رؤى

قطار التطبيع الثقافي من علي سالم إلى محمد رمضان

أثارت صور الممثل محمد رمضان مع شخصيات تنتمي لدولة الاحتلال الإسرائيلي عاصفة من الغضب في الأوساط الفنية والشعبية في الوطن العربي، و طالب كثيرون بمقاطعة أعماله رداً على إعلانه التطبيع مع الكيان الصهيوني، فيما احتفلت وسائل إعلام دولة الاحتلال بهذه الصور، معتبرة أن ما حدث يمثل نصراً كبيرا،، وخطوة على طريق التطبيع الثقافي مع مصر التي ما زال شعبها يرفضه. رد فعل “رمضان” على الضجة التي حدثت كان من الناحية السياسية مثيراً للسخرية، حيث كتب على حسابه الشخصي مع صورته مع الممثل الإسرائيلي ” يهمني الانسان ولو مالوش عنوان” متناسيا أن عنوان الصهيوني هذا مسروق مننا ومن أرضنا..

رمضان ليس الأول فيما يتعلق بالتطبيع مع الاحتلال، فقد سبقه حسين الجاسمي عندما تنازل عن لحن إحدى اغنياته لمطرب اسرائيلي احتفالا بتوقيع اتفاق التطبيع بين دولته وإسرائيل، ومن قبلهم كان الكاتب علي سالم والمخرج الراحل حسام الدين مصطفى، ويبدو أن رمضان لن يكون الأخير، فالقائمة سوف تطول، وقريبا قد نرى أسماءً كبيرة تعلن التطبيع مع إسرائيل دون خجل، مُعللين ذلك بأن الفن عابر للحدود، ولا حرب مستمرة ولا عداء مستمر.

يفاقم من هذا الخطر أن التوقيت الحالي صعب والظروف أصعب، فهناك رغبة كبرى لدى الكيان الصهيوني للتطبيع مع كل الشعب العربي، واستغلال حالة الضعف والوهن التي يمر بها الوطن العربي للمرور بين ثنانيا الجلد والتوغل كعادتهم.

البداية كانت من الإعلام عندما تم استبعاد العدو الصهيوني واستبداله بأعداء آخرين، وظنوا أن حربنا ضد الإرهاب أو غطرسة العثماني وأحلامه التوسعية ومؤمرات إقليمية أخرى سوف تُنسينا العدو الصهيوني والحق المُغتصب.

وبحكم أن صناعة الفن في مصر مرتبطة في قدر منها بالمال الخليجي فكان الأخير هو الوسيلة أو المدخل الآخر للتطبيع من خلال الدعوة للتكريم والإغراء بالمال، ثم الاحتفال وسط مجموعة من الفنانين والشخصيات من دول كثيرة بينهم إسرائيليون، والحديث عن أعمال مشتركة عالمية في أمريكا وأوروبا، ثم نشر الصور وكأنه نصر مبين، حتى يوقن الجميع أن الأمر أصبح وشيكاً وينهار أو يضعف من كان رافضاً أو متردداً.

ويبدو لهولاء أن الصمود أمام إغراء المال والحرمان من بيع وتوزيع الأعمال الفنية في الخليج أمر صعب للغاية، ويهون معه أي ردة فعل سلبية أو هجوم شعبي أو رفض، اذ يعتقد رمضان وغيره أنها ردود فعل مؤقتة وسرعان ما ستزول، المهم أن يستمر تدفق المال وتزداد الجماهيرية مهما كلفنا الأمر.

المدخل الثاني كان من خلال مهرجان الجونة الذي يقوم من دورة لأخرى بدعوة شخصيات فنية داعمة للكيان الصهيوني في تحدِ للجميع، وللأسف صمتت جموع الفنانين واكتفى بعضهم بالغياب لحظة تكريم الضيف فقط، بينما أعلن آخرون رفضهم لمقاطعة دولة الاحتلال ومن يمثلها أو يناصر احتلالها، ( أحد النقاد اعتبر المقاطعة ورفض التطبيع أمر تجاوزه الزمن، وأن التطبيع قادم لا محالة وعلينا الانصياع للأمر كما فعلت دول عربية أخرى).

بالتأكيد هناك الكثير من الفنانين لديهم من الوعي لأن يدركوا خطورة المرحلة، وأننا أمام تحدِ كبير لا ينفع معه التزام الصمت والبحث عن مكسب شخصي بعمل هنا أو تكريم هناك، فلابد من موقف مُعلن وثابت للجميع أمام قطار التطبيع الذي انطلق من الخليج هذه المرة، ولن يتوقف إلا بعد الوصول لغايته أو الاصطدام بموقف الرافضين الثابتين على مبادئهم.

وحسنا فعل الدكتور أشرف زكي نقيب الممثين عندما أعلن مجدداً أن النقابات الفنية كلها ضد التطبيع، وما زالت متمسكة بقرار المقاطعة، هذا الإعلان قطع الطريق أمام المزايدين والمتشبثين بمقولة أن الفن عابر للحدود، والذين طالبوا على خلفية تكريم المخرج الداعم للكيان الصهيوني في مهرجان الجونة بضرورة مراجعة النقابات الفنية لقرار المقاطعة باعتباره غير مواكب للعصر!!
يبقى أن يعلن اتحاد النقابات عقوبة مشددة و مُلزمة بالإيقاف والمنع من العمل لمن يخالف قرار حظر التطبيع.

قد نضعف أحيانا وتخور قوانا وتضغط علينا الحياة كثيراً، لكن أبدا لا نبيع ولا نُفرط في نقطة دم لمصري أو فلسطيني أو سوري أو عربي مهما كانت جنسيته، فهذه الدماء التي سالت دفاعاً عن أرض واستردادا لحق مُغتصب أشرف من كل مليارات الهرولة وراء إسرائيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: