ثقافة

في احتياجنا لتجديد ذكرى عميد الأدب العربي

لا يمكننا الحديث عن أية تجليات للنهضة العربية الحديثة دون الحديث عن عميد الأدب العربي طه حسين (14 نوفمبر 1889 – 28 أكتوبر 1973)، الذي تحلّ في هذا الشهر ذكرى وفاته الـ 47؛ فلا يزال فكره وعقلانيته ومنهجه الفكري الباسق وصرامة قواعد تفكيره ونقده الموضوعية العقلانية المتحررة من الجمود والتقليد، كل هذه قواعد أسّسها الرجل في ظرف تاريخي وسياسي وثقافي لعله حتى الآن يتشابه أو يلتقي بوجه أو بآخر مع ما نعيشه الآن!

بوفاة طه حسين فقدت مصر والعالم العربي/ الإسلامي أكبر رجالاتها ومفكريها وأدبائها في القرن العشرين على الإطلاق، وسيرته تؤكد ذلك لا شك؛ فهو الأديب والمؤرخ والمفكر والمصلح الذي تحمّل تبعات الإصلاح والدعوة إلى الفكر الحر في المجتمع، إلى جانب تقلّده مناصب تنفيذية حاول من خلالها تطبيق مبدأ المعرفة للجميع بلا حدود أو قيود، وتحقيق الذات الفردية وترسيخ المنهجية العقلانية الموضوعية، والانفتاح على الذات والآخر معًا، وغير ذلك من تجليات صاحبت مسيرته العلمية والفكرية منذ اللحظة الأولى عندما التحق بالأزهر في عام 1902م ومعاناته مع أشياخه ومناهجه، حتى صار صاحب مذهب يحكي عنه شخصيا فيقول: “عرفت في نفسي خصالا كوّنت مذهبي في الحياة: ظمأ إلى المعرفة، وصبر على المكروه، وطموح إلى اقتحام المصاعب، وجهر بما أرى أنه الحق، وشعور يفرض عليَّ أن أحب للناس ما أحب لنفسي… وأول ما عرفت في هذا المذهب خصلة أرى أنها صحبتني منذ الصبا، وهي الظمأ الشديد إلى المعرفة، الذي لا يطفئه اكتساب العلم، وإنما يزيده شدة والتهابا، فأنا لا أحصِّل نصيبا من المعرفة إلا أغراني بأن أحصِّل شيئا آخر أبعد مدى، وأشد عمقا، وليس في هذا نفسه شيء من الغرابة، فإذا كانت حاجة من عاش لا تنقضي، فحاجة من ذاق المعرفة أشد الحاجات إلحاحًا، وأعظمها إغراءً بالتزيد منها والإمعان فيها” [إبراهيم عبد العزيز، طه حسين.. وثائق مجهولة، دار بتانة للنشر، الجزء الأول]]

على الرغم من مرور 47 عاما على وفاته، بيْـد أنّه ما يزال يثير بأفكاره تساؤلات شتى، يتعلّق أهمُّها بإشكاليات النقد والتنوير في المجتمعات العربية، ومدى تقبّل تلك المجتمعات وتعاطيها وتفاعلها مع تجليّات المصطلحيْن كليهما، وما إذا كان لهما تأثير جليّ في تلك الحقبة، التي شهدت معارك طه حسين السياسية والأدبية والعلمية، وهي الحقبة التي بدأت منذ عام 1926، تخصيصاً، بظهور كتابه الأشهر “في الشعر الجاهلي”، ثم انتهت بوفاته، عام 1973، فما يزال هذا الكتاب، تحديدا، يثير جدلا لا ينتهي، ولعلّه لن ينتهي، ما دام النقد مغيّباً، وما دام العقل متّهماً، بعد الضربات التي كيلت له منذ تقويض مشروع المعتزلة على يد الخليفة العباسي المتوكّل وفقهائه، قبل أن يأتي الغزالي، في القرن الخامس، مكفّرا الفلاسفة المسلمين، فتضخم النصّ، وتراجع دور العقل، حتى أضحى الوعي الجمعي العربي لا يؤمن إلا بالنصّ والرواية، لا بالعقل والدراية.

تجليات النقد في خطاب طه حسين، كانت حاضرة، إذن، منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماه دروس الأدب في الجامعة المصرية، فخرج عن طوق النصّ والتسليم إلى فضاء فسيح من النقد والفلسفة، فأخذ منهما منهجية الشكّ، يقول العميد: “يجب علينا، حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه، أن ننسى قوميتنا وكلّ مشخّصاتها، وأن ننسى ديننا، وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية، وما يضادّ هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء، إلا مناهج البحث العلمي الصحيح”؛ فهي منهجية نقدية مؤسَّسة على العقل وحده للوصول إلى الحقيقة، دون وصاية تقيّده، أو توجيه يحفّزه، ووظيفة النقد عنده؛ “تمحیص العلم والأدب والفنّ، ولیست وظیفته الثناء والتقريظ أو الذمّ والتجریح؛ لذا وجب أن یكون النقد حراً من كل قید یعوقه عن أداء وظیفته”.

وتظهر تجليات التنوير والنقد السياسي معاً، عند طه حسين، عندما انتقد المادة (129) من دستور عام 1923؛ فهو يرى أنّ الدستور ينبغي أن يجعل الولاء للوطن سابقاً على أيّ ولاء، عقيدي أو مذهبي أو فلسفي، وتتأسس فلسفة هذه الدساتير على أنّ الدولة، وفق تعريفها القانوني، شخصية اعتبارية، وإذا كان التنوير، عند الفيلسوف (أوجست كانط): هو “خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حقّ نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر، ويجلب الإنسان على نفسه ذنب هذا القصور، عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر، لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك، ذلك هو شعار التنوير”، فإنّ طه حسين كان أنموذجا للتنوير، فهو في مشروعه الفكري لم يقصّر لحظة في استخدام عقله، ولم يرتضِ أيّة وصاية، من أيّ نوع، ولم يقتنع بمسلّمات تأسره، بل كان عقلانيا شجاعا، حتى وهو في أشدّ لحظات محنه التي تعرّض لها.

   لقد كان طه حسين مفكرا ومجددا متنوِّرا، نهل من الفكر الغربي ما يعينه على دراسة تراثه العربي، ومزج بين الفكر الغربي والعربي لإنتاج حركة فكرية تنويرية عربية تعتمد على العقلانية والنقد والمراجعة على أنساق مناهج الفكر الحديث، فرسم بأفكاره خطة لتحديث المجتمع العربي بأن يكون العقل العربي سيدا حرا، لا تابعا مقلِّدًا، وإطلاق الحرية للعقل لمراجعة كل شيء في المجتمع؛ لذلك لا نماري إذا اعتقدنا أن أفكار طه حسين بمثابة أيديولوجيات مخصوصة للنهوض بالعقل العربي وتحريره من التكلُّس والوهَن الفكري، حتى نرى عالَمًا عربيا يلحق بركب الحضارة والإنسانية.

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: