رؤى

دكتور وليد محمود عبد الناصر يكتب: “أيديولوجيات منتصف الطريق” 

في إطار ما فتحه مرور الذكرى الخمسين لوفاة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر (أيلول) 2020 من جدل واسع ونقاش لم يخل من السخونة حول مختلف جوانب المرحلة الناصرية على الأصعدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء داخل مصر أو على الأصعدة الإقليمية المختلفة عربيًا وأفريقيًا وإسلاميًا وعالم ثالثيًا أو على المستوى الدولي، وهو جدل كان لي فرصة المساهمة فيه بعدة مقالات بالعربية والإنجليزية، فقد لفت انتباهي بشكل خاص في بعض الإسهامات من هنا وهناك توجيه البعض، سواء من مواقع تقدمية تقف على يسار الناصرية على الصعيد الفكري أو من مواقع ذكرت أنها تتحدث من منطلق النظرة الموضوعية والمنهج العلمي لتناول الأمور، الاتهام، أو اللوم، أو العتاب، للتجربة الناصرية وأسسها الفكرية باعتبار أنها لم تكن واضحة ولا حاسمة في خياراتها وانحيازاتها، بل سعت في غالبية الأحوال إلى الإمساك بالعصا من الوسط والبقاء في “منتصف الطريق”.

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

وكان سبب اهتمامي الخاص بالجدل الذي تناول هذه الجزئية هو أنني تعرضت منذ زمن طويل، فاق تقريباً الثلاثة عقود والنصف، لمفهوم ما يعرف في تاريخ أدبيات العلوم السياسية بتعبير “أيديولوجيات منتصف الطريق”، وكان ذلك في سياق رسالتي آنذاك للحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وتحديداً ورد هذا المفهوم في بعض ما اطلعت عليه آنذاك من مراجع كما ورد على ألسنة بعض من حاورتهم في سياق إعداد الرسالة العلمية، وأذكر أن “الناصرية” كانت تعطى في تلك الحالات كأحد الأمثلة أو النماذج لما أطلق عليه البعض منذ ذلك الوقت تعبير “أيديولوجيات منتصف الطريق”. وبعد مضي أكثر من ربع قرن من الزمان على ذلك التاريخ، وخلال الشهور التالية لثورة 25 يناير 2011 في مصر وللموجة الثورية التي حلت بعدد من البلدان العربية في ذلك الوقت، والتي جرى العرف على وصفها من قبل الإعلام الغربي بأنها بمثابة “الربيع العربي”، دار حديث بيني وبين صديقة من أقطاب اليسار المصري في ذلك الوقت تطرقت فيه تلك الصديقة إلى الناصرية وما يمثلها من تنظيمات وأحزاب سياسية في مصر والوطن العربي آنذاك، واستخدمت تعبيراً ذا دلالة في هذا السياق، حيث قالت لي في إطار حديثنا وقتذاك “إن الناصرية لم تصعد السلم حتى نهايته بل توقفت في منتصفه”، وهو ما أعاد إلى ذاكرتي نفس مضمون مفهوم “أيديولوجيات منتصف الطريق”.

ولا شك أن أصحاب هذا الطرح لديهم حجج قوية وأطروحات وجيهة وأسانيد لا تخلو من صحة في العديد من مكوناتها، بمعنى أنه بالفعل لا يمكن المجادلة طويلاً في أنه في نهاية المطاف ومن جهة المكونات الفكرية فإن العديد من الأيديولوجيات التي عرفناها منذ فجر التاريخ الإنساني وحتى لحظتنا الراهنة تنتمي إلى تلك الفئة من الأيديولوجيات التي تسمى “أيديولوجيات منتصف الطريق”، حيث إن العديد من رهانات تلك الأيديولوجيات وانحيازاتها عمدت إلى المواءمة بين عدة مرتكزات، مختلفة أو متباينة فيما بينها، وأحياناً حتى بين طرفي نقيض، ويصدق ذلك على الأطروحات السياسية، كما على تلك الاقتصادية، وكذلك الاجتماعية، وحتى الثقافية.

فالناصرية على سبيل المثال اعتمدت صياغة أطلقت عليها تعبير “تحالف قوى الشعب العاملة” كأساس للسلطة وكوسيلة معلنة للمشاركة السياسية وكأداة لتعبئة وحشد المساندة الشعبية وأيضاً كآلية لضمان دعم التغيير الاقتصادي والاجتماعي، وحرصت على أن تشمل تلك الصيغة، بجانب فئات عاملة مثل العمال والفلاحين، فئات الطبقة الوسطى من مثقفين وموظفين، وتجاوزت ذلك إلى أن تدمج فيها أصحاب المهن الحرة (المهنيين)، ولكنها تعدت ذلك أيضاً لتدخل في إطار تلك الصيغة ما أطلقت عليه تعبير “الرأسمالية الوطنية”. وأثار تضمين هذه الفئة الأخيرة دهشة واستغراب لدي البعض وأسئلة وعلامات استفهام لدي البعض الآخر، خاصة أن الأمر خلا من أي تعريف محدد أو قاطع لحدود ومعالم تلك “الرأسمالية الوطنية”، بل وخرج من داخل العباءة الواسعة للناصرية من انتقد هذا المفهوم، صراحة أو ضمناً، وأذكر هنا على سبيل المثال المفكر الراحل الكبير وأحد أهم منظري الناصرية وهو الدكتور/ عصمت سيف الدولة، والذي كتب مؤلفاً هاماً بعنوان “رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة”، حيث عبر العنوان بشكل أمين وفي إيجاز عن ما بداخله من مضمون بشأن إمكانية وجود أفراد رأسماليين وطنيين كأفراد ولكن استحالة أن تكون الطبقة الرأسمالية، كطبقة، وطنية نظراً لارتباط مصالحها بالطبيعة وبالضرورة مع مصالح الرأسمالية العالمية، التي هي رأسمالية أجنبية. ومسألة “تحالف قوى الشعب العاملة” هو مجرد مثال واحد لأمثلة عديدة يمكن أن نسردها في إطار سعي الناصرية لأن تكون جامعة لمختلف القوى الاجتماعية وكائنة في خانة “أيديولوجيات منتصف الطريق”، من الناحية الفعلية وعلى أرض الواقع، وإن تباين ذلك أحياناً مع لغة الخطاب النظري والدعوي.

رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة
رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة

إلا أن المثال السابق هام أيضاً في كونه يوضح أنه نظراً لرغبة الناصرية، وغيرها من الأيديولوجيات المماثلة، مثل تجربة الزعيم الكمبودي الراحل “نوردوم سيهانوك” خلال عقد حكمه لبلاده ما بين عامي 1960 و1970، إلى البقاء في مساحة ما في الوسط الفكري، جعلت تلك الأيديولوجيات أقرب إلى الثوب الفضفاض الذي يتسع للكثيرين الذين عادة ما يختلفون فيما بينهم على تفسير الأيديولوجية ويتباينون في زاوية النظر إليها وإلى مبادئها وأهدافها، بما يفتح الباب داخل كل من هذه الأيديولوجيات إلى وجود تيارات متعددة تتراوح مواقعها الفكرية ما بين اليمين ويمين الوسط والوسط ويسار الوسط واليسار، وما بين المعتدل والمتشدد، وقد ينظر البعض لهذه الخاصية باعتبارها ميزة وليس عيباً باعتبار أن تلك الفئة من الأيديولوجيات تنجح من خلال الجمع ما بين إضفاء قدر من الهامش الفكري الواسع على مكوناتها وإصباغ طابع فضفاض على ركائزها ومقاصدها في جذب الكثير من الأنصار والأتباع من كل حدب وصوب، أي من مختلف مكونات المشهد الطبقي في المجتمع.

نوردوم سيهانوك
نوردوم سيهانوك

وهناك عامل آخر شديد الدلالة من وجهة نظرنا نرى أنه يتعين أخذه في الاعتبار عند الحديث عن “أيديولوجيات منتصف الطريق”، وهو أن هذه الأيديولوجيات تكون في معظمها شديدة المرونة فيما يمكن أن نطلق عليه “جذورها العقائدية”، نظراً لأنها عادة ما تبنى في الأساس على مرتكزات وطنية أو قومية بحتة، ثم يبحث أصحابها بعد النجاح في تحقيق مهمة التحرر والاستقلال الوطني للدولة عن مكونات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، هي جميعها ضرورية لتلك الأيديولوجيات لكي تستمر وتقوى وتصبح ذا مضمون فعلي ومحتوى موضوعي في مرحلة بناء الدولة أو الأمة، وغالباً ما توجد هناك حاجة أيضاً لأن تكون تلك المكونات ذات طابع تقدمي. ومن ثم يبحث أصحاب تلك الأيديولوجيات عن تلك المكونات إما في زمن أو تراث سابق في تاريخ نفس الدولة أو الأمة، أو ينتقون من أيديولوجيات أخرى قائمة من حولهم ما يجدونه ملائماً للتطبيق في حالاتهم.

وهنا تدخل فكرة الاعتماد على منهج “التجربة والخطأ”، وهو الأمر الذي يزيد من الطابع المرن أصلاً لتلك الأيديولوجيات بحيث بعد التجربة إما تستمر في تبني ما استعارته من أيديولوجية أو أيديولوجيات أخرى أو تسعى للتخلص منه، ولو تدريجياً، إن لم يحقق المردود المطلوب وتأتي بدلاً منه بمكون من أيديولوجية أو أيديولوجيات أخرى ترى فيه إمكانية تحقيق ما لم يحققه المكون السابق. وهنا أيضاً يرى البعض في هذا الأمر ميزة وليس عيباً باعتباره يجنب “أيديولوجيات منتصف الطريق” مخاطر الجمود العقائدي الذي قد يؤدي في الكثير من الأحيان إلى الوفاة الإكلينيكية لتلك “الأيديولوجيات الجامدة وغير المرنة”، بحسب رؤية هؤلاء، وبالمقابل يمنح منهج “التجربة والخطأ” لهذه الأيديولوجيات القدرة على التكيف مع المتغيرات، سواء داخل المجتمع أو على الأصعدة الإقليمية والدولية المحيطة بتجربتها، وكذلك إمكانية التأقلم مع ردود الفعل على استراتيجيات وسياسات تتبناها، ويمكن لها الدفع بأنها تتبنى في كل مرحلة ما يصلح من مكونات فكرية للتعامل مع متطلبات وتحديات تلك المرحلة على حدة.

ثورة يوليو
ثورة يوليو

ويذهب مؤيدو “أيديولوجيات منتصف الطريق” إلى القول بأن تلك الأيديولوجيات، وفي بحثها عن الحلول الوسط أو التوافقية وتبنيها لها، فإنها لا تحقق فقط هدفها المعني بتوسيع قاعدتها الشعبية ومشروعيتها الجماهيرية، ولكنها في ذلك تنحاز أيضاً لما يعتبره هؤلاء الطبيعة البشرية التي تنزع في معظم الأحوال إلى البحث عن الأرضية المشتركة التي تجمع شركاء الوطن أو الأمة، ولا تجنح إلى التشدد الدوجماطيقي في مواقفها الفكرية، ويدفع هؤلاء بأن ذلك يتفق مع الطرح المعروف منذ عقود طويلة في تاريخ علم الاجتماع بأن الاقتناع والالتزام الكاملين من جانب الأفراد بالانتماء إلى أيديولوجية بعينها إنما هو أمر يكون عادة من سمات الأقلية وليس الأغلبية من بين صفوف أي شعب أو أمة، وأنه عندما تتسع دائرته لتشمل أعداداً متعاظمة من البشر، فإن ذلك يحدث فقط لفترات تتسم بالقصر زمنياً وبالاستثنائية في ظروفها.

وهكذا نرى أن “أيديولوجيات منتصف الطريق” تتفق مع بقية الأيديولوجيات التي عرفتها الإنسانية في أنها تخضع لتفسيرات متباينة، خاصة من داخل صفوف المنتمين إليها، وهو أمر ولا شك يحول، في اللحظة التي تنفصم فيها العرى بين قادة تلك الأيديولوجيات أو أصحابها وبين تواجدهم في مقاعد السلطة، دون الحفاظ على الوحدة التنظيمية للموالين والأنصار ويصبح التفتت التنظيمي أمراً واقعاً لا محالة ولا مناص منه. إلا أن ذلك، وعلى الجانب الآخر، يضفي عليها قدراً من المرونة الفكرية بحيث ينتمي أتباعها، طبقاً لتلك التفسيرات المختلفة، إلى أطياف مختلفة من أطياف المشهد الفكري والسياسي والثقافي والمجتمعي، ومن ثم ينجحون في الكثير من الأحيان في كسب تعاطف وتأييد بشر منتمين إلى شرائح طبقية اجتماعية واقتصادية متعددة، سواء داخل حدود الوطن مكان ميلاد الأيديولوجية، أو حتى خارج حدوده الجغرافية، خاصة داخل حدود نفس الأمة التي ينتمي إليها ذلك الوطن وشعبه. وسوف تبقى بالتأكيد مسألة مدى الصلابة والتماسك والترابط العضوي فيما بين المكونات العقائدية والفكرية لتلك الفئة من الأيديولوجيات محل جدل ونقاش وبحث ودراسة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: