رؤى

“سفين ڤالتر” السويدي الذي أقام صرح الإنسان 

قبل أن تنطلق السفينة الفنلندية “ايستل” للمشاركة في أسطول الحرية لكسر الحصار على “غزَّة” تم تنظيم حفل موسيقي في “بيوروي” بمدينة “”جوتنبرج” السويدية شارك فيه المتضامنون السويديون مع الشعب الفلسطيني وعلى رأسهم الممثل الملقب بمحبوب الشعب “سفين ڤالتر” الذي أطلق على تلك السفينة لقب “البطل الجماعي الضروري لعصرنا”.

في ذلك المشهد كان “سفين ڤالتر” قد قارب التاسعة والسبعين من عمره.. لكنه امتلك دائما قلب شاب مفعما بالثورة والفن والرغبة في التغيير، لا يقوى على مفارقة الأحلام ولا مقاربة اليأس.

لنحو من ثلاثة أشهر تنقلت السفينة “ايستل” عبر عدد من الموانئ الأوروبية، قبل أن تتوجه من ميناء “نابولي” لكسر الحصار على “غزَّة” الذي استمر لما يزيد على ست سنوات.. كان على متن السفينة عشرون ناشطا ينتمون لعدد من الجنسيات الأوروبية بينهم برلمانيون وفنانون.. كما حملت السفينة مساعدات إنسانية وكتبا لأطفال “غزَّة”.

السفينة ايستل
السفينة ايستل

لم يفوَّت الفنان النبيل ذو القلب الممتلئ بحب الإنسان والدفاع عن قضاياه أي فرصة أثناء الرحلة في التحدث عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وفي مقاومة الاحتلال الصهيوني، مؤكدا “أنه بذلك لا يحرر نفسه فقط من نير الاستعباد؛ إنما يحررنا جميعا، ويشعل فينا جذوة النضال من أجل العدالة ورفض الظلم والاستغلال”.

في صباح الجمعة الموافق 19 من أكتوبر عام 2012، فوجئ ركاب السفينة التي كانت ترابط على بُعد حوالي 30 ميلا بحريا من سواحل “غزَّة” بخمسة زوارق تابعة لجيش الاحتلال؛ تحاصر “ايستل” قبل أن يقوم جنود صهاينة مقنَّعون بالصعود إلى ظهر السفينة، وتحذير المتواجدين بها من التوجه لغزَّة.. لكن النشطاء أبدوا عزمهم على تنفيذ ما جاءوا من أجله.. ما جعل الصهاينة يرتكبون جريمة أخرى تضاف إلى جرائمهم التي لا حصر لها، إذ اقتادوا السفينة في عملية قرصنة إلى ميناء “أشدود” وقبضوا على النشطاء، وسلموهم للشرطة التي سارعت بإنهاء إجراءات ترحيلهم إلى بلادهم.

لم تني عزيمة الرجل في مناصرة القضية الفلسطينية وكشف زيف الدعاوى الصهيونية، ومطالبة حكومات بلاده المتعاقبة بالاستقامة وعدم الرضوخ للابتزاز الصهيوني.. وكان ” ڤالتر” ضمن نحو من مئة وسبعين شخصية سويدية قد وقعوا العام الماضي على بيان يطالب حكومة السويد بإعلان مقاطعتها للمشاركة في فعالية ينظمها الكيان الصهيوني تحت اسم “رؤية أوروبية” مع الإعلان أن المقاطعة سببها السياسات التي تنتجها دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين.

لم تكن حياة سفين “ڤالتر” المولود في “جوتنبرج” في الحادي عشر من يناير عام 1934، سهلة منذ البدايات فقد توفي والده المحرر” كجيل ڤالتر” فجأة ولم يكن “سفين” قد بلغ السادسة عشرة، وكان عليه أن يساعد أمه من أجل تربية إخوته؛ فاضطر للعمل بالبستنة قبل أن ينتقل للعمل كسائق سيارة أجرة، ثم معلم بديل بمدرسة ابتدائية، وعندما كانت الأمور تتعقد كان “سفين” يتجه نحو البحر للعمل في أي شيء مقابل أجر.. خَبِرَ الفتى خشونة العيش، وكان دائما وسط العمال والفقراء ما جعله يؤمن مبكرا بضرورة العمل على إقرار العدالة ورفع الظلم عن كاهل الإنسان.

انضم “سفين” وهو دون العشرين إلى الحزب الشيوعي السويدي وانخرط في أنشطته، ودافع عن مبادئه إلى آخر حياته.

في عام 1953 تقدم “ڤالتر” للالتحاق بمدرسة طلاب “دراماتن” للتمثيل؛ لكنه رسب في اختبارات القبول ما جعله يصرف النظر عن دراسة فن التمثيل؛ لكن والدته شجعته على التقدم بطلب للالتحاق بمسرح “جوتنبرج” فقبل طلبه وبدأ الدراسة في مدرسة “سيتي تياتر” حتى تخرج عام 1957.

بدأت مسيرة “سفين ڤالتر” الفنية في عام 1966، من خلال التليفزيون السويدي عندما قدم أدوارا متميزة في عدد من المسلسلات، أهمها مسلسل “راسكنز” الذي يصور الحياة في الجنوب السويدي في أواخر القرن التاسع عشر من خلال عائلة الجندي “جوستاف راسكنز” الذي جسَّد دوره ” ڤالتر”.. وشاركته البطولة في دور معشوقة الجندي “آنا نيرجاردس” زوجته ” فيفيكا سيلدال”.

لكن الحنين يشد “سفين” إلى مسرح “جوتنبرج” فيعود ليقدم عروضا مسرحية من بطولته في الفترة من عام 1967 إلى 1983، ثم ينتقل للعمل بمسرح بمدينة “جافلي بورج” حتى عام 1968، ومنه إلى مسرح العاصمة “ستوكهولم”.

قدم “سفين ڤالتر” خلال تلك الفترة عددا من الأفلام السينمائية الناجحة، مثل “رجل على السطح” الذي قدم فيه ببراعة دور مفتش الشرطة “لينارت كولبيرج” وفيلم ” آخر محاولة” و”الرجل من مايوركا” و” بيت القرميد الأحمر الغامض” وفيلم “شارلوت لوفنسكولد”.. وعن دوره في فيلم “اللعبة الأخيرة” حصل “سفين ڤالتر” على جائزة “جولدن بج” لأفضل ممثل. ثم نال نفس الجائزة مجددا في عام 2001، عن دوره في فيلم “أغنية لمارتن”.

وفي هوليود لعب “سفين” دور ملك الفايكنج في فيلم “المحارب الثالث عشر” أمام الممثل أنطونيو بانديرس” ومع الكاتب والمخرج “اندريه تاركو فسكي” شارك “سفين” في فيلم “التضحية” عام 1986.

في حياته الخاصة كان “سفين” محبا جدا لأسرته وأولاده الخمسة، ولكنه فُوجع بموت ابنته الكبرى “إيلفا” في عام 1992، بسبب مرض فقدان الشهية الذي عانت منه لمدة 17 سنة، وقد توفيت قبل عيد ميلادها الثلاثين بقليل، ثم فقد زوجته ورفيقة دربه وشريكته في كثير من الأعمال الفنية الرائعة ” فيفيكا سيلدال”.. التي هزمها السرطان عام 2001، وهي في السابعة والخمسين من عمرها، كما فقد “سفين” صديقه المقرب ” بيني فريدريكسون” الرئيس التنفيذي لـ “ستادستيرن” الذي انتحر بعد فصله من وظيفته بسبب تهم تتعلق بإساءة معاملة الموظفين بالشركة.

وبرغم شعوره الشديد بالحزن على أحبته الذين فقدهم إلا أنه استطاع مواصلة العمل والكفاح من أجل مبادئه وقد رد في إحدى المقابلات الصحفية على سؤال بشأن تغلبه على الحزن قائلا: ” لا يمكنك أن تطفئ الحزن.. عليك أن تتعلم مواجهته وأن تستطيع حمله معك، وإلا فإنني أعتقد أنه قادر على ملاحقتك وطعنك في الظهر”. ويضيف أنه “لا بأس بطلب المساعدة؛ فأحيانا ما تبدو الأمور صعبة جدا. وأنا لديّ أطفالي وزوجتي “ليزا” وأشخاص آخرين من حولي. لقد استطاعوا مساعدة أنفسهم ومساعدتي، لقد احتضنا بعضنا البعض لذلك أعتقد أن وجود الأشخاص المقربين أهم من أي شيء آخر.

أصبح لـ ” ڤالتر” فلسفته الخاصة عن الموت؛ فهو يراه ذا قدرة على التفريق بين الناس؛ لكنه لا يستطيع قتل الحب.. فالحب طاقة تستطيع النجاة من كل شيء.. كل إنسان يستطيع أن يحمل من أحبهم داخل نظامه الخاص، أنا أرجو أن يفعل أحبتي معي ذلك ساعتها سأغادر الأرض وأنا سعيد.

كتب “سفين” سيرته الذاتية وصدرت في كتاب بعنوان “الصبي ذو القوس” كما سجل تجربته مع الموت وفقدان الأحبة في كتاب آخر بعنوان “هي، هو الموت” وكان آخر كتبه بعنوان “رحلة بريتا”. كما أصدر ألبوما منفردا يحتوي على تفسيرات باللغة السويدية لـ “ليونارد كوهين” و”توم ويتس” بالإضافة إلى ألبوم “أغاني من القرن العشرين” عام 2009، حيث قدم أغانٍ سياسية، مع آخرين.

قدم “سفين ڤالتر” أكثر من ستين عملا فنيا متنوعا على مدى نصف قرن وكان إسهامه الأكبر في المسرح، وفي المسلسلات التليفزيونية، لكن أعماله السينمائية كانت في معظمها أكثر من رائعة بالإضافة إلى عدد من الأعمال الإذاعية.

سأله أحد الصحفيين ذات مرة عن أيدولوجيته اليسارية، وكيف تمسك بها طول هذه السنوات برغم أنه أصبح أشهر وأهم ممثل في البلاد، فأجاب ” ڤالتر” بأن الأمر يتعلق في المقام الاول بعالم اليوم الذي يتسم بالعنف والقسوة ونهم الأثرياء وإرهاب الإمبراطورية والتهديد الفظيع الذي تشكله الرأسمالية المتوحشة لفقراء هذا العالم.. كيف يمكن لأي إنسان أن يغض الطرف عن حقيقة أن الخراب الكامل يكمن في تكدس الأموال لدى فئة قليلة من الناس بينما يفتك الجوع والمرض والفقر بالملايين. كيف يمكن للمرء أن يرى هذا ولا يريد أن يفعل أي شيء حيال ذلك؟

كان ” ڤالتر” صاحب تجربة فنية فريدة هي مسرح الخيمة بدأها عام 1977، وجال بها أنحاء السويد للتعريف من خلال العمل الفني بكفاح الطبقة العاملة السويدية، ثم أعاد تقديمها منذ سنوات مرات ومرات.. وقد مُنح ” ڤالتر” جائزة “فلاديمير لينين” وقيمتها عشرة آلاف كورونا سويدية ساهم بها في الأنشطة الثقافية والفنية للحركة الشيوعية في البلاد.

وفي مساء يوم الثلاثاء الماضي العاشر من نوفمبر توفي الفنان الرائع والإنسان العظيم “سفين ڤالتر” بإحدى مستشفيات “لوليا” بمقاطعة “نوربوتن” بالسويد متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.. ليرقد بسلام وسط حالة من الحزن العارم اجتاحت السويد التي نعاه رئيس وزرائها في بيان رسمي.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: