رؤى

ما الذي تقوله البلكونات عنا؟

ليس للبلكونات شكل واحد ولا حجم واحد ولا تطل على مشاهد واحدة ولا يستعملها الناس في أغراض واحدة. تميل البلكونات في معظم البلدان الأوروبية مثلاً لأن تكون صغيرة لكنها جميلة ومرتبة. أسوارها على الأغلب مصنوعة من الحديد المنقوش وتعلق عليها غالباً أحواض جميلة من الزهور. وعادةً ما يكتفى بوضع مقعد أو اثنين فيها مع طاولة صغيرة إذا كانت مساحتها تسمح. أما في كثير من البلدان العربية والأفريقية والآسيوية فللبلكونات شكل آخر. بعضها كبير تفوق مساحته البلكونات في الدول الأوروبية إلا أن جمالها في الغالب متواضع حيث تُخزن فيها أوان، وتوضع فيها مناشر الغسيل، وترفع على حيطانها أشراش الثوم والبصل، ويخرج منها مزاريب تقذف مياه التنظيف على السيارات وأحيانًا على رؤوس الناس. ولو أطل المرء منا على بعض البلكونات لأصيب بالخجل. أحياناً يقف فيها شاب نصفه الأعلى عاري بلا خجل أو استحياء. وقد تجرح فعلته بنات الجيران وقد ينبسطن، اعتمادا بالطبع على النوايا وعلى طريقتهن بالمثل في استعمال البلكونة. وأحيانًا أخرى يخرج إليها رجال وقد تخففوا من ملابسهم المنزلية في مشهد عابث لا تعرف هل تضحك عليهم أم تغضب منهم وهم بملابسهم الداخلية على مرأى من العيون. وفي بعض البلكونات تجري أيضًا حفلات تسبب أصواتها العالية إزعاجًا شديدًا للجيران. كما يطبخ بعض الناس في بلكوناتهم فتطير الروائح لتقتحم منازل وأنوف الجيران.

بلكونات

والبلكونة وإن كانت جزءًا من البيت الذي نملكه إلا أنها ليست داخل جدرانه وإنما تقع خارجه. هي من جهة امتداد الداخل نحو الخارج. وهي من جهة أخرى منفذ يعبر منه كل ما في الخارج إلى الداخل. كما تتيح للداخل الاتصال بالخارج ليرى النور والحركة ويتفادى الشعور بالملل من الحبسة بين أربع جدران، فإنها تفتح الطريق لكل ما في الخارج ليتسلل إلى البيوت من أتربة وأصوات وأحيانًا مشكلات. البلكونة هي المال الخاص الذي نتركه عالقًا في الفضاء العام، ولذا تسمى في بعض البلدان بالمخارج. هي ملك خاص نتركه عندما نخلد للنوم في أسرتنا معلقًا الفضاء العام. هي نقطة التماس بين الملك الخاص والمجال العام أو السكن الشخصي والشارع. هي نقطة تقاطع الفرد بالجماعة أو الجزء بالكل أو المواطن بالوطن. في البلكونات يمكن أن نختبر وعي الفرد بقواعد النظام العام. ومن خلالها نستطيع أن نعرف مدى استعداد النظام العام للتدخل في حياة الناس أو ترك مساحة معتبرة لخصوصياتهم. البلكونة هي أبعد مدى جغرافي في زمام ملكيتنا الخاصة يمكن للفرد أن يمارس فيه خصوصيته. لكنها ملكية تلتصق مباشرة بالحيز العام ولهذا لا تكون الخصوصية فيها كاملة مثلما هو الحال في غرف الطعام أو النوم.

   وبعيدًا عن الجوانب الهندسية برغم أهميتها، يركز هذا التحليل على ثلاثة جوانب للبلكونات. يتعلق الأول بإبيستمولوجيا البلكونات إذا جاز التعبير أو بالجوانب المعرفية والتعريفية للبلكونة، واختصارًا ما يتعلق بالوعي، سواء فردي أو جماعي، بالبلكونات. ويتصل الجانب الثاني بالعلاقة بين الحكومات والبلكونات. فمثلما ينتظر من الحكومات أن تنظم حالة الطرقات ينتظر منها بالمثل أن تنظم حالة البلكونات. ويرتبط الجانب الثالث بالأبعاد الأخلاقية أو المعيارية للبلكونات وهل هي أماكن لممارسة الأخلاق الخاصة أم للالتزام بالآداب العامة. وليست هناك إجابات نمطية موحدة حول العالم عن هذه الأبعاد الثلاثة لأن لكل مجتمع فهمه وعاداته وطرق بنائه، ولكل حكومة سياساتها وفلسفتها عن علاقة العام بالخاص.

بلكونات

   تبدو البلكونة في الإبيستمولوجيا المصرية مثلًا مزيجًا بين اعتبارها مهربًا ينبغي أن يبقى مفتوحًا واعتبارها مغنمًا يتعين احتكاره. فالبلكونة من جهة مهربًا من حر المنزل في الصيف ووسيلة لتنسم الهواء. ولذا يجب أن تبقى مفتوحة. لكنها من ناحية أخرى فرصة لا يجب إهدارها بتركها نهبًا للمجال العام. وهو أمر تعرفه بالذات الأسر كبيرة الحجم التي تقوم بإغلاق البلكونات وتحويلها إلى حجرة إضافية لتعظيم مساحة الخاص وإلغاء تام للعام. وقد شهد إبستيمولوجيا البلكونة المصرية في السنوات القليلة الأخيرة درجة واضحة من الإنكار لكونها حيز خاص واقع في قلب نطاق عام، حيث راح الناس يتصرفون فيها وكأنهم في غرف نومهم. ولا يبدو الأمر غريبًا لأنه لا يتناقض مع ما يقوم به الناس بشكل يومي متكرر من انتهاك للحيز العام في الشوارع والمدارس والجامعات وغيرها عندما راح الخاص يعتدي على العام، من سرقة المال العام إلى الاستيلاء على  أمتار من نهر الطريق العام بالقوة لتحويلها إلى موقف خاصة للسيارات إلى استعمال المرافق العامة وكأنها أملاك خاصة.

وبالنسبة للعلاقة بين الحكومات والبلكونات فتعكسه السياسات العامة المفترض أن تكون ضابطة للبلكونات مثلها مثل كل الإنشاءات. ولا يبدو أن السياسات العامة تهتم بما فيه الكفاية بحالة البلكونات ولا بما تعنيه كنقطة التقاء حيوية بين المجالين الخاص والعام بدليل حالة التشوه الظاهرة على البلكونات والتي يراها الناس بأنفسهم. السياسات العامة للبلكونات جزء من السياسات العامة للعمارات لا تهتم بها إلا لو كان من ورائها منفعة للخزانة العامة أو مصلحة شخصية يجنيها من وضعت سلطة إنفاذ القانون في يده. فالملاحظ مثلًا عدم وجود اشتراطات للألوان أو عقوبات ليس فيها تصالح ضد من يغلق هذا المنفذ الخاص المفتوح على المجال العام. كما تعتبر البلكونات بصفتها من المخارج مؤشرًا مساعدًا على تقدير قيمة الضريبة التي يتعين على الوحدة أن تسددها ولا ينظر إليها على أنها ساحة تفاعل هامة تحتاج إلى ضوابط حتى تصل بين الحيز الخاص والحيز العام بشكل سليم. ناهيك عن أن بعض منفذي السياسة العامة في بعض المحليات لا ينظرون إلى البلكونات إلا لو وجدوا لأنفسهم فيها مصلحة مثل تحصيل مبلغ في الخفاء من مخالف نظير السكوت عنه بدلًا من تحرير مخالفة له. وبدلاً من أن تكون البلكونات ساحة لتدريب المواطنين على التعايش السلمي بين الخاص والعام باتت بفضل السياسات العامة سواء الغائبة أو الفاسدة ساحة لتدريب المواطنين على التسيب والانفلات وشراء ذمم بعض من الموظفين العموميين.

بلكونات

أما عن الجوانب الأخلاقية فحدث ولا حرج. فليس ثمة إجماع على ما يعتبر تصرفًا أمثل أو حدًا أدنى مشتركًا من السلوكيات بين الناس في بلكوناتهم. وتتعقد المسألة أكثر لأن الناس لا يتفقون على معنى واحد لما هي الاختيارات والواجبات والحتميات الأخلاقية. فالحتميات قواعد لا مفر من اتباعها أو هكذا يجب أن تكون. أما الواجبات فهي ما يستحسن عمله برغم أنها قد لا تكون ملزمة. والاختيارات مسائل نسبية يفعلها البعض ويتجاهلها البعض الآخر. والواضح أن فوضى الأخلاق أصابت البلكونات مثلما أصابت غيرها في الصميم. فعدم اقتراب الناس من بلكوناتهم مثلًا بالملابس الداخلية تبدو أقرب إلى الحتمية الأخلاقية إلا أنها تحولت إلى مسألة اختيارات. شأنها شأن عدم ازعاج الجيران، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

البلكونة تصلح لكي تكون مسطرة من مساطر قياس أخلاق المجتمع، إذ تكشف من خلال سلوكياتنا مستوى وعينا بالعلاقة بين الخاص والعام. كما أنها تبين ما قد تقع فيه السياسات العامة من تراخ وتوضح ما قد يعانيه مجتمعًا بأكمله من اضطراب في تنظيم العلاقة بين خاص من حقه أن يعيش براحته وعام من حقه أيضًا ألا يتأذى من انتهاكات واعتداءات الخاص على زمامه

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock