فن

محمود عبد العزيز.. النحَّال الذي أحبته الشاشة الفضية

 قليلون من بين نجوم السينما العربية من توفرت لهم كل مقومات التألق، الموهبة إلى جانب الوسامة وخفة الظل، ويأتي على رأس هؤلاء الفنان محمود عبد العزيز صاحب العلامات الخالدة في تاريخ السينما المصرية، فمن منا ينسى أدواره الرائعة التي قدمها على مدى أكثر من أربعة عقود؟ بدأها بالأدوار الخفيفة التي اعتمد فيها المخرجون على وسامته في المقام الأول، دون استغلال حقيقي لموهبته الفريدة؛ لكنه لم يركن لذلك واستطاع خلال سنوات عمله الست الأولي المشاركة في خمسة وعشرين عملا، تراوحت قيمتها الفنية بين الجيد والمتوسط؛ قبل أن يقبض مع بداية الثمانينات على طرف خيط التفرد الذي جعله ينتقي أعمالا تسمح لموهبته بمساحات من الأداء، جعلت منه النجم الأقرب إلى قلوب الجماهير..

فى كلية الزراعة

وربما لو كان «عبد العزيز» ممن يجيدون الدخول إلى شبكات المصالح وتكوين علاقات قوية لاستغلالها في الحقل الفني حضورا وانتشارا، لأصبح النجم الأوحد دون منافسة تُذكر، لكنه كان عزوفا عن كل ذلك.. يهرب إلى «مَنْحَله» الذي وضع فيه خلاصة ما حصَّله من علم في كلية الزراعة جامعة الإسكندرية، التي نال فيها درجة الماجستير، وكان يستعد للتسجيل للدكتوراه قبل أن يأخذه الفن إلى طريقه الوعر.

عندما التحق ابن حي الورديان بالكلية عام 1965، كانت عينه منذ اليوم الأول على مسرح الجامعة، وعندما دخله لأول مرة دُهش عندما رأي زملاءه في الكلية يشكلون العدد الأكبر من المتواجدين، فقرر أن يشاركهم في تكوين فريق للتمثيل ضم: سمير غانم، ومدحت مرسي، والمخرج محمد فاضل، إلى جانب الفنان سيد عبد الكريم.. وقد قدم هذا الفريق عددا من العروض المسرحية الرائعة، كان أفضلها مسرحية بعنوان «قلوب تحترق» عُرضت على مسرح الجامعة ونالت استحسان الجميع.

مشهد من مسلسل «باب الخلق»

بدايات مبهرة

بعد بداية سينمائية موفقة، حملت إطلالة محببة في فيلم «الحفيد» يقع اختيار المخرج «أشرف فهمي» على «عبد العزيز» لبطولة فيلم «حتى آخر العمر» عن قصة يوسف السباعي، وهو أحد الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر من زاوية مختلفة، إذ تناول الفيلم موضوع مصابي الحرب، وما يعانونه من آلام نفسية، وما تعانيه أسرهم وخاصة زوجاتهم، ونظرة المجتمع لهم، ومبلغ تقديره لما قدموه من تضحيات.. لعب «عبد العزيز» دور الضابط الطيار «محمود» الذي يصاب بعد اضطراره للقفز من طائرته بعد احتراقها، فيصاب بالشلل، ويعود إلى عروسه على مقعد متحرك.. وفي أداء متزن ينقل لنا «محمود» عمق إحساس البطل بالحزن الذي يصل به إلى مشارف اليأس؛ لكنه يتمسك بالأمل كمقاتل وكعاشق محب لزوجته وللحياة.

وفي واحدة من روائع الكاتب العالمي «ديستوفسكي» التي حولها «محمود دياب» إلى فيلم بعنوان «الشياطين» من إخراج «حسام الدين مصطفى» يشارك فناننا بدور «فكري الشواف» الذي تستولي عليه فكرة الانتحار، ويحاول التغلب عليها من خلال انضمامه إلى جمعية وطنية سرية تعمل على اغتيال المتعاونين مع الاحتلال البريطاني من الشخصيات البارزة، لكن الأمور تتطور داخل المجموعة وتنتهي باقتتالهم، بينما ينجو «فكري» ليرعى ابن صديقه «عاطف» -الذي قُتل بأمر «أدهم» قائد التنظيم- وليرتبط بالفتاة البريئة «محاسن» ليشكل الثلاثة مثلث الأمل في غد أفضل.

مشهد من فيلم «حتى آخر العمر»

طائر الليل الحزين

ومع «يحيى العلمي» و«وحيد حامد» يقدم محمود عبد العزيز عام1977 «طائر الليل الحزين» بأداء متوازن لدور الشاب «عادل عزام» الهارب من حكم بالإعدام في جريمة قتل لم يرتكبها.. وفي طريقه للبحث عن أدوار تستوعب قدراته الفنية، وطموحاته.. يشارك «محمود» سندريلا الشاشة «سعاد حسني» والنجم الصاعد آنذاك «أحمد زكي» بطولة فيلم «شفيقة ومتولي» من إخراج «علي بدرخان» في دور «دياب» ابن شيخ البلد الذي يُغوي «شفيقة» ويتسبب في تحولها إلى عاهرة.. يقدم “عبد العزيز” أداء مقنعا لشخصية الشاب العابث المدلل الذي يسير خلف رغباته التي تصل به إلى أن يبيع نفسه لعجوز إنجليزية مقابل المال، وعندما يكتشف «متولي» ما فعله «دياب» بشقيقته يقتله بعد أن يلتقيه بمحض الصدفة.. في العام التالي قدم «محمود» مع السندريلا فيلم «المتوحشة» من إخراج سمير سيف وقصة «صلاح جاهين» وسيناريو وحوار «إبراهيم الموجي» وفي نفس العام 1979، أمام «نجلاء فتحي» يؤدي نجمنا دور المحب المسكين «إسماعيل» الذي يدخل السجن بعد قتله للرجل الذي اغتصب محبوبته ليتزوجها بالإكراه، ويختم «عبد العزيز» أعماله في عقد السبعينيات بأداء شديد التميز لدور الصديق الخائن، في «ما يزال التحقيق مستمرا» للمخرج أشرف فهمي.

مشهد من فيلم «المتوحشة»

ومع بداية عقد الثمانينات يقدم «عبد العزيز» تحت ضغط متطلبات السوق وما تفرضه أذواق المنتجين أفلاما خفيفة تنوعت بين الرومانسي  والكوميدي ربما كان أفضلها «حب لا يرى الشمس» عن قصة «محمود أبو زيد» ومن إخراج أحمد يحيى، لكنه يعود لاكتشاف نفسه سريعا في فيلم «العار» في دور الدكتور “عادل” الذي يعالج الإدمان ثم يكتشف أن والده كان من كبار تجار المخدرات فتنقلب حياته رأسا على عقب، وينتهي به الحال إلى الجنون بعد أن خسر كل شيء..ثم يقدم الفنان الموهوب على مغامرة فنية جديدة في دور «صالح» عشيق القوادة «حسنية» في «درب الهوى» وقد كان أداؤه متميزا في هذا الدور الجديد عليه كلية.

وتتوالى الأعمال الرائعة مثل «العذراء والشعر الأبيض» و«أرجوك أعطني هذا الدواء» و «فقراء لا يدخلون الجنة» إلى أن يأتي العام 1985، ليفاجئنا «عبد العزيز» بأداء كوميدي لا يقارن  في «الشقة من حق الزوجة» من خلال شخصية الزوج التعيس «سمير» الذي حولت حماته «نازلي» حياته إلى جحيم لا يطاق، ما جعله يطلِّق زوجته التي يحبها، وتتوالى أحداث الفيلم التي تشهد مباراة في الأداء الكوميدي الممتع بين «سمير» و«نازلي» التي قامت بدورها الفنانة «نعيمة الصغير».

ويقع اختيار المبدع «داود عبد السيد» على «عبد العزيز» ليشارك «نور الشريف» بطولة فيلم «الصعاليك» والفيلم هو أول أفلام «داود» الروائية الطويلة، والقصة والسيناريو والحوار له أيضا، وتبدأ أحداث الفيلم مع بداية الستينات من خلال تتبع مسيرة صديقين من الأشقياء «صلاح» و«مرسي» كانا يمارسان الأعمال غير المشروعة الصغيرة، ويعيشان على الكفاف.. لكن عصر الانفتاح انتقل بهما من تجارة المخدرات – في ضربة حظ – إلى عالم الحيتان التي لا تكف عن التوسع والالتهام، حتى يتوحش «مرسي» – بتأثير مخاوفه وأطماعه – فيقتل صديقه «صلاح».. نال الفيلم الجائزة الثالثة في مهرجان القاهرة السينمائي، وعدة جوائز أخرى في مهرجان أسوان لأعمال خريجي معهد السينما.

مشهد من فيلم «الشق من حق الزوجة»

«الطوفان» و«البرىء»

وفي نفس العام 1985 يقدم  عبد العزيز ثلاثة من روائعه الخالدة يبدأها بـ «الطوفان» مع «بشير الديك» وينهيها بـ «البريء» مع المبدع عاطف الطيب، في دور مأمور السجن العقيد «توفيق شركس» الذي يمارس التعذيب والقتل باستمتاع، بينما يعيش حياة مختلفة تماما مع أسرته، إذ يبدو أبا محبا وديعا، وزوجا مقهورا ومواطنا صالحا يستجيب لدفع مخالفات المرور دون إثارة المشاكل.

ويعود “«عبد العزيز» إلى «الطيب» بعد عامين من خلال دور «شيخون» في «أبناء وقتلة» ورغم أنه كان في سن الحادية والأربعين، إلى أنه قدم أداء بالغ الروعة في المرحلة العمرية المتقدمة للشخصية، وخاصة في المشاهد التي تظهر ضعف حاسة الإبصار لديه.

ثم يكمل الفنان الثلاثية مع المخرج «علي عبد الخالق» والكاتب «محمود أبوزيد» بفيلم «جري الوحوش» بأداء كوميدي رائع لشخصية «عبد القوي شديد» الذي يتم التغرير به لإجراء عملية نقل جزء من مخه لشخص ثري لينجب مقابل مبلغ من المال، وينتهي الفيلم بخسارة جميع الأطراف، باعتبار أن ما حدث يعد اعتراضا على مشيئة الخالق سبحانه وتعالى، بعد أن وضع صنَّاع الفيلم العلم في مواجهة الدين بصورة تخلو من الموضوعية.. ومع ذلك فقد كان أداء «عبد العزيز» أفضل ما في الفيلم برأي أغلبية النقاد.

مشهد من فيلم «البريء»

تجربة الفانتازيا

وفي تجربة شديدة الثراء يقدم «محمود عبد العزيز» مع المخرج «رأفت الميهي» مجموعة من الأفلام تعتبر من وجهة نظر كثيرين هي من أفضل ما قدم «الميهي» وهي على الترتيب «السادة الرجال» و«سمك لبن تمر هندي» و«سيداتي آنساتي» واعتبرها البعض من قبيل “الفانتازيا” والحقيقة انها كانت تحمل رؤية سينمائية شديدة العمق.

ثم يعاوده الحنين للعمل مع «الطيب» فيشارك بالبطولة في فيلم «الدنيا على جناح يمامة» في دور «رضا» السائق الذي يتورط مع سيدة ثرية عادت من الخارج لتستعيد عمرها الضائع، ومن خلال مواقف الفيلم، يؤكد «عبد العزيز» للجميع أنه صاحب أداء كوميدي رفيع يؤهله ليكون على قمة عرش الكوميديا في العالم العربي.

مشهد من فيلم «السادة الرجال»

الكيت كات

ثم يصل قطار الإبداع بنجمنا إلى محطة «الكيت كات» مع داود عبد السيد عام 1991، وهو الفيلم الذي يستقر في المرتبة الرابعة والعشرين في قائمة أفضل الأفلام المصرية.. ومن خلال الشيخ «حسني» المكفوف عاشق الحياة الذي يعيش ببساطة، ويشرب اصناف «الكيف»، ولا يحمل هم المستقبل، وتؤرقه رغبة ابنه الشاب «يوسف» في السفر والابتعاد عنه- يعبر الفنان من خلال الشخصية عن الواقع المصري في تلك الفترة وقد صار عصيا بتأزماته على الحلول القديمة، فيكون تغييب الوعي بالمخدرات سبيلا للهرب من مواجهة المشكلات، يرضي جميع الأطراف التي تقف على رأسها السلطة.

مشهد من فيلم «الكيت كات»

أعقب هذا العمل الرائع فيلمان بالغا الروعة مع المخرج الدكتور محمد كامل القليوبي، هما «ثلاثة على الطريق» و«البحر بيضحك ليه» والأخير شاركه فيه البطولة بأداء مبهر الفنان الراحل «نجاح الموجي»” ثم يكون اللقاء مع فيلسوف السينما المصرية «رضوان الكاشف» عام 2001، في فيلم «الساحر» عن نظرية البهجة، وفي دور «منصور بهجت» الساحر المعتزل يقدم لنا «محمود» أداء استثنائيا مبهرا يصل إلى درجة الكمال الفني خاصة في المشاهد التي جسد فيها خوفه على ابنته من الانحراف، وأيضا وهو يبحث عن زوجة تتوفر فيها شروط «السجانة» ليحكم قبضته على ابنته التي تعاني الكبت؛ حتى تصبح مخاتلة الأب للهروب من البيت والتسكع في الشوارع دون هدف، متعة لا تعدلها متعة.. ورغم ذلك فإن الساحر لا يتوقف عن مد يد العون للآخرين.. حتى عندما ينهار عالمه بعد أن يغرر الشاب الغني بابنته؛ إلا أنه يعود سريعا ممسكا بالأمل من جديد من خلال إنقاذ ابن جارته التي يقع في غرامها – من العمى.

مشهد من فيلم «الساحر»

 الهجان والمعلم زرزور

وبدور شديد التميز في فيلم «إبراهيم الأبيض» لمروان حامد، يختم محمود عبد العزيز مشواره السينمائي بـ «عبد الملك زرزور» الذي صار حديث الجماهير لفترة طويلة، وما زالت جمله الحوارية تنتشر بشكل كبير على صفحات التواصل الاجتماعي.

  وبالطبع لا يمكننا مغادرة محمود عبد العزيز  دون أن نذكر شخصية «رأفت الهجان» رجل المخابرات المصرية داخل الكيان الصهيوني، في مسلسل من جزأين حقق نجاحا فنيا وجماهيريا كبيرا وكانت الشوارع فى مدن مصر والعالم العربى تخلو من المارة وقت عرضه، واستمر في تقديم الأعمال التليفزيونية حتى رحيله، ومن أشهرها «باب الخلق» وأبو هيبة في جبل الحلال، وآخرها «رأس الغول» في 2016، وهو العام الذي رحل فيه في مثل هذا اليوم بعد صراع مع المرض.

المعلم زرزور من فيلم «إبراهيم الأبيض»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: