رؤى

التسامُح.. موضوع للتفكير وسؤال فلسفي متجدد

يبدو، الآن، تحديدًا، موضوع أو قضية التسامُح Tolerance على رأس الموضوعات والقضايا التي تلحُّ علينا، ليس لكوْننا عربًا فحسب، بل لكوْننا جزءً من الإنسانية كلِّها، وما ذلك إلا لأنّ التسامح كقيمة لا يأتي منفصلًا، وإنما يكون مرتبطًا بحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والسِّلم، كما جاء في إعلان مبادئ 16 نوفمبر عام 1995، الصادر عن اليونيسكو بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو العام الذي سُلِّطت فيه الأضواء عالميا على قيمة التسامح، بحيث تنوعّت دلالاته وتطوَّر مفهومه ليكون بعيدًا عن مفهوم موازين القوَى، وكذا ليكون بعيدًا عن المرجعيات والمذاهب الدينية المختلِفة.

إعلان مبادئ 16 نوفمبر عام 1995 لليونسكو حول التسامح
إعلان مبادئ 16 نوفمبر عام 1995 لليونسكو حول التسامح

بزوغ النزَعات العِرقية إبّان وبعدَ الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) هو ما دفع الأمم المتحدة إلى إصدار وثيقة التسامح، ولا سيما أن روح التعصب قد بلغت أوْجَهَا في العالم كله بعد تلك الحرب المدمرة، ما حدَا بالمفكرين والفلاسفة إلى الاعتراف بضرورة سيادة التسامح بين الناس جميعا، وتنظيره فلسفيا واجتماعيا، ودينيا، وسياسيا، ليشمل مناحي الحياة جميعها، فأخذ التسامح معنى جديدا يقوم على الاحترام المتبادَل بين الأفراد كونهم متساوين أمام القانون الذي يظلهم جميعا، كما يقوم على تقدير التنوع الثقافي والاجتماعي والمعرفي والعقائدي، بحيث يولّد هذا التنوع المتفرّق انسجامًا وتمازُجًا يعبِّر عن الانفتاح والتواصل والحرية المسؤولة بين بني البشر، والتسامح بذلك يفارق المعنى الأول له الذي عُرف به قبل هذا التطور المعرفي والحداثي الكبير، وهو المعنى الذي كان يدور حول مفاهيم التساهل والتنازل والتعاطف، فقد كان التعريف الأول (البُدائي) للتسامح يعني تغاضي الأغلبية عن أفعال الأقلية وتجاوزاتها، الأمر الذي جعل منه مفهوما سلبيا لا أخلاقيا؛ لأنه تغاضٍ سلبي يحمل استهجانا داخليا بينما ظاهره عكس ذلك مراعاةً لمشاعر الأقلية الضعيفة، وقد كانت هذه هي صورة التسامح في مبتدأ الأمر في الحضارة الغربية وفلاسفتها الكبار، أمثال جون لوك وفولتير جون ستيوارت ميل، وغيرهم ممن كانوا يرون أن التسامح محدودٌ بتلك الحدود التي تجعله محدودًا لا مطلقا!1سمير الخليل: التسامح بين شرق وغرب، دار الساقي، ص 8.

جون لوك وفولتير وجون ستيوارت ميل
جون لوك وفولتير وجون ستيوارت ميل

معنى ذلك أن مفهوم التسامح لم يولَد مكتملا؛ بل هو كالكائن الحي المتنامي، تطور من خلال الصراع والظواهر الاجتماعية المختلفة، بل والدينية كذلك؛ فقد أبدَعته القريحة الأوروبية منذ كتب جون لوك “رسائل في التسامح”، بعد إذ عايش العقل الأوروبي ويلات حرب دينية بين الكاثوليك والبروتستانت حينما كانت الكنيسة في روما تفرض هيمنتها على المسيحيين، وترفض التسامح مع من يخالف الكثلَكة ونهجها في العقائد، وتتدخل في شؤون السلطة الدنيوية على اتساع القارة الأوروبية لإجبارها على عدم مناقضة الإجماع الديني وَفق النظرة الكاثوليكية، حتى تطوّر مفهومه بعد ذلك فغدَا مفهومًا شاملا يؤسِّس لحرية الاختلاف، وحق الخطأ، واحترام الحريات بمستوياتها المختلفة، كحرية التعبير والاعتقاد وغيرها من الحريات والحقوق التي تقوم عليها الحداثة وما بعدها، لذلك لم يخطئ المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، حين عرّف التسامح بأنه “موقف فكري وعملي قوامه تقبُّل المواقف الفكرية والعملية التي تصدر من الغير سواء كانت موافِقة أو مخالِفة لمواقفنا”، مشيرًا إلى أنَّ البَعثات التعليمية العربية الأولى هي التي أتاحت للعرب الاحتكاك الفكري بالحداثة الأوروبية التي تنهل من ذلك المفهوم تطبيقيا وعمليا.

   مفهوم التسامح الحقيقي – إذن – من نتاج الفكر الحديث، لكن هذا بالطبع لا ينفي وجود قيمة التسامح بشكل أو بآخر في العصور ما قبل الحديثة، بصورة فردية أو جماعية، منظَّمة أو غير منظَّمة، حتى اكتمل مفهوم التسامح واختمر مصطلحه باحترام القوانين الخاصة والعامة، وكذا احترام العقل والعقيدة، وسائر المشاعر الإيجابية التي تبني الإنسان وتؤكد على تفرّد صفاته مهما كان هذا الإنسان مختلفا مع غيره، فالاعتراف بالوجود الفيزيقي للآخر من أهم سمات التسامح بمعناه الحديث، لذلك صدق من أكد أن المفهوم الحديث للتسامح الذي يستند عليه الفكر الإنساني حتى الآن يرتكز على فكرة الكرامة الإنسانية في الأفق الأخلاقي الذي لا يمكن اعتبار الإنسان فيه مجرد وسيلة فحسب، وإنما غاية في حدّ ذاته2إيف شارل زاركا، التسامح قوة الحداثة وضعفها، مجلة إبداع، العدد 8، 1994.

   ويبدو من هذا الطرح الحديث أنّ الثقافة العربية ومدوّناتها، سواءً الكلاسيكية الكبرى، أم الحديثة، لا تعرف التسامح كمبدأ أخلاقي أو فلسفي بهذا الشكل الذي سلفت الإشارة إليه، على الرغم من أنّ كثيرا من علماء وفقهاء الإسلام يؤكدون وجود التسامح كنزعة عامة في الفكر الإسلامي، ونحن لا ننكر ذلك، بيْد أننا لا نراه على امتداد الخط؛ ذلك أن التسامح وإن يظل بارزًا في لحظات تاريخية معينة في تاريخ الفكر الإسلامي، كما هي الحال عند المعتزلة، أو مع بزوغ نزعة الأنسَنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، وكذا في فكر النهضة العربية ابتداءً من الأستاذ الإمام محمد عبده وتلامذته، لكن ليس بالشكل التقدّمي الذي شهدته وعرفته الحضارة الحديثة ومنجزاتها، وهذا هو السبب الرئيس في غياب تطبيقات مفهوم التسامح ودلالاته في الحياة العربية العامة، ومن خلال جولة واحدة سريعة على بعض التعليقات في منصات التواصل الاجتماعي يستطيع أي إنسان أن يكتشف غياب تطبيقات ودلالات مفهوم التسامح كقيمة أخلاقية وفلسفية في المحيط العربي، الأمر الذي يؤكد أن التسامح لم يكن من ضمن المفكَّر فيه، ما يجعلنا نتساءل عن مدى إمكانية النظر في مأزق التسامح بشكل جدّي أمام كل هذا العنف والتعصب والصدام والجدل العقائدي الذي تزخر به صفحات التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا في المنطقة العربية ومنظومتنا الفكرية والأخلاقية؟!

الإمام محمد عبده
الإمام محمد عبده

   إن سيادة مفهوم التسامح يدعم حقوق الإنسان، وحق التعددية الشاملة سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا، ويؤسس لمبدأي الديمقراطية وسيادة القانون، الأمر الذي من شأنه القضاء على الاستبداد والتعصب والظلم الاجتماعي والسخرية من اعتقادات وأديان البعض، ولقد فهمت أوروبا والمجتمعات الغربية الحديثة تلك المفاهيم، وحرصت على تطبيقها انطلاقا من إيمانها بالتسامح كمبدأ وممارسة وتطبيقات، مع ملاحظة أن مفهوم التسامح قد تطور على مدار أربعة قرون ، انتقالا من التسامح الديني، وصولا إلى اعتبار التسامح حقا إنسانيا وليس منَّة من الأغلبية على الأقلية، فهل سنجد، في يوم ما، في محيطنا العربي وثقافتنا العربية الإسلامية، للتسامح بمفهومه الحديث المتطور، وأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، طريقا نسلكه بعيدا عن طريقنا المأزوم الآن؟!

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: