رؤى

“10 سنوات يناير”.. الأدب والثورة: جدلية العلاقة والسؤال المؤجل

ثمة علاقة إشكالية بين الأدب والثورة، وما ينبغي لها أن تكون غير ذلك، فالأدب الحقيقي يكشف الزيف ويعري القبح بعثا للرغبة في التمرد على السائد، وبحثا عن الأجمل، وهو بذلك يمضي حثيثا لاستنهاض روح الثورة والتبشير بها، في محاولات استشراف لها من بعيد، واستحضار لظروفها الموضوعية؛ لكنه في حال وقوعها؛ فكأنما قد فوجئ بها.. لذا تكون استجابته الأولية لها متلعثمة وغير ناضجة وتنطوي على قدر من التبسيط المخل.. والأدب في ذلك أشبه ما يكون بالعاشق التَّعِب الذي ينطقه الوجد بأعذب الكلام.. لكنه في حضرة المعشوق لا يناسبه سوى الصمت.. لذلك رأى أغلب النقاد أن أدب الثورة لا بد أن ينتظر وقتا حتى تكتمل الصورة، وتظهر تفاصيل الحدث.. أما تلك الاستجابات السريعة المدفوعة برغبات تتراوح بين المواكبة واقتناص سانح الفرص بالظهور تحت الأضواء المبهرة للمشهد العام- فلا يمكن تصنيفها أدبا ثوريا، والوصف الأدق لها- في حال خلصت النوايا- أنها بقية من هتاف الحناجر الثائرة يمتد بفعل التوهج الثوري والانفعال الآني محاولا تمحيص اللحظة الثورية، دون إمكانية حقيقية لتحقيق ذلك.

لذلك يرى بعض النقاد أن الأدب الثوري هو “سياق وممارسة فكرية ثقافية، تقوم على التمرد، رغبة في قلب المعادلة والتغيير في جوهر كامل المكون المجتمعي، بشروط منها أن يكون ذلك باعثا على البناء والعمل بوجهة صحيحة تفضي إلى الانتصار لقيم الحق والخير والعدل؛ توظيفا للإبداع الأدبي في سبيل الارتقاء بالذائقة الجمالية والبنى العقلية والفكرية للمجتمع، سعيا إلى إيجاد أرضية تقدم وازدهار فكري عام، يقوض الظلم ويحل العدل ويوفر الفرص حسب الكفاءات”.

في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” حاول د. طه حسين الإجابة عن العديد من الأسئلة المتعلقة بتلك الوشيجة الكائنة بين الأدب والثورة؛ فذهب إلى أن ذلك الأدب الناشئ عقيب نشوب الثورة -يقصد ثورة يوليو1952- ليس من الأدب في شيء “فليس من فقه الحياة في شيء أن ينجم الأدب فجأة من الأرض أو ينصبَّ فجأة من السماء” وليس من طبيعة الثورات أن تغير مسارات الأدب فجأة أو تحول الفن عن طبيعته، وإن حدث ذلك فلا يكون إلا تكلفا؛ لأنه من المفترض أن تكون استجابة الأدب للتفاعلات الحياتية استجابة فطرية تحدث دون كبير عناء.

مستقبل الثقافة في مصر

ويذهب عميد الأدب العربي إلى أن الأدب يمهد الطريق للثورة، وهو بذلك سابق عليها غير مواكب لها، لأن فعله الأهم هو رسم صورة للمأمول تنطبع في النفوس فتنشدها في الفعل الثوري الذي تراكمه تلك الصور الأدبية على المدى الطويل.

ويضرب د. طه حسين المثل على تهافت المواكبة بشعراء الجاهلية الذين اعتنقوا الإسلام. من حاول منهم قول الشعر ومن آثر الصمت حتى الممات؛ فذهب إلى أن الإسلام كان بمثابة ثورة مزلزلة لم يستطع استيعابها الشعراء الذين أصروا على الاستمرار في اجتراح القصيد، فجاء شعرهم ضعيفا مفككا لا يحمل قوة وجزالة شعرهم في الجاهلية مثل “حسان بن ثابت” وغيره.. حتى أن نسبتهم للعصر الجاهلي انتفت، ولم تصح نسبتهم للعصر الإسلامي.. فكانت تسميتهم بالمخضرمين بمثابة عنوان على فقدان الهوية.. في حين أن شاعرا بحجم “لبيد بن معمر” أعلن موقفه صراحة أنه اكتفى بما قال في الجاهلية.. وقد زادنا احتراما لموقف “لبيد” تلك المحاولة غير الموقفة للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي للكتابة عن ثورة يناير؛ فجاءة قصيدته “طلل الوقت” مأزومة ومنبتة الصلة عن الروح المصرية.. فكأنما هي قيلت لتشعل جذوة يأس تحرق ولا تضيء!. أما عن العصر الإسلامي أو الثورة الإسلامية كما يسميها عميد الأدب العربي؛ فقد أنتجت بعد ذلك شعراءها الفطاحل دون حاجة إلى كل هذا الجهد في مناوئة طبائع الأشياء.

وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للشعر- في رأي د طه حسين- وهو الأكثر استجابة لتفاعلات المشهد الثوري؛ فإن الرواية أبعد الأجناس الأدبية عن التماهي مع ذك المشهد.. لأنه من المفترض أنها أثمرته على نحو ما؛ فليس لها أن ترصده بل عليها تأمله بصبر وتؤديه؛ إذ أنها تراه في أثره العميق لا في جراحه السطحية.

لذلك يرى الروائي الراحل عبد الوهاب الأسواني “أن الرواية لا تستطيع أن تعبر عن الحدث أو أن تغير اتجاهاتها بالسرعة نفسها لأشكال أدبية أخرى كالشعر والقصة القصيرة والمسرحية ذات الفصل الواحد، ويحدث التغيير بعد فترة زمنية طويلة، مضيفا أن الرواية لا ترصد الأحداث في ذاتها، ولكن تحللها وتحاول أن ترجعها إلى أصولها الأولى والأسباب الأساسية التي نتجت عنها هذه الثورة”.

عبد الوهاب الأسواني
عبد الوهاب الأسواني

وتتفق مع هذا الرأي الروائية “سلوى بكر” التي تذهب إلى أن الرواية يجب أن تكون ذات استجابة بطيئة وغير مباشرة فيما يتعلق بالأحداث الكبرى كالثورات؛ لأنها لا تتعلق بالإبانة الشعورية عن مكنون الحدث بقدر انشغالها بالتأسيس لـ “قيم ثقافة جديدة ستولد مع هذه الثورة، تتعلق بالضمير والإحساس بالمحيط الذي نعيش فيه، وسنجد تراجعا كبيرا لكتابات الذات والجسد التي كان يروج لها بفعل فاعل، وأرى أننا في حاجة كبيرة إلى إعادة ترتيب أوراقنا وأفكارنا لنكتب الصورة الحقيقية للثورة، والأثر العميق الذي تركته بداخل كل منا”.

سلوى بكر
سلوى بكر

أما الشاعر والناقد د. حسن طلب الذي واجه نظام مبارك بكل شجاعة، وكتب دون وجل مشرحا صور الاستبداد وأساليبه ومساوئه ومآلاته في عدد من القصائد نذكر منها قصيدة “مبروك مبارك” التي فضح فيها ممارسات النظام في انتخابات الرئاسة الهزلية في 2005، فيقول: “إن الأدب رفيع المستوى لا يكون أبدا انعكاسا للأحداث السياسية، فالأحداث تظهر، والثورات تقوم، والتغيرات تحدث، وتأتي بعض الكتابات لتعبر عن هذه الأشياء، وهذا النوع من الأدب الذي يكتب في ذيل الأحداث السياسية، عادة لا يعتبر الوجه المشرق للأدب، لذا فمن وجهة نظري أن الأدب يستطيع أن يثور في ذاته حتى لو لم تقم ثورة… فالأدب الرفيع هو الذي يثور ويهيئ للثورة ويمهد لها”. ويضيف فيلسوف الشعراء “أنه إذا نظرنا للأحداث الكبرى وما كتب قبلها وما بعدها، مثل النكسة وحرب أكتوبر، فلا يمكن تقييم الكتابة عنها في الفترة اللاحقة لها دون النظر لأهمية الأدب الذي كتب قبلها، في تلك الفترة كانت هناك أصوات في الشعر والرواية تتحدث عن الحريات والانتصار، مثل قصائد أمل دنقل”.

د.حسن طلب
د.حسن طلب

لكننا سنجد عددا لا بأس به من الأدباء الكبار قد خالفوا هذا الرأي القائل بالتمهل في الكتابة الأدبية عن الثورة، وترك ذلك للرصد التاريخي أو اليوميات أو ما شابه، وهذا ما فعله كثيرون من الشباب المشاركين في الثورة، ربما على سبيل التوثيق، دون أن يكونوا من وثيقي الصلة بالأدب قبل الثورة- إلا أننا نجد الروائي الراحل “مكاوي سعيد” المعروف بعمدة وسط البلد يقدم على تسجيل مشاركته في الثورة في تجربة أدبية بديعة بعنوان “كراسة التحرير.. حكايات وأمكنة”.. وقد رد على تساؤل البعض: لم العجلة؟ قائلا: “من حق المبدعين والمبدعات الذين كانوا في قلب مشاهد الثورة أن يعبروا عما رأوه أو أحسوه أو حلموا به، كما أن من حق الذين أطلوا على المشهد من بعيد أن يقدموا تصورهم له وباختصار، فليس هناك سبيل وحيد للتعبير عن هذه التجربة الكبيرة».

ويتفق الأديب إبراهيم عبد المجيد مع “مكاوي” فيذهب إلى أن الأدب يجب أن يستفيد مما تتيحه الثورات من مساحات أوسع لحرية التعبير تحث المبدع على الجرأة وتغريه بالتمرد.. إذن فلا حاجة ملحة للتريث الذي ربما يصادف تغيرا في مسار الثورة لا يسمح بما كان مسموحا به في المشهد الأول. يذكر أن “عبد المجيد” قد كتب عدة أعمال ذات صلة بالحدث الثوري هي رواية “هنا القاهرة” و رواية ” قطط العام الفائت” وهي تقترب كثيرا من الفانتازيا.. بالإضافة إلى كتاب “لكل أرض ميلاد: أيام التحرير” وهو عبارة عن سيرة ذاتية عن معايشته لأحداث الثورة.

إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد

أما القاص “إبراهيم أصلان” الذي رحل بعد الثورة بعام فقد حذا نفس الحذو، وصدر له كتاب بعنوان “انطباعات صغيرة حول حادث كبير”. وللدكتور عز الدين فشير روايتان هما “باب الخروج” و “كل هذا الهراء” تنبأ فيهما ببعض الأحداث اللاحقة مثل اختطاف الثورة ومحاولات الثورة المضادة الالتفاف عليها وإجهاضها ورواية “أجندة سيد الأهل” لأحمد صبري أبو الفتوح، و”جمهورية كأن” للأسواني وتعتبر من أضعف ما كتب.. بالإضافة إلى رواية “سقوط الصمت” لعمار على حسن.. وتتناول صعود وسقوط الإخوان خلال أحداث الثورة.

إبراهيم أصلان
إبراهيم أصلان

كما أتاحت التجربة الثورية للعديد من الأدباء الشباب إصدار العديد من الروايات التي تراوحت قيمتها الأدبية نذكر منها: شمس منتصف ليل لأسماء الطناني 2011، وسيجارة سابعة لدينا كمال 2012، وجمهورية القرد الأحمر لياسر أحمد 2014، وبعد الحفلة ليحيى الجمال2016، وقريبًا من البهجة لأحمد سمير2017، وأحاديث الجن والسطل لمحمد الجمال 2018، ظل التفاحة لمحمد إبراهيم قنديل 2018، وغيرها من الروايات التي تراوحت رؤيتها بين “اليوتوبيا” التي رأت في الفعل الثوري بارقة أمل لغد أفضل، و”الديستوبيا” التي تتنبأ بواقع كابوسي يحيل الأمور إلى وضع أسوأ آلاف المرات عما كان قبل اندلاع الثورة.

يبدو أنه من العسير الحكم على مسارات الأدب وتجلياته فيما يتعلق بالثورة كحدث اجتماعي وسياسي وثقافي بالغ القوة عميق التأثير.. لكن يبدو أنه من الأهمية بمكان ملاحقة ذلك الوهج بما هو متاح من الأدوات قبل أن يخبو إلى الأبد أو ينفجر بنور مبهر لا نستطيع إبصاره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: