رؤى

النجاشي وعدالة تمكين المستضعفين

لقد مثلت الهجرة إلى الحبشة سواء الهجرة الأولى أو الثانية منعطفا مهما و محوريًا في تاريخ الصراع بين المسلمين و قوى الشرك في مكة،لأنه بعد اشتداد الإيذاء من جانب قريش للمستضعفين من المسلمين، والتفنن في كل أنواع العذاب سواء المادي أو المعنوي، كان لأبد من فتح باب جديد للدعوة ، والخروج من هذا الحصار. من هنا أشارالنبي صلى الله عليه وسلم  للخروج إلى الحبشة، لماذا لأن فيها ملك عادل منصف لا يظلم عنده أحد. من هنا كانت الهجرة إلى الحبشة حركة إيجابية ورؤية مستقبلية و تجاوز لحالات الحصار و العذاب و انطلاقا إلى أرض جديدة ، كما أنها امتداد بالدعوة إلى خارج الحدود الضيقة و القلوب المتحجرة، فدعوة الإسلام عالمية و الداعية المسلم الحكيم هو الذي يغير موقعه ،ولا يغير هدفه. فالفرار بالدين كان من خشية الافتنان، وعدم قدرتهم على عبادة الله وحده لا شريك له بأمان و اطمئنان. وفي هذا السياق نشير إلى أن قرار الهجرة إلى الحبشة و ترك الأهل و الديار و العشيرة كان قرارا صعبا على النفس، كيف يتركوا الوطن الذي تربوا فيه و نشئوا عليه، كيف يتركوا الأهل و الأصحاب و الجيران.كان هذا القرار يحتاج إلى نفوس تقية مؤمنة بقضيتها،مؤمنة بمبادئها. وتتجلى رؤية رسول الله المستقبلية إلى الهجرة للحبشة و حسن ظنه في ملكها النجاشي بأنه رجل عادل لا يظلم عنده أحد لماذا؟ لأنه من أهل الكتاب النصارى الذين هم أقرب مودة و رحمة إلى المؤمنين، هم أهل كتاب سماوي يعرفون الله و يؤمنون به، ويعرفون قيمة الدين و يقدرون قيمة التضحيات من أجله. ولقد صدقت نبوءة رسول الله في النجاشي الذي أكرم وفادة المومنين و أحسن استقبالهم، ورعاهم حق الرعاية حتى عبدوا الله بأمان إلى جانب أحسن جوار. أن هجرة المؤمنين إلى الحبشة لم تكن من أجل تحسين الأوضاع المعيشية أو طمعا في رزق أو ترفيه إلى مكان هادئ مريح، بل كانت من أجل الدين لذا ارتفعت مكانة هولاء المهاجرين عند الله ورسوله.

أولا الهجرة إلى الحبشة حفاظا على الدعوة أم حفاظا على الدعاة؟ : أن في قرار الهجرة إلىالحبشة قد يثار سؤالا مهما هل قرر المسلمون الهجرة للحفاظ على الدعوة أم للحفاظ على الدعاة؟ الإجابة أن أكثر ما يهم المؤمن في حياته هو الدين،هو أغلى ما يملك في هذه الحياة ، لذا من أجل الدين يضحي بكل شئ، والمؤمنون يبذلون كل غال و نفيس في سبيل الدين و الحفاظ على الدعوة، لكنهم لا يبذلون دينهم للحفاظ على أرواحهم. ومن هنا كان السبب الأول في الهجرة هو حماية الدعوة، وهذا يعني أن رسول الله أراد أن يجعل للدعوة مكانا آخر آمن غير مكة، حتى إذا استؤصل الدعاة من مكة تكون هناك طائفة أخرى في مكان أخر لاستمرار الدعوة. فكان من الحكمة إذا أن يكون للدعوة أكثر من مركز و أكثر من مكان. وأمر الهجرة إلى الحبشة كان لفئة خاصة من المؤمنين فقد طلبت الهجرة من الأغنياء و السادة و لم تطلب من العبيد، طلبت من الذين يتمتعون بعصبية وافرة و قبلية تستطيع أن توفر لهم الحماية. والدليل أن الهجرة إلى الحبشة كانت من أجل الدعوة وحمايتها هي الفترة الكبيرة التي قضاها المهاجرون في الحبشة امتدت إلى خمسة عشرة عاما و لم يعودوا إلا في العام السابع للهجرة في فتح خيبر. لم يعودوا إلا بعد أن اطمأنوا إلى زوال خطر استئصال الدعوة.

ثانيا:أسباب اختيار النبي للحبشة : ولعل اختيار الحبشة للهجرة من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم يعود ذلك إلى عدة أسباب منها: فراغ أرض الحبشة من القبائل العربية، فعدم وجود القبائل فيها يغلق الباب أمام قريش للتحالف معها، وتكوين قوة ضد المسلمين. كما أن بها ملك عادل منصف وهو النجاشي ، وكان على علم بالتوراة والإنجيل و قد عرف أهل مكة عنه ذلك، بسبب التجارة المتبادلة فيما بينهم . وقال النبي لأصحابه عندما أشارعليهم بالهجرة إلى الحبشة أن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد ،فألحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا و مخرجا. ومن هنا تقول أم سلمة نزلنا بخير دار إلى خير جار أمننا على ديننا.

أيضا من هذه الأسباب أن الحبشة كانوا نصارى من أهل الكتاب ،أي أقرب مودة للذين آمنوا ،كما أنها أرض يعمها الأمن و الأمان و الراحة والطمأنينة .كما أنها أرض مستقلة سياسيا لا تخضع لأحد و لها اسمها و قوتها .بناء على كل هذه الأسباب كانت الهجرة إلى الحبشة بمثابة حركة فتحت الآفاق للمستقبل أمام الدعوة الإسلامية و خروجها من نطاق المدينة المنورة ،فالداعية الذي لا يحد دعوته زمان و مكان ،وإن لم يستجب له المدعوون فأنه يغير مكان دعوته ،ولا يتوقف عنها ،وهذه الهجرة إلى الحبشة قامت بذلك الدور من خلال تدريب المسلمين على الدعوة و الثبات على الحق، وكانت فرصة أمام المسلمين لالتقاط الأنفاس و نمو الدعوة الوليدة و الحفاظ عليها من الزوال أمام خطر قريش.

ثالثا مساعي قريش لعودة المهاجرين : لم تهدأ قريش عندما وجدت المهاجرين إلى الحبشة يعيشون في أمن وأمان في جوار الملك العادل النجاشي، فسعت بكل قوتها لاسترداد هولاء المهاجرين و عودتهم إلى مكة مرة ثانية،وتأديبهم. فأرسلت وفد على رأسه عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة وحملوا من أصناف الهدايا الكثير، وأعطوا كل حاشية النجاشي هدايا لكي يقفوا معهم عند النجاشي ويسلمهم لهما. كما أعطوا النجاشي الهدايا لكن النجاشي كان رجلا حكيما و عاقلا و عادلا كما قال رسول الله عنه، لم يستمع إلى طرف واحد بل أرسل إلى المؤمنين و جعل يسمع من جعفر بن أبي طالب بن عم رسول الله ،الذي كان يتكلم باسم المومنين بناء على اختيارهم له. وركز عمرو بن العاص حججه و براهينه على عيسى بن مريم .تكلم جعفر وقال أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام، ونسبي الجواري يأكل القوي منا الضعيف  فكنا على ذلك ،حتى بعث اله لنا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله وحده و نخلع ما كنا نعبد من أصنام، وأوصانا بصلة الرحم و حسن الجوار و الكف عن المحارم و نهانا عن الفواحش و أكل مال اليتيم، وأن نعبد الله وحده. فقال النجاشي وماذا في دينكم عن عيسى بن مريم؟ قال جعفر عيسى كلمة الله و روحه التي ألقاها إلى مريم فهو عبد الله ورسوله. فبكى النجاشي وبكى من حوله و قال و الله أن الذي جاء به وعيسى ليخرج من مشكاة واحدة. وأمرهم أن يقيموا في بلده أمنين و لم يسلمهم إلى عمرو ولا قريش. و أمر ألا يتعرض لهم أحد. وصدقت نبوءة رسول الله إنه ملك عادل لا يظلم عنده أحد. و بعدل النجاشي مكن للمستضعفين الفارين بدينهم من أن يعيشوا في كنفه و يقيموا شعائر دينهم باستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock