رؤى

انقلاب إسرائيل في الخليج: كيف فقد الفلسطينيون حلفاءهم العرب (2 – 2)

عرض وترجمة: أحمد بركات
قد يؤدي الخطاب المناهض للكولونيالية بشأن حق تقرير المصير وحقوق الإنسان في فلسطين دورا فعالا في الجامعات التقدمية وبعض الشبكات التليفزيونية، لكنه غير صالح على الإطلاق في بقاع أخرى. ففي دول الخليج، حيث يتم تقويض حقوق الأفراد والأقليات بشكل فج، لن يكون واضحا لماذا يجب على الخليجيين دعم الفلسطينيين في الحصول على هذه الحقوق.

كما أن التوصيف المجازي لإسرائيل بأنها آخر معاقل الكولونيالية الأوربية في الشرق الأوسط سوف يصعب ترويجه بعد أن نجحت إسرائيل على مدى سنوات في إعادة الترويج لنفسها على أنها “دولة ناشئة” يجب الاقتداء بها، على الأقل للاقتصادات النفطية الخليجية المتراجعة.

أما القصة الثانية فقد وقعت مؤخرا، حيث أخبرتني صديقة انتقلت حديثا من الخليج إلى سنغافورة أنها اشتركت في قائمة البريد الإلكتروني لـ “منتدى الشرق الأوسط” التابع لمركز أبحاث “دانيال بايبس”، معتقدة أنه مركز أبحاث متوازن في دراساته عن الشرق الأوسط.

بالنسب إلى أي مراقب مطلع و فلسطيني مخلص لقضيته لا يمكن وصف “منتدى الشرق الأوسط (الذي يعلن أن رسالته هي حماية “القيم الغربية من تهديدات الشرق الأوسط”) بأنه “متوازن”.

لكن بايبس نجح على نحو ربما لا يمكن تصديقه (إلى جانب الجماعات التي تعتنق فكرا مشابها) في أن يؤسس لنفسه موطئ قدم في العالم العربي، وأن يحظى بمتابعة في تلك المنطقة التي أهملها الناشطون الفلسطينيون.

دانيال بايبس
دانيال بايبس

فقط عندما تلقت صديقتي رسالة عبر البريد الإلكتروني من المنتدى في العام الماضي تدعو إلى التبرع لـ “مشروع انتصار إسرائيل” (Israel’s Victory Project)، بدأت تدرك الخطر. وأصرت على أن أشاهد الفيديو المرفق بالرسالة الإلكترونية الذي قدم أطروحة مفادها أن الصراع لن ينتهي إلا “عندما يستسلم الفلسطينيون”.

لقد تم اختطاف هذه الصديقة إلى إحساس زائف عن “اعتدال بايبس”، تماما كما حدث مع العرب الخليجيين الأقل دراية بحقيقة الصراع من الفلسطينيين، ولا يستطيعون اكتشاف الفروقات الدقيقة والانحيازات التي تدفع بها جماعات تبدو أجنداتها معتدلة، حتى تنزع عن وجهها القناع من خلال مبادرات من قبيل “مشروع انتصار إسرائيل”.

لم يكن تأثير الدبلوماسية العامة الإسرائيلية (الهاسبارا) في العالم العربي نتيجة لفشل الاستراتيجية الفلسطينية فحسب، وإنما أيضا، كما يبدو، لنجاح الهاسبارا الإسرائيلية في تحديد الطريقة التي تنظر بها بعض النخب الخليجية إلى الصراع العربي الإسرائيلي.

لقد أصبحت هذه الدبلوماسية بالغة التطور والتعقيد، مما أدى إلى تضخم رسالة إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الجماعات المؤثرة على “تويتر”، والمدعومة من قبل الدولة، وحتى شبكة الروبوتات التي تديرها مصادر في الإمارات العربية المتحدة.

يبدو الأمر أيضا وكأن هناك عملية ’تنشئة اجتماعية‘ وقعت بحق النخبة. يتجلى هذا في علاقة الود التي تنضح بها حفلات العشاء المنفصلة، ونقاشات مراكز البحوث، والنبرة السائدة الموالية لإسرائيل في كثير من وسائل الإعلام والترفيه الشعبية، من “سي إن إن” إلى “فوكس نيوز”، ومن “هوليوود” إلى “نتفليكس”.

شبكة نتفيلكس
شبكة نتفيلكس

هذا التشويه المستمر لكيفية قراءتنا للواقع، وتفضيل السردية الإسرائيلية على الفلسطينية، أصبح له الآن عواقب في العالم الحقيقي. وقد أظهر السياسيون الخليجيون وكبار رجال الأعمال مؤخرا مدى عمق هذا التنافر.

لنأخذ على سبيل المثال “صفقة القرن” التي ابتدعها ترامب، والتي كُتبت بطريقة لا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يقبلها، حيث تجاوزت حرفيا جميع الخطوط الحمراء الفلسطينية.

لا يمكن لأي عربي مطلع على جغرافية القدس (إلا إذا كان “الاطلاع” يعني “خرائط جوجل”) أن يصدق حقا أن عاصمة فلسطينية يمكن أن تُشيد في أبو ديس وتضم المواقع المقدسة للمسلمين والمسيحيين الفلسطينيين في، أو بالقرب من، المدينة القديمة في القدس، والتي تنفصل عنها بجدار خرساني يبلغ ارتفاعه 8 أمتار وجبل الزيتون.

نفس معيار الجهل ينطبق على الطريقة التي تقنن بها “الخطة” المستوطنات الإسرائيلية، وضم وادي الأردن، وإمكانية تجريد عشرات الآلاف من العرب الإسرائيليين الذين يعيشون في عشر بلدات حدودية من جنسياتهم الإسرائيلية.

ومع ذلك، فليس لدى سفيري الإمارات والبحرين أي غضاضة تجاه الموافقة على هذه الخطة. وعلى نحو مفهوم، رفضت المملكة العربية السعودية ومصر والأردن، الأكثر اطلاعا على الموقف على الأرض، حضور تدشين الخطة في البيت الأبيض.

وعندما زار وفد أعمال إماراتي المسجد الأقصى مؤخرا، قام مصلون فلسطينيون غاضبون بمطاردتهم. كان لدى الفلسطينيين أسبابا وجيهة لهذا الانزعاج، تتجاوز تصورهم لخيانة إماراتية تنشأ – للمرة الثانية – عن جهل أو لا مبالاة  خليجية، حيث يوجد لكبار الشخصيات العربية مدخل خاص، وهو باب القبائل، الذي يديره “الوقف”، ويوجد تسعة أبواب أخرى للمصلين المسلمين.

لكن الوفد الإماراتي وصل إلى مبنى المسجد برفقة الشرطة الإسرائيلية عبر بوابة وحيدة مخصصة لغير المسلمين، تديرها إسرائيل، وتسبب الكثير من التوتر بين إسرائيل والأردن. ربما ضلل المضيفون الإسرائيليون الوفد الإماراتي الضيف، لكن كان عليهم أن يؤدوا واجبهم. فالقدس لا تزال، برغم كل المظاهر، مدينة محتلة، ولا يستطيع معظم الفلسطينيين، بمن فيهم سكان غزة والضفة الغربية زيارة الحرم.

ربما كان الخطأ الأكثر غرابة في تقدير الخليج للأمور عندما ذكر وزير التجارة البحريني أن بلاده لن تفرق بين واردات تم إنتاجها في إسرائيل، أو من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة ومرتفعات الجولان. لقد كانت زلة كبيرة دفعت بالمنامة إلى التراجع عن البيان.

ليس ثم حاجة لاتهام البحرينيين بالخبث عندما يكون واضحا أن قادة الخليج لا يعرفون حقا ماذا يفعلون.

لكن النتيجة الأسوأ للتطبيع على الإطلاق، حتى الآن، تتمثل في الطريقة التي يضفي بها الشرعية على اليمين الإسرائيلي. لنأخذ على سبيل المثال العدد الهائل للصحافيين اليمينيين وجماعات المستوطنين التي تتدفق على دبي بأعداد قياسية.

وهناك أيضا الصفقات التجارية المشبوهة، كالأمير الإماراتي الذي اشترى حصة في نادي بيتار القدس، الإسرائيلي اليميني المتطرف والأكثر عنصرية، والذي اشتهر برفضه التعاقد مع لاعبين عرب. وغني عن القول إنه أمر مزعج أن يلمع التطبيع أحد أكثر القادة خداعا في التاريخ الإسرائيلي. فمهما كان رأيك في سياساتهم، إلا أن نتنياهو يبقى مختلفا عن إسحاق رابين أو مناحم بيجن، اللذين كان يتسمون بالنزاهة على أقل تقدير.

إنني مع “التطبيع” تماما، إذا كان يعني بناء دولتين مستقلتين تعيشان في سلام بين نهر الأردن والبحر المتوسط، بنفس روح مبادرة السلام العربية التي دعا إليها الأمير السعودي تركي الفيصل.

وفي الوقت نفسه، يحتاج الفلسطينيون إلى أن يدركوا مدى الإخفاق الذي حققته رسالتهم في “استيطان” قلوب الخليجيين، خاصة نخبهم الحاكمة، منذ ما قبل الربيع العربي.

ومن ثم، يتحتم على الفلسطينيين مضاعفة جهودهم بناء تحالف لا يكرر الانقسامات الحالية التي يعاني منها الجسد العربي، ويضم الحكومات الملتزمة بالحل العادل للصراع، ويجد طريقة للترويج لقضيتهم تروق للأجيال العربية الشابة متجاوزة الجماهير الشابة في الغرب والتي تكتفي في الغالب بدور المستقبِل.

يمثل هذا أمرا جوهريا، لأنه حتى في حال تفوقت عليهم تل أبيب وأبو ظبي، فإنه لن يكون هناك سبيل للفلسطينيين للوقوف مكتوفي الأيدي وقبول مشروع “إسرائيل الكبرى”، أو “الاستسلام” في مواجهة الانتصار الإسرائيلي والخليجي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيكتور قطان – زميل أبحاث أول في كلية القانون بجامعة نونتجهام، ومستشار في “شبكة السياسات الفلسطينية، وزميل أول سابق في “معهد الشرق الأوسط” بجامعة سنغافورة الوطنية

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock