فن

فاروق الشرنوبي… أغنية الصدق على أوتار الوطن

عبر نصف قرن من الغناء تحولت الأوتار إلى طلقات فى وجه القبح والتردى وصارت النغمات بين يديه طوفان من المشاعر الملتهبة والانحياز الكامل للناس والحلم الدائم بوطن أجمل .

يقف فاروق الشرنوبي منذ أكثر من نصف قرن على ناصية الحلم يغنى يحمل عوده ويبشر بالفجر والخلاص يؤذن لصلاة فى رحاب الوجد المقدس ويلهب الروح بطلقات من التمرد ضد الظلم بكل معنيه وأشكاله

يعتصر قلبه لينزف نغما لا ينتهى كموج البحر … لا يتوقف عن الذوبان فى دروب الهوى الصوفى لكل ما هو من الناس وعنهم.

يبكى أوجاعنا بدموع لا تعرف الهزيمة بل تلمع لتضئ دروبنا المتعثرة ومحطات حياتنا المرتبكة.

يحتضن رائحة البحر وعبق الصيادين وصوت المراكب وجلسات الرفاق وأغنيات الصنايعية فى كل زاوية من زوايا المدينة كل ذلك سكن وجدانه فانطلق صوته مبكرا يغنى ” الأرض بنت الربيع .. والأرض بنت الشعاع ” .

احتفال بتكريم فاروق الشرنوبي في عيد ميلاده السبعين

جيل تمرد وغناء آخر

فى بداية ثمانينيات القرن العشرن كان الغناء والموسيقى فى مرحلة مخاض جديدة بعد أن تراجعت أنماط موسيقية ظلت متصدرة المشهد لعقود طويلة وكان على موعد مع جيل مختلف يحمل كثير من التمرد وكثير من الإصرار على التعبير عن نفسه فخرجت أغنيات بديلة تسبح ضد تيار الأغنية المستقر والسائد .

فى تلك المرحلة كان “فاروق ” يجوب شوراع الثغر يغنى للناس ويغنى معهم يعزف على أوجاعهم ويحلم معهم بشمس تمنح النور والدفء .

كانت الحالة التى تسمى “فاروق الشرنوبى ” تنمو يوما بعد يوم فى أروقة الإسكندرية يتشكل وعية المنحاز للبسطاء ووجدانه المصطف فى صفوف الفن – الدور – ذلك النوع من الفن الذى لا يتوقف عند حدود تقديم المتعة و صناعة السعادة لكنه يمتد ليكون جزء من منشور سياسيى يحلم بالتغيير ويناضل من أجله

فى مدرجات الجامعة ومسارح الثقافة الجماهيرية وحزب التجمع والنقابات المهنية والعمالية وجلسات المثقفين خرج صوت “فاروق ” إلى مصر ليعلن مولد موسيقار استثنائى بين أبناء جيله يتجلى الاختلاف فى تجاوز حدود الفن للفن إلى براح الفن للحياة والموسيقى للناس والأغنية للتبشير يالأجمل .

نشأة سكندرية

فى الرابع من فبراير عام 1951 وفى حى الأنفوشى ببحرى وقريبا جدا من الكورنيش رزق الأب بطفله الثانى بين أبناءه الأربعة وكان الأب الذى يهوى الخط العربى والرسم قد قرر أن يطلق اسم “فاروق ” على المولود القادم بعد أن منحة الملك فاروق فى عام 1950 خلال زيارته لرأس التين مكافئة مالية لم يحلم بها قيمتها 500 بعد أن أعجب الملك بتصميم أقواس النصر التى شيدت لإستقباله.

لكن الأب رحل والصبى لم يتجاوز عامه الثامن ويورثه عشق للرسم والخط العربي.

التحق “فاروق ” بالمعهد الفنى للقوات المسلحة بالقاهرة وكان دافعة فى ذلك الاختيار السعى نحو القاهرة حيث مزيد من التحقق الفنى لكنه يكتشف عدم إمكانية الجمع بين الفن والعمل فى القوات المسلحة فيقرر الاستقالة بلا تردد ويقفز إلى المجهول.

وأدى ذلك لمعاناة مادية مستمرة لكن إيمانه القوى بدور الفن كرسالة إنسانية ووطنية وثقته الشديدة فى موهبته جعله سعيدا دوما باختياره منحازا دوما لكل ما هو حقيقى وجاد باختصار كل ما هو للناس.

قدم فاروق عدد كبير من التجارب المسرحية عبر قصور الثقافة بالإسكندرية كما أنه قام بالإشراف على كورال كلية الحقوق لسنوات من عقد الثمانينيات.

نفسي … والانطلاقة الكبيرة

كان كل من “إيمان البحر درويش ” والشاعر “عماد حسن ” نقطة مهمة فى مشوار” فاروق ” الذى لم يكن يتصور ولا يسعى أن يغنى له مطرب فقد كان يرى أن مشروعه الفنى – النضالى – يستطيع أن يقدمه منفردا مستلهما نماذج مثل مارسيل خليفة وعدلى فخرى وغيرهم من الموسيقين الذين اختاروا التعبير عن رؤاهم وأفكارهم من خلال الموسيقى لكن عماد حسن وإيمان البحر قدما مع فاروق فى عام 1987 ألبومًا غنائيًا حقق نجاحًا كبيرًا ووضع إيمان فى مصاف نجوم الغناء كما لفت الإنتباه بقوة لملحن يمتلك لغة موسيقية مختلفة تماما تسيطر عليها روح درامية غير سائدة فى الأغنية المصرية حينذاك والمعروف أن أغنيات “نفسى وقول يا قلم كان فاورق قد قدمهما خلال أعمال مسرحية أثناء فترة نشاطه فى قصور الثقافة وتواصل التعاون بين “فاروق ” و”إيمان ” الذى جمعتهما صداقة قديمة يأتى ألبوم “طير فى السما ” ليكتمل الانتشار ويزداد النجاح وبعد عدة أعمال توقف التعاون الفني فيما بينهما.

ثم جاء أول تعاون بين الشرنوبى وبين “على الحجار” مع كلمات “جمال بخيت” حين قدموا واحدة من أهم أغنيات الحجار “أنا كنت عيدك ” ضمن ألبوم يحمل نفس الاسم حقق نجاحا ساحقا فى تلك المرحلة ويعتبر لحن أغنية “انا كنت عيدك ” نقطة تحول فى الغناء المصري.

ويمثل “الحجار ” أكثر المطربين الذين التقى معهم فاروق ربما يعود ذلك إلى أن صوت ” على ” يحمل طبقات متعددة تسمح للملحن أن يصنع دراما متعددة الأصوات فى اللحن الواحد وهذا ما يبحث عنه “فاروق ” دوما نظرا لتأثره الكبير بالعمل لسنوات طويلة بالمسرح.

فقد نتج عن ذلك التعاون مع الحجار عدد كبير من الأعمال العظيمة من بينها ألبوم “تجيش نعيش ” الذى كتبه سيد حجاب وألبوم “لم الشمل ” الذى كتبه جمال بخيت الذى تضمن عدد من أهم الأغنيات مثل “فلسطينى ” و”متغربناش ” ويا طالع الشجرة ” وغيرها كما تعاونا فى أغنيات عديدة منها “ضكة المساجين ” من كلمات الأبنودى وعدد كبير من الأغنيات التى تضمنتها ألبومات الحجار

و سعى عدد كبير من مطربين هذا الجيل إلى تقديم أعمال بنفس المستوى وذات التقنية مع الشرنوبى وقد قدم لمحمد فؤاد أغنية ” على عينى ” وقدم عدد من أغنيات مدحت صالح من بينها المليونيرات ووياكى كل المواعيد وح أتكلم وبأحلم على قدى ورسمت قلبى بألف جناح وغيرها.

كما قدم للفنان محمد الحلو أغنيات القلب حب وتاه –ولا كنت يوم بانكسر – والله وحبيت – كما غني له عمرو دياب فى بداية مشواره أغنية “إلا معاك ” وقدمت له “سميرة سعيد ” أغنية “هو انت لازم تنجرح ” وغيرهم الكثير من نجوم الغناء فى هذا الجيل .

الشرنوبى والدراما

تمثل الموسيقى الدرامية العشق الدائم للشرنوبى فهو ابن بار لخالد الذكر سيد درويش حيث يستهويه دائما ذلك النوع من الموسيقى لما يتيحه من قدرة على التعبير عن الأفكار بالألحان وقد عرف المنشغلون اسم فاروق من بواية ما قدمه للمسرح فى قصور الثقافة وذلك ما دفع المخرج محمد فاضل والمؤلف أسامة أنور عكاشة للبحث عنه فى شوارع الإسكندرية أثناء التحضير لمسلسل “أنا وانت وبابا فى المشمش” عام 1989 حتى عثروا عليه وقدم واحدة من أندر التجارب فى الدراما التلفزيونية حين يتحول الحوار بين الأبطال إلى حوار غنائى وهذا لم يكن معروفا فى المسلسلات التلفزيونية.

وقدم بعد ذلك عدد كبير من الموسيقى لمسلسلات بدأت مع “لؤلؤ وأصداف ” عام 1989 مرورا بمسلسلات ” النوة ” و”ومازال النيل يجري ” و ” أوراق مصرية ” و”افتح قلبك ” وغيرها.

كما قدم للسينما عدد من الأعمال منها ” طير فى السما ” و”زمن الممنوع ” و” إسكندرية نيويورك ” وكان له تجارب عديدة فى المسرح من بينها “الساحرة ” و”المهر ” وحزمنى يا “

نصف قرن تقريبا ومازال “الشرنوبى ” يعزف أغنيته للوطن وللناس الذين انحاز لهم لم يحد يوما عن هذا الاختيار ويبيع فنه أو يخذل من وثقوا فى فنه .. لم يتاجر بالعود الذى أهداه له الراحل العظيم “الشيخ إمام ” فى لفته للتعبير عن ثقته وإيمانه بموهبته ودوره المؤثر فى الأغنية الملتزمة .

الصدق فى مواجة الزيف

مر الشرنوبى بمراحل عديدة فى مشواره الفنى الغنى بالإنجاز المتميز لكن شعورا قاسيا ينتابه خاصة فى الأفلية الجديدة بأن الفن الجيد الصادق الذى يمثل هو أحد رموزه المعاصرين صار بلا جمهور ولا رواد وأن سوق الأغنية الذى نجح فى تسليع الموسيقى وحولها من قيمة إلى مجرد شيء فى خلفية حياتنا وأن الذين تصدروا المشهد الفنى مؤخرا ليسوا الأفضل كما أن مرارة فى حلق الشرنوبى جعلته يبتعد عن تلك الساحة التى يراها قد تشوهت ودفعته بعض الأحيان إلى الإنزواء لدرجة الاكتئاب الفنى الكامل

وكأن قدر الصادقين دوما هذا المصير من الاغتراب … فكر كثيرا فى السفر خارج مصر حيث مناخ فنى أقل تلوثا … لكنه لم يستطع ولن يستطع فعل هذا أبدا لأنه ببساطة بينه وبين الوطن حبل سرى مايزال قائما وسيبقى رابطا بينه وبين الناس الذين ناضل من أجلهم بالموسيقى وبالموقف

فى عيده السبعين نَشد على يديه ونَعزف معه لحنه الذى عاش من أجله ونحتفظ بصورة ريشة أوتاره التى تحرك وجداننا مع كل “ضربة ” عود وكل نغمة جديدة

نتمسك معه بالحلم والأمل ….

الحلم فى وطن أجمل والأمل فى مناخ أفضل … قُبلة على جبينك يا عمنا الجميل الصادق …

ونظل ننحنى أمام ما قدمه ويقدمه من فن استثنائى سيبقى يضيء عقول الناس ينبض فى قلوبهم … لأنه الصدق فى زمن الزيف والحقيقى رغم حصار الادعاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock