منوعات

ما بعد كورونا.. الأولوية للبشر أم للاقتصاد؟ للعدالة أم للنمو الاقتصادي؟

«إنهيار الرأسمالية».. هي النبوءة التي باتت مطروحة بقوة على الساحة العالمية كواحدة من تداعيات أزمة إنتشار وباء كورونا فهل ستتحقق؟ وهل ستكون الأولوية.. للبشر أم للاقتصاد؟ وهل العالم على شفا كساد اقتصادي كبير؟.. وفى مواجهة الأزمات بفاعلية.. هل سيسود نموذج سيطرة الدولة المركزية أم النموذج الديمقراطي كمنظومة حكم؟  

‎تساؤلات عدة فجرتها أزمة تفشي وباء كورونا. في هذا السياق نظم برنامج «حلول للسياسات البديلة» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ندوة ضمن برنامج «حوار أونلاين»، شاركت فيه الدكتورة «رباب المهدي» أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية ومدير برنامج «حلول للسياسات البديلة»، والدكتور «سامر عطا الله» أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، ومدير البحوث بالبرنامج، وأدارت الحوار الأستاذة «سهى عبد العاطي» نائب مدير البرنامج.

الديمقراطية.. وأزمة كورونا

‎استهلت الدكتورة «رباب المهدي» الحديث بالإشارة إلى أن وباء كورونا قد غزا كل المجتمعات وأنه لم يميز بين الوزراء والفقراء، الشباب وكبار السن، الأطباء وغيرهم، فهو كما هو شائع عنه «وباء ديمقراطي» ولكن هل منظومة الصحة المتاحة، منظومة ديمقراطية مثلها مثل الوباء؟ بمعنى آخر هل العلاج متاح للجميع كما يصيب الفيروس الجميع؟

‎ أكدت د.«رباب» على أن إنتشار وباء كورونا يعد لحظة إنسانية تستوجب النظر في كيفية إدارة الأزمة وبالتالي كيفية إدارة المنظومة السياسية والإقتصادية على حد سواء. غير أنها تتوقف لتشير إلى أن المؤشرات العالمية التي طُرِحَت حتى الآن في التعامل مع الأزمة تشي بمستقبل أكثر تشاؤما، ذلك أن العالم قد شهد احتفاء شديدًا بدور الدولة المركزية والسلطة المركزية في التعامل مع الأزمة خاصة الحديث عن أن الدولة الصينية بمركزيتها قد نجحت فى تخطي الأزمة.

‎في ذات السياق أشارت رباب إلى أن العالم قد شهد مؤخرا وفي ظل أجواء  كورونا تصاعد دور اليمين الشعبوي، وتراجع النقد الذي طالما وجه له، رغم انه مستمر في تأجيج المشاعر ضد المهاجرين وعمليات الهجرة حتي مع توقفها في الوقت الراهن بسبب الفيروس، إضافة لإنتشار تبني القوانين المقيدة للحريات وفرض حالة الطوارىء ضمن الإجراءات الإحترازية لمواجهة الأزمة والتي لا يعرف في بعض البلدان متى سينتهى العمل بها.

‎كما شهدت بعض البلدان حالة من الهجوم الشرس على حرية تداول المعلومات وحرية الصحافة تحت دعوى أن الرأي العام لا يحتمل حدوث أي «بلبلة»، والمخيف في الأمر أن الناس باتت تتعامل مع تلك الإجراءات المقيدة للحريات بوصفها من قبيل الإجراءات الإحترازية الواجب اتباعها لتخطي الأزمة الراهنة.

‎تعود الدكتورة «رباب» لتؤكد على أن تلك الحالة من التقييد المفروضة على الحريات من شأنها التأثير سلبا على حالة الشفافية وحرية تداول المعلومات وتفعيل الدور الرقابي على السلطات التنفيذية والفصل بين السلطات، وهى في مجملها من الضمانات الواجبة لمواجهة أي أزمة مجتمعية مثل أزمة  كورونا.

‎المثير في أزمة كورونا أنها أعادت ظاهرة «القرصنة» التي كانت قد غابت عن العالم، حيث لجاءت بعض الدول إلى السطو على الشحنات الطبية التي كانت موجهة لدول بعينها، كما أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» عن إمتناع أمريكا عن تقديم أي دعم لمنظمة الصحة العالمية، فبات العالم في ظل أجواء الأزمة وكأنه على شفا حرب وصفتها «رباب» بكونها «حرب الكل ضد الكل».

الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»

‎وتختتم رباب تناولها لأزمة وباء كورونا وأثره على المنظومة السياسية في العالم بالتأكيد على أن تطبيق النظام الديمقراطي يعد أكثر فاعلية في تعامله مع الأزمات وقد ضربت المثل بألمانيا وكوريا الجنوبية اللتين نجحتا في مواجهة أزمة كورونا في مقابل تجربة الصين المركزية التي ربما تكون قد تسببت في تفشي الوباء بالعالم نتيجة غياب الشفافية وعدم الإعلان عن ظهور الوباء منذ اللحظات الأولى.

‎على المستوي المصري أوصت رباب بضرورة العمل على تطبيق نظام «الأجر الشامل» وهو نظام يتضمن تقديم دعم نقدي شامل لكافة المواطنين على أن يضاف لضرائب المقتدرين في وقت لاحق، حتى يتاح للجميع تطبيق إجراء «البقاء بالبيت»، إلى جانب تطبيق نظام خاص بالتأمين الصحي الشامل والعام للجميع وذلك في ظل منظومة تقوم على التوسع في دعم الخدمات العامة بكافة المجالات من تعليم وصحة ونقل عام… إلخ.

البشر أم الإقتصاد؟

‎افتتح الدكتور «سامر عطا الله» حديثه حول أثر أزمة تفشي وباء كورونا على منظومة الإقتصاد بالعالم، بطرح التساؤل الذي فرض نفسه على العالم منذ إندلاع الأزمة.. البشر أم الإقتصاد؟ 

الدكتور «سامر عطا الله»

‎يجيب سامر على تساؤله بالإشارة إلى أن دول العالم قد انقسمت في تعاملها مع الأزمة إلى عدة فرق، فريق حرص على حماية البشر قبل الإقتصاد، وفريق عمل على إيجاد نوع ما من التوازن يقوم على إستمرار الإقتصاد مع إتخاذ كافة التدابير الإحترازية، وفريق ثالث أكد على أهمية الإقتصاد مع الدعوة لإتخاذ التدابير الإحترازية دون توفير أي ضمانات لتحقيق تلك التدابير.

‎الأزمة الحقيقية في مصر تتمثل في كون نسبة كبيرة من النشاط الإقتصادي يعتمد بشكل أساسي على القطاع غير الرسمي وبالتالي الإعتماد على العمالة غير المنتظمة أو العمالة خارج المنشآت، إلى جانب غياب الخدمات العامة التي تدعم هذا القطاع الكبير من المهمشين.

‎يتناول «سامر» تداعيات أزمة كورونا على منظومة الإقتصاد العالمي مشيرا إلى أن المؤشرات الكلية للإقتصاد العالمي بعيدة كليا عن الإيجابية، وأن عدم وضوح الرؤية يعد الأزمة الكبرى التي باتت تواجه الإقتصاد العالمي في هذه اللحظة.

‎على هذا الأساس بات من المتوقع أن يشهد الإقتصاد العالمي حالة من الإنكماش القوي، ومن ثم أصبحت قدرة إقتصاد كل دولة على إسترداد عافيته مرهونة بقدرة تلك الدولة على تقديم دعم للمنظومة الإقتصادية الخاصة بها، الأمر الذي دفع العديد من بلدان العالم في مواجهة أزمة كورونا إلى تخفيض الضرائب على أصحاب الأعمال، وهو ما يدفع المختصين لإعادة طرح تساؤل: «لمن ستنحاز السياسة الإقتصادية؟».

‎يلفت سامر النظر إلى أن الإقتصاد المصري خلال الفترة من 2016 وحتى 2020 قد شهد حالة من التعافي والنمو، إلا أنه نمو يتصف بكونه «هش» ذلك أنه يعتمد بشكل أساسي على قطاعات السياحة والتشييد والبناء، وموارد قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، غير أن بعض تلك المصادر مثل قطاع السياحة قد يشهد كسادا كبيرا، ومن ثم سيتأثر حال مجمل العاملين بذلك القطاع، إضافة إلى تخفيض الاستثمارات الموجهة له، كما ستنخفض تحويلات المصريين بالخارج نتيجة إنهيار سعر البترول، وهو ما من شأنه التأثير سلبا على النمو الإقتصادي إلى جانب التأثير على الأسر الفقيرة بكثير من قرى الريف التي تعيش  على تحويلات أبنائها بالخارج.

‎المثير في الأمر أن الكساد الكبير الذي قد يشهده قطاع ما في ظل أزمة ما غالبا ما يواكبه نمو قطاع آخر ناجم عن ذات الأزمة، ففي الوقت الذي ينهار فيه قطاع السياحة، يشهد قطاع الإتصالات نموا ورواجا غير مسبوق نتيجة تنامي الطلب على خدمات الإنترنت الناجم عن زيادة العمل عن بعد، وتطبيق نظام التعليم عن بعد، مع زيادة التواصل الاجتماعي بالإعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك».. «واتس اب».

‎الأكثر إثارة تمثل في ثبات سعر الدولار طوال الفترة الماضية، على الرغم من إنهيار سعر البترول وما شهدته مصر من إنخفاض الطلب على الدولار نتيجة لتوقف السفر وإنخفاض الطلب الخاص بعمليات الإستيراد.

‎يختتم سامر حديثه بالتأكيد على ضرورة أن تعمل الدولة على زيادة الإنفاق العام على مختلف الخدمات العامة، إلى جانب تقديم مزيد من الدعم للمنظومة الإقتصادية، مع تحصيل الضرائب بشكل منتظم وفرضها وفقا لمنظومة تحقق نوعا من العدالة الإجتماعية.

‎خلص الحوار إلى أن الحديث عن أن العالم بعد تفشي وباء كورونا سوف يختلف كليا عن العالم قبله هو حديث لا يخلو من الصحة، فعلى أقل تقدير بات العالم أكثر تبصرا بضرورة الحرص على توفير منظومة صحية أكثر تماسكا، إلى جانب الإهتمام بمنظومة التعليم والبحث العلمي وتخصيص الدول لمزيد من الموارد المالية لقطاعيْ التعليم والصحة على وجه التحديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: