رؤى

25 يناير 2011.. إجابات واضحة على تساؤلات غامضة (1) ماهي الثورة؟

“من الصعب على واحد من جيلي أن يخرج عما تعلمه وعاشه ومارسه من سياسة وثقافة وفكر خلال سنوات طوال من عمره ، فجيلنا ، وهنا لا أُعمِّم  ، يعرف أن الثورة في مفهومها العام هي ” إحداث التغيير الشامل في المجتمع ، ونقله من حالة اجتماعية وسياسية مُتخلفة ومُتردية ، إلى أوضاع أفضل وأحدث ، ويكون الهدف من ذلك كله ، هو إسعاد الغالبية الساحقة من الشعب ، بتوفير العمل والصحة والثقافة والتعليم والرعاية الاجتماعية وسبل التعبير الحر في الفكر والمذهب والدين والمُعتقد للجميع دون تمييز أو إقصاء …. الثورة باختصار هي التغيير إلى الأفضل في كل المجالات وبمشاركة كل الطبقات صاحبة المصلحة في التغيير”

ذلك هو المفهوم العام للثورة ، غير أن الوسائل تختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى غيره ، وقد تختلف تلك الوسيلة في مجتمع ما باختلاف الظرف والمرحلة التاريخية التي يقع فيها الفعل الثوري أو العمل الثوري ، فثمة ثورات شعبية شاملة ، مثل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، والثورة الروسية / البولشفية بقيادة فلاديمير لينين عام ١٩١٧ ، والثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخوميني عام ١٩٧٩ وهكذا.

وثمة ثورات تكون وسيلتها الحرب الوطنية مثل الثورة الأمريكية عام ١٧٧٣/ ١٧٨٥ضد الاحتلال البريطاني والثورة الصينية بقيادة ما وتسي تونج من عام ١٩٢١ عام تأسيس الحزب الشيوعي الصيني حتى عام انتصار الثورة في أكتوبر عام ١٩٤٩ ، كذلك الثورة التحررية في كل من الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي بين أعوام  ١٩٦٢/١٩٥٤ وثورة جنوب اليمن المحتل ضد الاحتلال البريطاني بين أعوام  ١٩٦٢/ ١٩٦٧ والثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وتشي جيفارا بين أعوام ١٩٥٣/ ١٩٥٩ضد الديكتاتور  ” لفولجنسيو باتيستا ” والمدعوم عسكريا وسياسيا من الولايات المتحدة …

نأتي إلى النوع الأخير من الثورات من حيث الوسيلة ، وهو هذا النوع من الثورات التي تقوم بها طلائع من القوات المسلحة ، تجعل من الجيش وسيلتها الوحيدة للتغيير ، ثم جّلبْ التأييد الشعبي لمطالبها وبرامجها ، وهنا تأتي ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ نموذجا ومثالا كاملا ، يمكن القياس عليه ، لثورات وحركات تحرر وطني  أخذت بذلك النمط من التغيير الثوري ، وفي ضوء ذلك يمكن إدراج العشرات من الانقلابات العسكرية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللآتينية تأثرت بالنموذج المصري للعمل الثوري ، وكان الاحتضان الجماهيري والتأييد الشعبي هو الغطاء الوحيد لتحولها من انقلاب عسكري يقوم به حفنة من المُغامرين إلى عمل ثوري وتحرري وتقدمي …

هنا يأتي السؤال : ماهو التصنيف العلمي لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ، وفي أي موقع تأخذه ضمن هذا التحديد والتصنيف السابق  ؟؟

على الفور يمكن القول بأنها من ذلك الصنف الأول من الثورات ، أي الثورات الشعبية والجماهيرية الكاسحة …

ولكن هل هي مثل الثورة الفرنسية أو الروسية أو حتى الإيرانية؟؟

ما حدث في ٢٥ يناير ٢٠١١ يوصف من أجهزة إعلام وساسة تعددت اتجاهاتهم بأنها ثورة مُكتملة الأركان واضحة الهدف ، فيما يرى البعض أنها انتفاضة شعبية على حُكم ترهلت مؤسساته وغابت أهدافه وفقد شرعيته بفقدان شعبيته ، بينما يجد قطاع كبير من الناس ، أن ما حدث هو مؤامرة غربية هدفها تدمير مصر والقضاء على مكونات الدولة المركزية الأولى  في المنطقة باستخدام مجموعة من العملاء وما في حكمهم لتنفيذ تلك الغاية الدنيئة !!

غير أنني أرىّ ، وهذا اجتهاد خاص ، أن ثمة رؤية قد تكون مُغايرة عما سبق ، فما أراه ” أن ما حدث في يناير من عام ٢٠١١ هو ثورة شعبية بحق ” …

لكن يبقى السؤال هل هي ثورة مُكتملة بجد؟؟ …

ذلك ما أريد إيضاحه بقليل من التفصيل ، فالثورة في التصنيف العلمي تأخذ ثلاث صور ، ثورة شعبية كما الثورة الفرنسية  ١٧٨٩على سبيل المثال ، والثورة في إطار حركة للتحرر الوطني مثل الثورة الجزائرية ١٩٦٢/١٩٥٤  أو الثورة بواسطة طليعة من القوات المسلحة ، أخذت شرعيتها من تأييد شعبي جارف ، وتأتي هنا ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ في مصر نموذجا يمكن القياس عليه …

في ضوء ذلك يمكن وضع ثورة يناير ضمن الفئة الأولى أو التصنيف الأول ، إلاّ أن الثورة أي ثورة لا تقوم إلاّ إذا توافر لها أربعة مقومات ، أولها : قهر اجتماعي واقتصادي لغالبية طبقات الشعب وتهميش سياسي لقواه السياسية الفاعلة ، أما العامل الثاني ، فيتعلق بوجود طليعة ثورية تتحمل مسؤولية وعبء هذا التغيير الثوري ، أي وجود قيادة موجهة ومحركة ، ثم يأتي العامل الثالث ويتعلق بتوافر البرنامج الثوري للتغيير ، وبعد ذلك يأتي العامل الحاسم وهو التأييد الشعبي لمٍا جّرّىّ من أحداث وما تجسد من وقائع … ..

إذا طبقنا تلك المعايير على ما حدث في يناير ٢٠١١ ، نجد أن القهر الاجتماعي لطبقات واسعة كان موجودا ، فضلا عن تهميش سياسي لا جدال في حدوثه ، ثم نقفز  إلى العامل الرابع ، وهو التأييد الشعبي لٍمّ حدث ، ذلك التطور جسدته الحشود الجماهيرية الهائلة في ميدان التحرير بقلب العاصمة المصرية وباقي الميادين في مساحات واسعة من البلاد ، وبقيت عند أهدافها ثابتة وراسخة لمدة  ثمانية عشر يوما مجيدة في حياة الشعب المصري ….

لكن ذلك الموقف المُذهل لم يكن كافيا لتشكيل ملامح الصورة الكاملة لثورة احتضنها الشعب على هذا النحو ، فثمة ثُغرة في التفكير لم يلتفت إليها الجميع في وقت وقوع الحدث وتداعياته ، عبر عنها الأستاذ ” محمد حسنين هيكل” بصورة أقرب إلى الحقيقة ، رابطا أطرافها بحداثة الوسيلة وتواضع الهدف ، قال ” ما حدث في يناير ، أشبه بوصولنا إلى القمر والوقوف على سطحه ، ثم طلبنا كيلو كباب ” !!

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل

إلى هذا الحّدْ كان المشهد العام بعد هذا الحدث الكبير في حياة الوطن والشعب ، بداية عظيمة لمعركة كبيرة ، غير أن النتائج جد متواضعة ، وضع شبيه إلى حد كبير بما حدث في حرب أكتوبر المجيدة ، إنجاز عسكري مذهل ، ونتائج سياسية بدت متواضعة في حينها عَلى نحو ما أسفر لقاء ” السادات وكيسنجر ” بالقاهرة في نوفمبر ٧٣ . غير أن الأستاذ هيكل وغيره كثير ، لم يتوقف عند السبب في تفسير إشكالية ثورة يناير !!…

السبب عندي يرجع إلى غياب البرنامج ، فضلا عن غياب القيادة ، الرأس الموحية والموجهه والقائدة  ، فالبرنامج المٌعد للتغيير غير الأهداف العامة ، كما جسدها هُتّافْ الجماهير ” عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية ” البرنامج يحدد الهدف ويرصد الوسائل ويُدقق في التكلفة السياسية والاجتماعية ، ما رددته الجماهير كافٍ لتحريك وتجسيد الرغبة في التغيير ، وليس تحقيق التغيير ذاته ، أما العامل الغائب ، أو كعب أخيل في ثورة يناير، هو الغياب الكامل للقائد الذي يقود ويوجه ، فالثورة الشعبية لا يحميها بعد التأييد الجماهيري سوى قيادة قادرة وواعية ،” فلاديمير لينين في الثورة الروسية عام ١٩١٧ كان نموذجا ، والثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ بزعامة آية الله الخوميني ” رغم الفارق الأيديولوجي  والعقائدي بين النموذجين ،كان تعبيرا ….

وهذا في حد ذاته ، أي غياب القائد ، دليل قاطع على صحة القاعدة الثورية للتغيير ، وأعني بها القيادة المسؤولة والقادرة على توجيه الجماهير وماكينات الثورة ومؤسساتها نحو أهدافها …

في ضوء ذلك يمكن القول أن ما حدث في يناير من ذلك العام ، لم يكن ثورة كاملة بالمعنى الحقيقي للثورة ، لم تكن نموذجا مُماثلا للثورة الروسية ولا الثورة الإيرانية ، كانت أقرب إلى نموذج الثورة الفرنسية ، حالة من الفّوضىّ استمرت لنحو عشر سنوات ، وذلك لغياب الهدف الذي تّلّخص في البداية في حركة عفوية غاضبة بإسقاط سجن ألباستيل الرهيب ، وسلسلة الإعدامات الدامية لأسرة ” الباربون ” الملكية الحاكمة مع إسقاط الكنيسة ، الأمر الذي أطلق العنان عند أحد قادة الثورة ، بتحديده لهدف بالغ العنف والبطش وهو قوله ” أن الثورة لن تستقر حتى يُشنق أمراء وأميرات الباربون بأمعاء آخر كاهن وقس وراهب في الكنيسة  ” ! ..

فضلا عن غياب القيادة الواعية ، وتّفجُرْ الصراع بين من تّصّدّرْ المشهد الثوري آنذاك ، وخرجت المقولة الشائعة، ” أن الثورة مثل القطط تأكل أبنائها ” !!

أما الهدف الذي تحقق عند الثورة الفرنسية فقد ضاع مع عواصف الغضب لتلك السنوات  الدموية والقاتلة ، فقد انقلب الهدف بصورة مُذهلة ، ووصل إلى حد الدراما السوداء ، بعودة ما تّبقىّ على قيد الحياة من أسرة ” الباربون ” إلى قصر الآليزيه ليعودوا فيحكمون  !!!

الثورة الفرنسية
الثورة الفرنسية

الحمد لله لم يحدث في مصر ما حدث في فرنسا منذ أكثر من مائتي عام ، لكن ما وقع في مصر أيضا يحمل بعضا من مشاهد الثورة الفرنسية ، وليس كل مشاهدها ووقائعها وأحداثها ، فليس هناك أسرة ” آل مبارك ” لتعود لتّحكُم ، فضلا عن طبيعة الشعب المصري بوصفه  مجتمعا نهريا مركزيا يّركّنْ إلى السلام النفسي والإنساني ويعشق حياة الاستقرار ، وهذا موضوع يطول شرحه ، ثم هناك عامل حاسم وقاطع في تلك الثورة ، وهو وجود الجيش المصري كمؤسسة وطنية عريقة تعرف دورها جيدا وتُدرك إنحيازاتها ، وهو ما أداه الجيش عشية تّخلي ” حسني مبارك ” عن الحكم ، باجتماع  المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكامل هيئته دون وجود رئيس الجمهورية ، وذلك يومي الأربعاء والخميس ، التاسع والعاشر من فبراير عام ٢٠١١ الأمر الذي كان بمثابة رسالة واضحة قاطعة بانحياز الجيش إلى الشعب ، حتى بدا رحيل ” مبارك ” قبل الحادي عشر من فبراير قدرا حتميا لا مفر منه ..

وقائع ما جرى بعد ذلك اليوم ، تقول  أن ما حدث في يناير من عام ٢٠١١ ، هو نموذج لـ ” الثورة المنقوصة ” الثورة غير المُكتملة ، والتي مّكنت ، جماعة الإخوان المسلمين من الانقضاض عليها ، وسرقتها من أصحابها الشرعيين ، من الشعب الذي غاب عن المشهد ولو إلى حين ، غياب عابر ومؤقت بفعل دجل سياسي وتضليل ديني ، وارتباك في الهدف والحركة عند الكثير من الشباب الثائر….)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock