رؤى

مالكولم إكس يدحض المنطق الصهيوني

تقديم وترجمة: عمرو عبد المطلب

تقديم:

في عام ١٩٦٤ وتحديداً في السابع عشر من شهر سبتمبر من ذلك العام نشرت صحيفة الإيجيبشان جازيت المصريه الناطقه باللغه الإنجليزيه مقالاً لداعية الحقوق المدنية الأمريكي مالكولم إكس تناول فيه القضية الفلسطينية موضحاً فيه بجلاء موقف حركة «القوة السوداء» في الولايات المتحدة التي كان أبرز رموزها من القضية.

وقبل الدخول إلى نص المقال ينبغي توضيح عدد من النقاط بشأنه:

أولاً: أن إكس لم يرجع تعاطفه مع القضية العربية ومع العرب في صراعهم ضد الصهاينة إلى ديانته الإسلامية وإنما إلى فهم عميق لجوهر الصراع الذي اعتبر أنه جزءا لا يتجزأ من صراع المستضعفين في العالم بشكل عام بما فيهم الأفارقة والأمريكيين السود ضد قوى «الاستعمار الجديد».

ثانياً: إن موقف إكس هنا من الصهيونية ودولتها جاء مختلفا بل مناقضا لموقف حركة الحقوق المدنية الأمريكية التي كان يقودها في ذلك الوقت الدكتور مارتن لوثر كينغ والتي ارتبطت بمنظمات يهودية عدة في الولايات المتحدة مما دعا الدكتور كينغ لأن يعلن صراحة تأييده للصهيونية.

مارتن لوثر كينغ: «إسرائيل .. واحدة من أكبر مواقع الديمقراطية في العالم»

ثالثاً : إن إكس يستخدم في مقاله وبشكل واضح مصطلح «الصهيونية» معتبراً إياها حركه سياسيه بالأساس ولا يشير إطلاقاً إلى العقيده اليهوديه، الأمر الذي ينفي عنه تهمة «معاداة السامية» التي كان – ولازال- أنصار الكيان الصهيوني في الولايات المتحدة يكيلونها له.

رابعاً: إن بصيره إكس الحاده جعلته يحذر في وقت مبكر من الاختراق الصهيوني للقاره الأفريقيه.

خامساً: إن هذا المقال جاء قبل عام واحد من اغتيال إكس الذي لازال يحيط بظروفه الغموض.

سادساً: إن مواقف إكس التي يعكسها هذا المقال وجدت صدى في العالمين العربي والإسلامي حتى بعد مرور نصف قرن على اغتياله، ففي عام ٢٠١٧ طلب مرشد الثورة الإيرانية من الحاضرين في مؤتمر دعم القضية الفلسطينية الذي استضافته طهران: «قبل أن أبدأ خطابي، هذا اليوم يوافق الذكرى السنوية لشهادة مالكوم إكس زعيم المسلمين السود في أمريكا، أطلب من الحضور الكرام أن يقرأوا الفاتحة وسورة التوحيد على روح هذا الشهيد».

أصوات أونلاين

مالكولم إكس

نص المقال:

تدعي القوات الصهيونية التي تحتل أرض فلسطين أن رسلهم القدامى من بني إسرائيل توقعوا أن «ربهم» وبحلول ما يسمونه «آخر أيام الأرض» سيرسل عليهم «مخلصاً» يقودهم إلى «أرضهم» الموعودة.

ويدعون أيضاً أنهم في تلك الأرض سيقيمون حكومتهم «الإلهية» التي ستحكم كافة الأمم والشعوب بيد من حديد.

وإن كان الصهاينة يؤمنون حقاً أن احتلالهم الحالي لأرض فلسطين هو تطبيق لتوقعات أنبياء بني إسرائيل فلا بد أنهم أيضا يؤمنون أن دولتهم لابد أن تنفذ مهمتها «السماوية» وتحكم كافة الشعوب والأمم الأخرى بيد من حديد، وهذا يعني نوعاً جديداً من الحكم بالحديد والنار، حكماً أكثر عنفاً حتى من ذلك الذي مارسته القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة.

إن الصهاينة يؤمنون أن «ربهم» اختارهم لكي يحلوا محل الاستعمار الأوروبي، وأن يؤسسوا لاستعمار من نوع جديد، استعمار متنكر ببراعه شديده بحيث يمكنهم من خداع الشعوب الأفريقية وجعلها تخضع لإرادتهم دون أن تدرك هذه الشعوب أنها لا تزال مستعمرة.

إن الصهاينه مقتنعون تماماً أنهم نجحوا في «تزيين» هذا الاستعمار الجديد بحيث يبدو أكثر إحسانا وخيراً اكثر٫ انه نظام يمكنهم من السيطرة ببساطة عبر قبول ضحاياهم لمساعدتهم الاقتصادية وتقديم هدايا مغرية لهم مما يمكنهم من اختراق اقتصادات الدول الأفريقية التي نالت استقلالها حديثاً وتواجه صعوبات اقتصادية جمة.

في القرن التاسع عشر حين كانت أغلب الشعوب الأفريقية تعاني من الأمية كان من السهل على المستعمرين الأوروبيين أن يخضعوا تلك الشعوب بالقوة والرعب أما الآن فقد استفاقت تلك الشعوب ولم يعد من الممكن إخضاعها بأساليب القرن التاسع عشر العتيقة.

لذا فان المستعمرين وإدراكاً منهم لهذه الحقيقه صمموا طرقاً جديدة لخداع الأفارقة وإقناعهم أن يخضعوا لهم بإرادتهم.

إن سلاح الاستعمار الجديد في القرن العشرين هو «الدولارية» وهو علم أتقنه الصهاينة، إنه القدرة على التنكر في شكل صديق محسن يحمل الهدايا ويقدم كافة أشكال المساعدة التقنية ولهذا تحديداً فإن القوة التي تتمتع بها الدولة الصهيونية في كثير من الدول الأفريقية الحديثة الاستقلال تفوق القوة التي كانت تتمتع بها الدول الاستعمارية الأوروبية في القرن الثامن عشر.

إن هذا النوع الجديد من الاستعمار الصهيوني يختلف عن الأوروبي في الشكل والوسيلة ولكنه لا يختلف عنه لا في الدافع ولا في الهدف الأساسي.

لقد أدرك الاستعماريون الأوروبيون في نهاية القرن التاسع عشر أن شعوب أفريقيا المنتفضة لن تخضع أساليبهم القديمة القائمة على القوة والإرهاب ولذلك كان على هولا المستعمرين، المتآمرين دائما وأبداً أن يخترعوا سلاحاً جديداً وأن يجدوا قاعده جديده لهذا السلاح.

إن سلاحهم الرئيسي في القرن العشرين هو «الدولارية» كما أسلفت والدولة الصهيونيه هي أحد القواعد الإساسيه لهذا السلاح، لقد زرعت الاستعمار الأوروبي المتآمر الدولة الصهيونية بدهاء شديد بحيث تقسم العالم العربي وتزرع بذور الفرقة بين القادة الأفارقة وتحصد نتائج هذه الفرقة وتصنع انقساما بين الأسيويين والأفارقه.

إن احتلال الصهاينة لأرض فلسطين أجبر العالم العربي على إنفاق المليارات من الدولارات القيمة على التسلح٬ الأمر الذي يجعل من شبه المستحيل على هذه الدول التي نالت استقلالها حديثاً أن تركز على تنمية اقتصاداتها أو أن ترفع المستوى المعيشي لشعوبها.

واستطاع الصهاينة استغلال هذا المستوى المعيشي المتدني لإقناع الأفارقة غير قادرين لأسباب ثقافية أو تقنيه على تحسين وضع شعوبهم وبالتالي تشجيع الأفارقة على البعد عن العرب والتوجه إلى الدولة الصهيونية بحثاً عن المعلمين والمساعدة التقنية.

وكما يقول المثل فإنهم يكسرون جناح الطير ثم يلومونه إن لم يطر بنفس سرعتهم.

إن الاستعماريين يجيدون تقديم أنفسهم بشكل جيد ولكن هذا يرجع فقط إلى كونهم يتنافسون مع اقتصادات معاقه لدول مستقله حديثاً والذي يعيقها هي الدولة الصهيونية.

إنهم لا يستطيعون خوض منافسة متكافئة ولهذا تحديدا تزعجهم دعوة جمال عبد الناصر لتأسيس دولة عربية اشتراكية موحدة.

عبدالناصر مع ياسر عرفات والملك فيصل بن عبدالعزيز

إن كان زعم الصهاينة الديني أن «مخلصهم» سيقودهم إلى الأرض الموعودة وإذا كان احتلالهم لأرض فلسطين العربية هو تحقيق لنبوءات رسلهم، فأين إذاً «مخلصهم» الذي تنبأ رسلهم أنهم سيقودهم إلى هناك؟

هل كان الصهاينة يملكون أي حق قانوني أو أخلاقي لغزو فلسطين وتشريد شعبها من ديارهم والاستيلاء على أملاك العرب هناك لأنفسهم بسبب ادعاء ديني أن أجدادهم عاشوا في تلك الأرض قبل ثلاثة آلاف عام؟

لقد عاش المغاربة في إسبانيا قبل ألف عام فقط فهل يعطي هذا الحق للمغاربة اليوم أن يغزوا شبه الجزيرة الأيبيريه ويطردوا منها سكانها من الإسبان ويقيموا على أرضها دولة مغربيه جديده محل إسبانيا كما فعل الصهاينة الأوروبيون تجاه إخواننا وأخواتنا في فلسطين؟

خلاصة القول إن محاولة الصهاينة لتبرير احتلالهم لفلسطين لا تملك أي أساس عقلاني أو قانوني على الإطلاق حتى بمقاييس عقيدتهم الدينية.

أين «مخلصهم» المزعوم؟

يمكنكم مطالعة النص الأصلي من هنا  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق