رؤى

الصحة العامة في مصر في القرن ١٩.. عن “كورنتينة الإسكندرية والمناعة والأوبئة” (2-3)

مع تفشي فيروس كورونا شاع استخدام كلمة «كورنتينا» وهي «تعني الحجر الصحي» للوهلة الأولى لم أدرك معنى الكلمة غير أن عام 2020 كان كفيلا بأن يفسرها لي وغيرها الكثير من المفردات والمعاني المرتبطة بالتعامل مع الأوبئة التي لم تكن يوما مطروحة على أبناء جيلي. ولكن هل يعرف مستخدمي كلمة «كورنتينة» أنها كانت شائعة بمصر خلال القرن التاسع عشر وأن أول من دعى إلى تطبيق نظام دولي للحجر الصحي البحري هو محمد علي باشا مؤسس نهضة مصر بالنصف الأول من القرن التاسع عشر عبر تأسيس ما عُرِفَ «بالمجلس الدولي للحجر الصحي» الذي تشكل من ممثليين عن القنصليات المختلفة لإدارة خدمة الحجر الصحي البحري ومن ثم كان تأسيس «كورنتينة الأسكندرية» كنموذج لتطبيق تلك الخدمة.

الدكتورة لافيرن كونكه في دراستها المعنونة «أرواح في خطر .. الصحة العامة في مصر القرن التاسع عشر» التي نقلها للعربية الدكتور أحمد زكي تطرح قضية الصحة العامة في مصر خلال القرن التاسع عشر وكيف تم التعامل مع منظومة الأوبئة والأمراض المتوطنة -الكوليرا والطاعون والجدري- التي كانت دائمة التفشي بمصر خلال هذا القرن.

عن الكورنتينة

تروي دكتور لافيرن كونكه بدراستها عن وباء الكوليرا الذي طالما عصف بمصر خلال القرن التاسع عشر مشيرة إلى أن هذا الوباء قد اجتاح مصر عشر مرات خلال الفترة من 1831 حتى 1903 غير أن أقوى تلك الاجتياحات وقع خلال أعوام 1831 و1848 و1865 وجاء تفشي كل وباء منهم في ظل ظروف مختلفة ساعدت على انتشاره وحين ضرب الوباء مصر عام 1831 بشدة اقترح محمد علي باشا على الهيئة القنصلية الأوروبية تنظيم مجلسا لحماية مدينة الأسكندرية التي تضم الميناء البحري على وعد منه بتطبيق كافة الإجراءات الاحترازية التي سوف يقترحونها للصالح العام ومن ثم تجمع سبعة عشر ممثلا قنصليا وقاموا بتعين لجنة من خمس أفراد كأول مجلس لإدارة الكورنتينة في الأسكندرية ضمت اللجنة القنصل العام لإنجلترا وفرنسا والنمسا وتوسكانيا وروسيا وجاء أول تحرك لمجلس إدارة اللجنة عبر الأمر بإنشاء كردون مزدوج حول الأسكندرية وتعيين أطباء أوربيين كمفتشين على طول الكردون بالمحطات والأسواق.

الكوليرا في مصر في القرن 19
الكوليرا في مصر في القرن 19

على الجانب الآخر ومع تغلغل الكوليرا بين صفوف الحجيج العائدين من الأراضي المقدسة عام 1831 أصدر والي مصر أحكاما تنظيمية شاملة للسيطرة على مرورهم عبر مصر فَطُلِبَ من الحجاج القادمين إلى السويس أو القصير قضاء خمسة إلى عشرة أيام بالكورنتينية اعتمادا على حالتهم الصحية وقت وصولهم وهل هم أصحاء أم مرضى؟ وتم إرسال الطعام والشراب والخيام والقوات من القاهرة لتنفيذ الحجر الصحي جبريا غير أن الحجيج قاوموا تنفيذ قرار الحجر الصحي وفر منهم الكثير.

عزم مجلس الكورنتينة القنصلي على الاستفادة إلى أقصى درجة من السطات غير العادية التي منحها لهم محمد علي باشا ومن جانبه نفذ الوالي مقترحات مجلس إدارة الكورنتينة بالقوة الجبرية وبعد أربعين يوما من انحسار الوباء عادت مصر عفية كعهدها رغم فقدها الكثير من الضحايا بهذا الوباء.

اللائحة الصحية

جاء الانتشار المفاجىء لوباء الطاعون بالأسكندرية عام 1841 ليدفع محمد علي باشا إلى إقرار لائحة صحية نموذجية استلهمت مبادئها البيئية مما نادى به المصلحون الصحيون بأوروبا وتضمنت كافة الإجراءات الوقائية التي من شانها الحد من انتشار أي وباء أو مرض معدي.

كان محمد علي باشا قد أسس الصحيفة الرسمية «جريدة الوقائع المصرية» التي صدر العدد الأول منها في ديسمبر من عام 1828 ومن ثم تم استخدامها في التعريف باللائحة الصحية التي تم وضعها وبكافة الإجراءات الصحية الواجب اتباعها وطبيعة الأنشطة التي ارتبطت بالعمل على تحسين الحالة الصحية بالبلاد إلى جانب التعريف بمدرسة الطب المصرية التي أسسها كلوت بك طبيب محمد علي باشا عام 1827 وما أحزته من تقدم إلى جانب التعريف بطبيعة الأوبئة التي اجتاحت مصر بذاك الآوان وغيرها الكثير من أمور إدارة البلاد.

محمد علي باشا
محمد علي باشا

جاء وباء الكوليرا عام 1865 ليكشف عن سهولة انتشار وامتداد الوباء من الحجاز إلى مصر وعبر المتوسط إلى أوروبا نتيجة سهولة التنقل بواسطة السكك الحديدية ووسائل النقل البحرية وما زاد من حدة الأزمة ما أشيع عن تزوير قباطنة السفن لتصاريح المسافرين الصحية الذين يتم نقلهم من وإلى الحج بمكة، الأمر الذي جعل من فرض الحجر الصحي البحري الذي كان قد نادي به محمد علي باشا أمرا لا مفر منه في كثير من الأحيان وبصفة عامة فإن الشهادات حول أوبئة الكوليرا في 1831 و1849 و1865 و1881 أرجعت فشل فرض الحجر الصحي والعزل لحاملي المرض المشكوك فيهم كأحد أهم أسباب انتشار الوباء عبر البلاد.

مجلس الكورنتينة الدولي

تاريخ المجلس الدولي لإدارة الكورنتينة التي فوضها محمد علي خلال وباء 1831 كما أوردته دكتور لافيرن كونكه يكشف عن العديد من المنازعات بين أعضاء المجلس التي أثرت دون شك على تحديد إجراءات عمل الكورنتينة حيث صاغت سياسات المجلس عوامل اقتصادية وسياسية أكثر من تلك العوامل الفنية والإنسانية.

مثل المجلس الدولي للكورنتينة في الأسكندرية تجربة غير ناضجة في التعاون الدولي حيث لم يستطع مبدأ التعاون الدولي أن يصمد أمام التنافس السياسي والاقتصادي بين البلدان المشاركة في التجربة وبالتالي جاءت أنشطة المجلس القنصلي في الأسكندرية تعاني من أزمة تتعلق بسعي كل مندوب نحو مراعاة سياسات حكومته الخاصة الأمر الذي جعل كل منهم يحرص على منح معاملة تفضيلية لسفن مواطنيه.

أطلال كورنتينة الإسكندرية
أطلال أحد مباني الكورنتينة بالإسكندرية

غير أن المشكلات التي عاني منها مجلس الكورنتينة الدولي لم يمنع محمد علي باشا بعد انتهاء وباء الكوليرا عام 1831 من أن يكلف أعضاءه بإنشاء مستشفى حميات مرافقة لميناء الأسكندرية على النسق الأوروبي بوصفها المرفق الجوهري لأي نظام كورنتينة فعال وبناء عليه تم وضع مسودة لبرنامج عزل صحي شامل يعتمد ماديا على تلك الرسوم التي تدفعها السفن والمسافرين وبالفعل بدأ العزل الوبائي بمبنى العزل عام 1833 وعمدت الحكومة المصرية آنذاك على توفير ظروف البقاء والدعم للأكثر فقرًا بين المسافرين غير أن أحد أهم العراقيل التي طالما أعاقت كفاءة خدمات الحجر الصحي قد تمثلت في صعوبة الوصول إلى اتفاق ما بين أعضاء مجلس الكورنتينة على التنفيذ الجبري للسياسات بشكل متماسك واتضحت الأمور عام 1838 حين عجز أول رئيس منتخب للمجلس عن تطبيق مساعيه نحو التنفيذ الجبري للأحكام نتيجة الموقف الدفاعي المتشدد الذي تبناه أعضاء المجلس دفاعا عن سفن مواطنيهم.

العيوب التي شابت مجلس الكورنتينة الدولي الذي دعا لتأسيسه محمد علي باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر لم تنفي عنه كونه أحد التجارب الرائدة في مجال التعاون الدولي في مواجهة الأوبئة الصحية وما أحوجنا اليوم لمثل هذا التعاون الدولي لمواجهة فيروس كورونا .. فالخلاص من وباء كورونا لن يكون بأي حال من الأحوال خلاصا فرديا فالعالم أصبح كرة صغيرة ولا مناص من تقديم كافة سبل الدعم الدولية لبلدان العالم الأفقر ذلك أن الانتصار للقيم الإنسانية بات السبيل الوحيد المتاح لخروج العالم منتصرا على هذا الوباء.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock