ثقافة

سعد الدين وهبة: الموهوب الذي تمسك بالإبداع ولم يخسر السلطة

هو واحد من رواد المسرح المصري الحديث وأحد فروع شجرة الثقافة المصرية التى أينعت وأزهرت عقب ثورة يوليو 1952 وكان مع “يوسف إدريس “و”الفريد فرج ” ونعمان عاشور ” وعبد الرحمن الشرقاوى ” وآخرين يمثلون ركائز المسرح المعاصر وكونوا مع آخرين واحدة من  أهم الحالات الفنية فى ثقافتنا الحديثة والتى عرفت بتجربه “مسرح الستينيات”

وهو المثقف الذى اختار دوما لعمل من  داخل مؤسسات الدولة وأروقة السلطة إيمانا منه بأن هذا ما يمكنه من  التأثير ما لن  يتوفر له وهو خارج ذلك الخندق فى تحقيق حلم جيله  بترسيخ  ونشر الثقافة الوطنية وصناعة فن جيد يليق بوطن عريق .

أثار هذا الإنحياز الدائم والاختيار المستمر  جدلا كثيرا حول وجود “وهبة ” فى صدارة المشهد الرسمى للثقافة  كرجل دولة ضمن صفوف رجال الدولة فى كل العصور بداية من مرحلة عبد الناصر حتى حسنى مبارك مرورا بأنور السادات .

هذا لم يمنعه من توجيه انتقادات عديدة للسلطة بالفن أحيانا وبالسياسة فى بعض الأحيان لكنه نقد من داخل المؤسسة التى لم يخرج منها منذ دخلها فى بداية حياته …

ظل خلال مسيرته حائط صد منيع ضد كل محاولات التطبيع الثقافى وخاض المعركة ببسالة رغم التطبيع الرسمى بعد “كامب ديفيد ” وكان موقفه الصلب واضحا طيلة رئاسته لمهرجان القاهرة السينمائى واتحاد الفنانين العرب وغيرها من المؤسسات الثقافة التى تولى إدراتها وكان من الطبيعى بعد مواقفه تلك أن تحتفى إذاعة إسرائيل بوفاته فى بيان بعيد عن القيم الإنسانية لكيان لم يعرف عن احترام الموت شيئا .

هو أحد صناع الثقافة المصرية وواحد من رموزها عبر نصف قرن ورجل دولة تمكن من الحفاظ على مساحة دافئة مع المثقفين فى كل المراحل رغم الكثير من العثرات والعديد من الانتقادات .. لكنه ظل قادرا على التجاوز والتواصل وإدارة حوار فى أحلك الظروف .

ولد “سعد الدين وهبة ” ولد في 4 فبراير 1925 بقرية دميرة مركزطلخا محافظة الدقهلية ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة الإسكندرية والتحق بكلية الشرطة نزولا على رغبة والده رغم ولعه المبكر  بالصحافة والكتابة وتخرج في كلية الشرطة عام 1949 ثم في كلية الآداب قسم فلسفة عام 1956من جامعة الإسكندرية وعمل ضابط بوليس واستقال وهو برتبة رائد في 1956  ليبدأ رحلة مع الأدب والصحافة .

جيل … ومسرح الستينيات

كان “وهبة ” واحدا من جيل الأربعينيات الذى تكون وعيه فى مراحله الأولى وسط أجواء مفعمة بالحلم فى الاستقلال وحراك دائم لمواجهة المحتل البريطانى وفساد الملك وتردى الوضع الاجتماعى والاقتصادى لغالبية المصريين

ربما ذلك ما دفع معظم مثقفى هذا الجيل إلى الانحياز لثورة يوليو خاصة بعد خطواتها نحو استقلال القرار الوطنى وإعادة توزيع الثروة وتحقيق قدر كبير وغير مسبوق من العدالة الإجتماعية فقرر كثير من هذا الجيل دعم الثورة والانخراط فى صفوفها … مؤمنين بأفكارها بغير ادعاء … معبرين عن أحلام يوليو التى جسدت حلم  ملايين المصريين .

عندما قررت “ثورة يوليو ” إنشاء مؤسستها الثقافية لتتمكن من توصيل الخدمة الثقافية لكل ربوع مصر كان “وهبة ” أحد رجال تلك المؤسسة التى يقودها “ثروت عكاشة ” مؤسس المؤسسة الثقافية المصرية الحديثة

لعب “وهبة “دورا بازرا فى الثقافة الجماهيرية كما كان نائبا للكاتب الكبير نجيب محفوظ خلال رئاسته لمؤسسة السينما .

ما بين المبدع ورجل الدولة …

بعد عودة توفيق الحكيم من أوروبا وتقديم مسرحيته “أهل الكهف ” 1933 والتى كانت نقلة كبيرة فى المسرح المصرى ودشنت مرحلة جديدة فى مسيرة المسرح المصرى وبعد سنوات ظهر جيل جديد من شباب الكتاب يدين بالولاء الفنى للمؤسس توفيق الحكيم

كان هذا الجيل يضم “يوسف إدريس ” الذى أثارت مجموعته القصصية الأولى “أرخص ليالى “انتباه النقاد نحو كاتب واعد وموهبة كبيرة فى نفس المرحلة صدرت مجموعة ” أرزاق ” عام 1958 للكاتب الشاب “سعد الدين وهبة لتكشف عن قاص وكاتب ينبئ بمستقبل كبير

إضافة إلى “الفريد فرج  ” و” نعمان عاشور ” و””رشاد رشدى ” وغيرهم من جيل – الستينيات – يعلنون عن أنفسهم بقوة فى أحضان دولة تفتح ذراعيها للفن والثقافة وتدعم الفنون بشكل غير مسبوق .

وفى عام 1965 يقدم أول نصوصه المسرحية “المحروسة ” ثم “كفر البطيخ و” السبنسة ” 1966ثم “كوبرى الناموس  1966

وفى عام 1976 يقدم وهبة درة أعماله المسرحية “سكة السلامة ” والتى وجه خلالها نقدا حادا إلى السلطة وإدارة الدولة مطالبا خلالها بإعادة ترتيب الأولويات والتخلص من المنافقين الذين ركبوا قطار الثورة وهم غير مؤمنين بأهدافها

كانت مسرحيات “السبنسة ” وكوبرى الناموس ” قد تضمنت نقدا أيضا لكن ليس بنفس القسوة الذى جاء فى ” سكه السلامة ” .

يعتبر النقاد أن سعد الدين وهبة أحد رموز المسرح المصرى الحديث لكن إسهاماته فى الكتابة للسينما لا تقل أهمية عن أعماله للمسرح فقد شارك فى كتابة سيناريو عدد من أهم أفلام السينما المصرية منها “الحرام” و”أرض النفاق” و”مراتي مدير عام” و”الزوجة الثانية” و”أدهم الشرقاوى ” وغيرها

” وهبة ” رجل الدولة

على المستوى الآخر فقد كان “وهبة ” رجل دولة بإمتياز قادر على إدارة حساباته السياسية ومتمكن من الاحتفاظ بالتناقضات من حوله فهو الذى شغل مواقع رئيس اتحاد العام للفنانين العرب وعمل في وزارة الثقافة من1964حتى 1980 وشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، ورئيس مجلس إدارة دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ورئيس مجلس إدارة هيئة الفنون ووكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية ووكيل أول في الثقافة الجماهيرية وسكرتير المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ووكيل أول وزارة الثقافة ونائبا للوزير من عام 1975 وحتى 1980 – فى الوقت الذى غاب كل رجال ثورة يوليو عن المشهد الرسمى –

كما انتخب نقيبًا للسينمائيين عام 1979ثم رئيسا لاتحاد النقابات الفنية ثم رئيسا لاتحاد كتاب مصر عام 1997كما انتخب عضوا لمجلس الشعب فى دورتى “1984-1987 ” عن وسط القاهرة

واختيررئيسا لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1985ورئيسا لمهرجان القاهرة لسينما الأطفال 1990ورئيسا للاتحاد العام للفنانين العرب

وكان مسؤلا عن الثقافة فى كل التنظيمات السياسية التابعة للسلطة بداية من الاتحاد الاشتراكي حتى الحزب الوطنى … ومن مجلس الأمة حتى مجلس الشعب .

التطبيع … مواجهات حتي آخر نفس

فى عام 1944 كان “وهبة ” طالبا فى مدرسة الرمل الثانوية بالإسكندرية ألقى القبض عليه مع العشرات من تلاميذ مدارس الإسكندرية الثانوية بعد أن نظموا مظاهرة ودعوا لإضراب  اعتراضا منهم على القبض على ” شكرى القوتلى ” و”رياض الصلح ” فى سوريا منذ تلك اللحظة عرف “وهبة ” الطريق نحو الفكر القومى والانتماء العروبى لكنه لم يعرف بعد ذلك طريق السجون أو الاعتقال . وكان حريصا دائما  عن الابتعاد عن بؤر الصدام السياسي وربما موقفه المحايد من أزمة – مراكز القوى – كما وصفها “أنور السادات ” والتى نشبت بين رجال  الراحل جمال عبد الناصر والرئيس المؤمن – حيث كان موقف “وهبة “محايدا ولم يقف فى أى الخندقين !!!

لكن الموقف الحاسم والتاريخى له كان رفضه الجذرى لكل أشكال التطبيع الثقافى بين مصر والكيان الصهيونى – على الرغم – من كامب ديفيد التى رفضها وظل يعلن رفضه لها دائما فى كل المواقع التى شغلها مثل رئاسته لاتحاد الفنانين العرب وقيادته لإتحاد الكتاب “

تولى سعد الدين وهبة تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي (1985م -1997م) وكان المهرجان قد بدأ في 16 أغسطس 1976 على أيدي الجمعية المصرية للكتاب والنقاد السينمائيين برئاسة كمال الملاخ، الذي نجح في إدارة هذا المهرجان لمدة سبع سنوات حتى عام 1983، ثم شكلت لجنة مشتركة من وزارة الثقافة ضمت أعضاء الجمعية واتحاد نقابات الفنانين للإشراف على المهرجان عام 1985.

ويعتبر “وهبة ” هو المؤسس الحقيقي لمهرجان القاهرة الذي أكسبه صبغته الدولية وأعاد تأسيسه وبناءه وهيكلته ليكون أحد أهم المهرجانات الدولية وظهرت مواهبه الإدارية وخبراته الكبيرة كرجل دولة عمل فى المؤسسات الثقافية عقودا طويلة  ومنذ اللحظة الأولى لتولى وهبة تلك المسؤلية التى تولى فيها مسؤلية المهرجان كان له موقف ثابت وصلب من أى مشاركات سينمائية إسرائيلية

هذا ما دفع إذاعة إسرائيل للاحتفاء برحيله فى 11نوفمبر 1997 ويأتى صوت المذيع العبرى ناطقا بالعربية “: «لقد رحل الكاتب المصرى والمسرحى سعد الدين وهبة، الذى كان يمنع دائمًا أن يستمتع الشعب المصرى بتكنولوجيا الفن الإسرائيلي، ودرجة الإبهار العالية للسينما الإسرائيلية، وكثيراً ما وقف فى وجه السينمائيين الإسرائيليين، وأعلن ذلك بوضوح من خلال مقالاته، وكتاباته الصحفية فى الصحف المصرية والعربية، وبات من المؤكد أن تشارك السينما الإسرائيلية فى فاعليات مهرجان القاهرة السينمائي، إن لم يكن فى دورته الحالية، فعلى الأقل سيكون فى الدورة القادمة، فالأصدقاء ما زالوا على قيد الحياة “

بعد تلك السنوات التى مرت هل تحققت نبوءة إذاعة إسرائيل وظهر من يدعم وجودهم فى نسيج الثقافة المصرية ؟ …. الإجابة قطعا نعم

لقد خاض “سعد الدين وهبة ” تلك المعركة بشرف ونبل حتى آخر نفس . وبرحيله ظهر هؤلاء وعلا صوتهم وفتحوا النوافذ كى يتسلق بعض داعمى الدولة العبرية والكثير من المتعاطفين معها والرافضين الحق الفلسطينى فى دولتهم على كامل أرضهم المسلوبة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: