دار الكتب

مصر في النصف الأول من القرن العشرين بعيون حكمدارها الإنجليزي (1-3)

توماس راسل : الفلاح المصري واجه الاقطاعي بالاحتجاج و بشرب الشاي الأسود المغلي

عودتنا الكتب التاريخية على أنها تروي لنا حكاية الحكام والعظماء، ولكن ماذا لو جاء من تمكن من الغوص في أعماق المجتمع بحثا عن جذوره سواء تم ذلك بطريقة علمية مُمَنهجة وفقًا لما قام به علماء الحملة الفرنسية في موسوعتهم الرائعة «وصف مصر»، أو بشكل غير منهجي عبر كتابة ما عرف بالسير الذاتية، مثلما فعل «توماس راسل» في سيرته التي تم ترجمتها إلى العربية تحت عنوان «توماس راسل.. حكمدار القاهرة.. 1902/1946».. هل يمكن الإعتماد على تلك الكتابات التي قدمها «المحتل» للتعرف على صورة المجتمع المصري خلال فترة زمنية معينة؟.. التجربة العملية أثبتت أنه بالطبع يمكن لمثل تلك الكتابات أن تقدم تاريخا موازيا يُعِين المهتمين على رصد زوايا جديدة لم تكن متاحة لهم من قبل.

الحكمدار «توماس راسل» كما قدمه مترجم الكتاب «مصطفى عبيد» الباحث المتخصص في الدراسات التاريخية، يعد واحد من أهم ضباط الشرطة الإنجليز في مصر، وقد صدرت مذكراته تلك في لندن عام «1949» تحت عنوان «في الخدمة المصرية»، قبل وفاته بخمس سنوات، حيث توفي في إبريل من سنة «1954».

قَدِمَ «راسل» إلى مصر في عام «1902» وقضى بها نحو أربعة وأربعين عاما متنقلا ما بين مدينة وأخرى حتى تولى منصب حكمدار القاهرة في عام «1918»، الكتاب رحلة شيقة تروي لمحات من التاريخ الإجتماعي للشعب المصري، رحلة تتناول عالم الإغتيالات السياسية والعالم السفلي للقاهرة في العشرينات والثلاثينات والنصف الأول من أربعنيات القرن الماضي، والكثير من التفاصيل المتعلقة بعالم الجريمة والمخدرات على وجه التحديد، وعالم قطاع الطرق ومشاهد من حياة البدو وهواة الصيد وأعيان القرى بالريف المصري، الكتاب عبارة عن شهادة حية تتنقل بين عالم القرى وعالم البدو وعالم المدن ببراعة شديدة، تروي عن حياة «الناس» وليس النظام السياسي أو الحكام.

توماس راسل

بؤس الريف بين البلهارسيا والثار و الحشيش  

عمل راسل كمفتش للداخلية وكانت واحدة من مهام عمله تتمثل في التعرف على قرى المديرية التي عُين بها، والعمد الذين يشرفون على تلك القرى، وطبائع أهالي تلك القرى.

يشير راسل إلى أن تعداد مصر من السكان كان يبلغ 17 مليون شخص -بمنتصف الأربعينيات من القرن الماضي- كان من بينهم 12 مليون يعيشون في القرى، معتمدين بشكل مباشر أو غير مباشر على الزراعة، وكانت مساحة الأرض الزراعية لا تتجاوز 32 ألف كيلو متر مربع من إجمالي مساحة مصر التي تصل إلى نحو مليون كيلو متر مربع، وتلك الأراضي الزراعية كان يمتلك ثلثيها 6% فقط من السكان، وهناك أكثر من مليون ونصف مليون شخص من أصحاب الأراضي لا تزيد ملكيتهم عن ثُلث فدان، وكان بعضهم يستأجرون مساحات صغيرة من الأرض، إلى جانب وجود نحو مليون شخص آخرون لا يملكون شيئا ويعملون بالأجر لدى الغير.

على رأس القرية يتَسَيد العمدة، الذي يعتبر ممثل الحكومة في القرية، وعليه إلتزامات، لكنه لا يتقاضى عليها أي أجر، وإنما يتمتع ببعض المزايا مثل الإعفاء من بعض الضرائب، وعدم إلزام أبنائه بأداء الخدمة العسكرية، يليله في الأهمية الصراف الحكومي الذي يعرف جميع ملاك الأراضي وهو مسئول عن تحصيل الضرائب، وكان لكل قرية حلاق وهو يعد ممثل وزارة الصحة بالقرية، فهو مسئول عن تسجيل المواليد والوفيات، ويقوم في بعض الأحيان ببعض الأعمال الطبية، وإذا كانت القرية تطل على نهر النيل يصبح للمراكبي أهمية قصوى داخل القرية مثله مثل شيخ الجامع، وكليهما يحصلون على بعض منتجات القرية بموسم الحصاد.

يروي راسل عن الريف المصري وكيف ساهم تغيير نظام الري في الزراعة من الري عن طريق «ري الحياض» إلى الري الدائم «ري الغمر» في إنتشار مرضين خطيرين هما «البلهارسيا والأنكلستوما» الأمر الذي أدى لضعف قدرة الفلاح على مواصلة عمله، وهو ما دفع بعضهم إلى اللجوء للإستعانة «بالحشيش» كمخدر كانوا يعتقدون أنه يساعدهم على الصمود في العمل، وتعويضا عما فقدوه من «الفحولة» نتيجة المرض، ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن «الحشيش» يمنحهم مزيد من «القدرة الجنسية».

نجم عن نجاح الحكومة في وضع العديد من العقبات أمام تجار المخدرات، أن أرتفع سعرها وبات الغالبية العظمى من فقراء الريف غير قادرين على تحمل تكلفتها وهو ما دعا بعضهم إلى اللجوء إلى عادة جديدة لم تكن شائعة من قبل وهى عادة شرب الشاي المغلي أو ما عُرِفَ بالشاي الأسود.

كانت الحياة في الريف متنوعة على الدوام، وكانت أوقات تفشي الأمرض هى الأكثر صخبا، فحين تفشي مرض الكوليرا أو الطعون كان على مسئولي التفتيش أن يلعبوا دورا كبيرا في إقامة كردونات الحجر الصحي، وخلال إنتشار دودة القطن كان يتوجب على المفتشين المرور على الحقول لمتابعة وجود مجموعات جامعي الدودة، كما كانت أوبئة الماشية تدفع للعمل فترات طويلة مع المفتشين البيطريين في فحص الماشية.

كانت جريمة الثأر هى أكثر الجرائم شيوعا بالريف، وزادت حدة وتيرتها بسبب الإنتخابات السياسية، وبات طموح كل شاب بالقرى المصرية يتمثل في إمتلاك سلاحا حديثا، إنجليزي الصنع، وفشلت العديد من محاولات نزع الأسلحة من القرى التي قام بها المفتشون الإنجليز.

تناول راسل طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين ملاك الأرض الزراعية وعمال الزراعة، وكيف كان هؤلاء العمال يحتجون في بعض الأحيان ويرفضون بشكل جماعي العمل في ري القطن، مطالبين برفع أجورهم، وكيف كان ملاك الأرض يستنجدون برجال الشرطة أحيانا لفك إضراب العمال، ويستجيبون أحيانا أخرى لمطالب عمال الزراعة حين يدركون أنهم على وشك خسارة ألاف الجنيهات في القطن حال عدم إستجابتهم لمطالبهم.

بشكل عام كانت أحوال الفلاحين المصريين بائسة، كانت الأسرة تعيش على بضعة قروش، لا توفر لها سوى القليل من الخبز والذرة وقليل من الجبن وبعض الخضروات، ويعتمد الكثيرون منهم على ما تنتجه أراضيهم من مزروعات، وكان أبناء القرى يعانون من الأمية، إلى جانب تدني المستوى الصحي، والمعاناة من سوء التغذية.

قانون الصحراء كان تحدي الحكومة وتحكيم العرف والسطو أحيانا علي الريف

كان لقبائل البدو العربية مثل القرى الريفية رئيس أو عمدة يتم تعينه من قبل الحكومة، «دون آجر»، وعلى الرغم من كون أغلب تلك القبائل كانت تعاني من الفقر والجهل إلا أنها كانت تطبق عادات وتقاليد القبائل الأم التي تنتمي إليها مثل قبائل «الحويطات، المعزة، المطير، وبيلي» التي تنتشر في الصحراء الشرقية التي تعد مجرد فروع صغيرة لعدد من القبائل العربية العريقة التي تحمل نفس الأسم في سيناء وفلسطين وشبه الجزيرة العربية، حيث يسود القانون البدوي، ولا تخضع للقوانين الدستورية للحكومة.

يتمثل أول واجبات رئيس القبيلة أمام الحكومة في تحرير تقريرا بكل الجرائم التي تحدث في قبيلته وأن يقوم بالقبض على المجرمين ومن ثم تسليمهم إلى سلطات المديرية، غير أن الأمر الواقع كان يشهد عدم قدرة المديريات على إلزام القبائل بتطبيق القانون الرسمي عبر تلك المساحات الشاسعة التي يتحركون فيها، ومن ثم كانت الغلبة دائما وأبدا لقانون القبائل.

طبقا لأعراف البدو فإن الموظف لدى الحكومة من البدو يتم تجنبه، كرد فعل لكونه أصبح خادما لدى الحكومة، وإذا كان للشخص أن يستمر في العمل كمرشد للحكومة، فإن هذا لم يكن يعني أنه سيتحول إلى قصاص أثر أو جاسوس لنقل المعلومات ضد قبيلته، لأنه في تلك الحالة سيكون قد حطم تقاليد القبيلة ومن ثم فهو يعرض نفسه لإنتقام القبيلة.

كان الأعراب يعيشون على حواف الصحراء، وهم من أصول عربية ويقضون معظم أوقاتهم في رعاية الأغنام والجمال في الصحراء شبه الجبلية بين نهر النيل والبحر الأحمر، أما بدو الصحراء الشرقية فكانوا هم الأكثر تورطا في أعمال السرقة وقطع الطريق وترويع الفلاحين بالقرى، حيث كانوا يسرقون الماشية ويطلبون مقابلها فدية تعادل نصف ثمنها، والويل لمن يُبلغ الشرطة عن السرقة، وكانت معظم السرقات تتم في فصل الشتاء، حيث تطول الليالي ويمكن معها قيادة الماشية لمسافات طويلة دون مياه، لذا كان أغلب الفلاحين يحرصون على النوم إلى جوار الزرايب.

مع فشل الحكومة في إخضاع البدو للقانون الرسمي أضطر بعض المفتشين إلى التعامل مع القانون العرفي السائد لدى البدو، ويروي راسل في هذا السياق عن قصة صراع دامي بين قبيلتي المعزة والعبابدة في قنا، وقع عام «1908» حينما كان يعمل مفتشا بصعيد مصر، حيث أشتكت الشركات العاملة في مجال التعدين التي كانت تعمل في البحر الأحمر بالقرب من القصير من أن العمال القادمين من العبابدة من قنا يتعرضون لإطلاق النار من قبل المعزة في طريقهم من الوادي للبحر الأحمر، وفي التحقيق توصل راسل إلى وجود ثأر بين القبيلتين، نتيجة قيام أحد القصاصين من العبابدة، بمساعدة حرس الحدود في القبض على عدد من أهالي المعزة المتورطين في سرقة الملح، وهى من الحالات التي كانت شائعة آنذاك حتى أن أحد السجون المصرية كان ملىء بما عُرفَ بسارقي الملح من الفلاحين.

ولمعرفة راسل بعدم إمكانية إخضاع البدو للقانون الرسمي فقد قام بمطالبة زعيما القبيلتين بتحكيم الأعراف البدوية السائدة لديهم، أو ما يعرف بالجلسات العرفية، على أن يعقد مجلس عرفي بعد ستة أشهر بقنا، وبالفعل تم في «23 يناير عام 1909م» أن تقابلت القبيلتين في مكان محايد بالقرب من مقام الشيخ سيدي عبد الرحيم القناوي، وهم يحملون أسلحتهم.

مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي

أنبهر راسل كثيرا من مجمل الأفكار والمحادثات التي دارت بين رجال الصحراء الحاملين لمئات السنين من تاريخ الصحراء في أذهانهم، وبذلك المجلس العرفي أنتهى صراع كان قد دام لعشر سنوات كاملة، كان البدو يمثلون أقلية من أهل مصر، وصار الأثرياء منهم، الذين يملكون أرضا واسعة مثل قبائل «لملوم والمصري» في المنيا، ذوي تأثير كبير وأهمية سياسية قوية، غير أن رجل الصحراء العادي بشكل عام لم يكسب شيئا من هذا التقارب، حيث لم يهتم مسئولي الحكومات المصرية بأي مشكلات تخص البدو.

يختتم راسل حديثه عن البدو مشيرا إلى أنه قد انجذب بقوة لحياة ومشكلات هؤلاء المستقلين، أصحاب النخوة، الأقوياء، الذين كانوا يحافظون على حقوق المياه، ويمكن لأي قبيلة التزود من المياه حال مرورها بأرض قبيلة أخرى، غير أن الحياة القديمة الهادئة التي كانت تنعم بها الصحراء باتت مهددة بالإنقراض بعد أن وطئت السيارات سطح الصحاري.

وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

إغلاق