدات تبدأ بالجزء الأول تحت عنوان «مدخل الى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن» ويقع في ٥٤٤ صفحة، ثم أتبعه بثلاثة أجزاء تحمل  عنواناً واحداً هو «فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول»، وتقوم دعوة «الجابري» عَلى قراءة «القرآن» الكريم في ضوء تاريخ نزول السور والآيات البينات، لا الترتيب الوارد في المصحف الذي نتداوله، وهو أمر أحسبه جديداً عندما ربط  بين التتابع الزمني لنزول القرآن مع وقائع السيرة النبوية، رغم إدراكي أن الدكتور «محمد أحمد خلف الله» صاحب الكتاب الرائد «الفن القصصي في القرآن الكريم» والصادر عام ١٩٤٧ قد سبقه الى هذه الدعوة الجسورة، لكنه اكتفى، رحمه الله، بإعطاء إشارات وتلميحات بمثل ما ورد في كتابيه «القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة» و«القرآن والدولة»، لتؤكد صحة منهجه، لكن شجاعة الدكتور «الجابري» أنه أخذ بذات المنهج، بل وأفاض فيه.

غير أن هذا العمل الرائد والجسور، شأنه شأن كل عمل انساني وطليعي، قد شابته بعض الثغرات، على نحو ما بدا لي في الجزء الأول «مدخل الى القرآن الكريم» والتي يضيق المجال عن ذكرها، وتحديد مواقعها في هذا السفر، وأتمنى أن يُتاح لي الوقت للوقوف عليها تفصيلاً.

كانت أمنيتي بعد تلك القراءة النقدية، لهذا الجزء الأول من مشروع الدكتور «الجابري» الإسلامي، أن أضع بين يديه ذلك الإجتهاد، من طالب علم، وباحث عن الحقيقة، ومُحب له ولإنسانيته، غير أن إرادة الله كانت أسبق وأرحم، فقد غادر «الجابري» الدنيا في ٣ مايو عام ٢٠١٠، عن عمر يُناهزْ خمسة وسبعينّ عاماً، تاركا لنا هذا الكم الوافر من عطائه الفكري والثقافي الخصب والثري، والشاهق في معناه ومبناه، والخالد في أثره ورياديته واستنارته.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق