منوعات

تشي جيفارا.. حلم ثوار العالم

كان جيفارا بمثابة رد فعل، مثله في ذلك مثل أفكار فلسفية كبرى كالماركسية والاشتراكية ثارت على تغول الرأسمالية العالمية على حياة الأفراد والمجتمعات وسيطرة الامبريالية الاستعمارية على فضاءات العالم الأكثر فقرا، لا فرق بين آسيوي وافريقي ولاتيني، الكل ترس في آلة المركزية الغربية. لكن جيفارا كان التجسيد الحي لفعل الاعتراض والرفض والثورة، صدق نفسه حتى صارت حياته برنامج لتحقيق آمال، حمل حلم الثورة وطاف به بلدان العالم مطاردا من أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية، سرت في عروقه –كما يروي والده– دماء المناضلين الأيرلنديين ضد غطرسة الامبراطورية البريطانية.

لا يهم كثيرا حقيقة اسمه، ولا محل ميلاده، ولا ينبغي أن نسير مع السائرين في الحديث عن الرجل الذي احتفى بقميص الأسبوع، في إشارة إلى تدني حالة نظافته الشخصية، إنما يهمنا الإنسان الذي أخلص لفكرته وتماهى معها حتى شكلت له سيرة حياة، وحتى شهادة وفاة.

الشاب جيفارا الذي كان يدرس الطب بجامعة بيونس أيرس، طاف أنحاء أمريكا اللاتينية على متن دراجته قبل أن يحوز لقب “تشي”، أي الرفيق، كان الهدف طبيا وإنسانيا لمقاومة انتشار الجذام  في سان باولو، لكن نظرته الثاقبة وحسه المرهف قاداه إلى الشعور بمعاناة شعب يعاني من ويلات الاقطاع  والرأسمالية المجحفة، وأخذه في الوقت نفسه حجم التضامن غير الاعتيادي بين هؤلاء الفقراء المعدمين، والذي وصفه بمقولته الشهيرة: “إنه أعلى أشكال التضامن البشري والولاء الذي ينشأ بين الناس في ظل الوحدة واليأس”.

  آمن جيفارا بوحدة الأرض مثلما آمن بها القوميون العرب والبعثيون في منطقتنا، كما أمن بوحدة قضية شعوب أمريكا اللاتينية وحلمهم في التحرر الوطني والتخلص من استغلال الدول العظمى متمثلة في أمريكا وأوروربا لموارد الدول الفقيرة، ولأنه كان مثاليا حالما لم يعرف لنضاله حدودا، ولا حدد لكفاحه حيز، بل تخطى بنظره حدود قارته الضيقة ليدعو إلى ثورة عالمية شاملة لإطاحة سيطرة قوى الامبريالية.

كان ايمانه كفيلا أن يجعله يترك مبضع الطبيب ويحمل السلاح في غير الأرض التي ولد بها، ومع شعب لا ينتمي إليه، فكل الأوطان التي تعاني الاستغلال هي له وطن، وكل الشعوب المضطهدة أخوته ورفاقه، لا يهم إن كانت ساحة النضال هي كوبا أم فنزويلا أم القدس أم الكونغو، ولا أن يكون الرفيق فيدل كاسترو أم عبدالناصر أم باتريس لومومبا طالما كان انحيازهم لطموحات الشعوب المستعمرة ونضالهم ضد الاستعمار والامبريالية الغربية.

أكثر ما ميز جيفارا اخلاصه التام لفكرة الثورة، حتى في لحظات التمكين بعد انتصار الثورة الكوبية وتوليه مناصب رسمية رفيعة هناك لم يحتمل جيفارا فكرة العمل السياسي وترك لرفيقه كاسترو رسالة ينبئه فيها برغبته في الرحيل بعد ما شعر بأنه قدم للشعب الكوبي ما أراد ولم تعد ثمة حاجة لبقائه. اضطر كاسترو لقراءة الرسالة للشعب الكوبي الذي راح يتساءل عن أسباب اختفاء الثائر النبيل.

غادر جيفارا كوبا إلى ساحة أخرى من ساحات معاركه في مواجهة الامبريالية العالمية، وبدأ جولة أخرى من معاركه وسط الغابات والحشائش التي أحسن التخفي بها ونصب الكمائن للأعداء، مدونا نصائحه في إدارة حرب العصابات. لم يحتمل الرجل الذي دأب على التنقل والترحال رغد الاستقرار، لم يقنع بحدود وإمكانات الواقع. ظهوره العلني الأخير كان في الجزائر، قال إنه جاء ليرى كيف يحكم نصف الكرة الأرضية الشمالية العالم ويتحكم في مستقبل نصفها الجنوبي.

عاد جيفارا إلى كوبا بعدها، لكنه توارى عن الأنظار قبل أن يقرر الرحيل إلى بوليفيا لدعم ثورتها، وكأنه كان يعلم أن نهاية الرحلة ستكون هناك، فكتب وصيته إلى أبنائه الخمسة: فوق كل شيء كونوا قادرين دوماً على الإحساس بالظلم الذي يتعرض له أي إنسان مهما كان حجم هذا الظلم، وأيا ما كان هذا الإنسان، هذا هو أجمل ما يتصف به الثوري. وداعاً إلى الأبد يا أطفالي وإن كنت لا زلت آمل أن أراكم مرة أخرى، لكم جميعا قبلة كبيرة كبيرة وحضن كبير كبير من بابا”.

في التاسع من أكتوبر 1967 كانت نهاية رحلة الثائر النبيل الحالم، طالع العالم كله في أسى صورة جثمانه المسجى في بوليفيا وبسمة رضا واسعة تضئ وجهه، ملوحا بعينيه في مشهد يشبه الصور المتداولة لأيقونة جسد السيد المسيح. أراد قاتلوه أن يعلنوا للعالم نهاية المقاومة للطغيان ويدخلوا الرهبة في نفوس الحالمين بمجابهة أطماع الاستعمار العالمي، فإذا بهم من حيث لا يدروا يخلدون اسم من قتلوه ويخلدون أسطورته، لتظل حية عبر الزمن تتجسد فيها معاني المقاومة والتضامن الإنساني والثورة، وهي المعاني التي وهب لها جيفارا حياته واستطاع أن يصيغ من أحلامها حقائق وقصص يخلدها التاريخ، وهي نفس المعاني التي يستعيدها كل الحالمين بالثورة والعدل ونصرة الإنسان في كل بقاع الأرض وهم يحتفون بالذكرى الواحدة والخمسين لوفاته في مثل هذه الأيام من عام 1967.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: