رؤى

شُهْدَة بنت أحمد الدينورية.. المُحَدِّثَةُ الراسخة في العلم

في ميادين العلم المختلفة كان للمرأة المسلمة صولات وجولات.. وليس من قبيل المبالغة القول بأنها بزَّت الرجال واحتلت الصدارة في كثير من فروع العلم الديني.. وقد أوصى الرسول أصحابه بأخذ العلم عن عائشة بقوله “خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء”. ولا يغيب عن ذاكرة التاريخ الإسلامي  ذلك الموقف الذي أصابت فيه امرأة وأخطأ عمر.. الذي عرف فضل أم سليمان ليلى بنت عبد الله العدوية الملقبة بالشفاء فقيل أنَّه ولاها الحسبة، فكانت أول قاضية في الإسلام.

مُسندة العراق

 لقد شهد القرن السادس الهجري أنموذجا فريدا لواحدة من العالمات اللاتي لم يعرف التاريخ الإسلامي لهن نظيرا.. إنها شهدة الدينورية المحدِّثة والعالمة والمُسْنِدَة والكاتبة والخطَّاطة، تلك المرأة التي فاقت الرجال وبزغ نجمها في علوم الحديث حتى وصلت بإسنادها إلى درجة الإمام مسلم على ما بينهما من زمن يجاوز القرون الثلاثة.

أما أبوها فهو أحمد بن الفرج الإبري الملقب بأبي نصر تعود أصوله إلى “دينور” الواقعة غرب بلاد فارس بالقرب من كردستان وقد فتحها أبو موسى الأشعري صلحا في خلافة عمر بن الخطاب عام20هـ، وكان الوالد شغوفا بعلوم الحديث النبوي الشريف؛ ساعيا في طلب العلم في مجاله، فكان من مشاهير بغداد ومحدثيها؛ لذلك حرص على أن تتلقى شُهْدَة العلم منذ وصلت الخامسة وقيل الثامنة؛على يد كبار محدِّثي وفقهاء زمانها مثل:  أبي الفوارس طراد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وأبي الحسن بن أيوب، وأبي الخطاب بن البطر، وعبد الواحد بن علوان، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي، وثابت بن بندار، ومنصور بن حيد، وجعفر السراج وغيرهم.

عاشت “شهدة”  اكثر من تسعين عاما  ، وعاصرت من الخلفاء سبعة، وكانت مقرَّبة من الخليفة المقتفي لأمر الله الذي دامت خلافته خمس سنوات بداية من 530هـ. ولم تكتف شُهْدَة بعلوم الحديث، بل استمعت إلى متفرقات من الوعظ والعقيدة والتفسير والأدب والمنطق، ومعظم علوم عصرها.

العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب

قال عنها الشيخ الموفق أن إسناد بغداد قد انتهى إليها، أما ابن الجوزي فقد قرأ عليها ووصفها بحسن الخط، وأنها كانت من أهل البر والخير.. ومن ثناء العلماء عليها قول الذهبي في كتابه “سِيَر أعلام النبلاء” عنها: الجهة، المعمرة، الكاتبة، مسندة العراق فخر النساء. ويقول عنها عمر رضا كحالة في كتابه “أعلام النساء في عالمي الغرب والإسلام”: عالمة فاضلة وكاتبة مجيدة ذات دين وصلاح وبر وإحسان. كما قال عنها السيوطي: كانت ذات دين وورع وعبادة، سمعت الكثير وعمَّرت وكتبت الخط المنسوب على طريقة الكاتبة بنت الأقرع، وما كان من زمانها من يكتب مثلها، وكان لها الإسناد العالي، ألحقت الأصاغر بالأكابر”.. وقد علا إسناد شهدة حتى تساوى بالإمام مسلم رحمة الله عليه، وهو في القرن الثالث، وهي في القرن السادس.

أما عمن سمعوا عنها وتتلمذوا على يديها وأخذوا العلم عنها؛ فحدث ولا حرج، فقد ورد في إحدى الدراسات المتخصصة أن عددهم وصل إلى مئة وثمانية وستين، تنوعت تخصصاتهم بين محدث وفقيه ولغوي ومقرئ وشاعر وطبيب وخطاط.

ومن المعلوم أن جملة ما تركته شهدة من المرويات معظمه في الحديث النبوي الشريف؛ كذلك كتب الوعظ والتذكير مع قليل من المتنوعات في اللغة والأدب والتاريخ، وعلى الرغم من أن حسن الخط كان من أهم مميزاتها، وربما كان السبب الأهم لشهرتها بلقب الكاتبة، وما تردد أنها كانت كاتبة الخليفة المقتفي لأمر الله، وأنها نسخت له العديد من الكتب، إلا أن مخطوطة واحدة فقط هي ما صح نسبتها إليها، وقد ذيلت هذه المخطوطة بما يلي” صح ذلك وكتبته شُهدة بنت أحمد بن الفرج المعروف بالإبري، رحمه الله، حامدة لله تعالى على نعمه، ومُصلية على سيدنا محمد وآله وسلم”.

ولم تترك شهدة سوى مؤلفا واحدا هو مشيختها بعنوان “العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب” خرَّجه في حياتها تلميذها ابن الأخضر، ومما روت من الكتب كتاب الأموال لأبي عبيد وكتاب الصمت وآداب اللسان له أيضا، وكتاب الشكر لابن أبي الدنيا، وكتاب مصارع العشاق لابن السراج وغيرها.. وروى عنها ابن الجوزي كتاب التصديق بالنظر إلى الله عز وجل وما أعد لأوليائه لمحمد الآجري.

مصارع العشاق لابن السراجنقل الصفدي عن ابن كمال الدين ابن العديم بعضا من أبيات شعرية نظمتها شهدة بنت الإبري منها :

 مِلْ بِي إلى مَجْـــرَى النسيــم الــواني         واجْعَـــلْ مَقِيلَكَ دَوْحَتيْ نَعْمــــانِ

وإذا العيونُ شَنَنَّ غَـــارة سِحْرِهَــــــا             وَرَمينَ عن حصن المتون حَوانِ

فاحْفَظْ فـؤادكَ أن يصَــابَ بنظــــــــرةٍ             عَرَضَـــاً فــآفـةُ قلبِـكَ العَيْنَـــــــانِ

 مِـنْ كُـــلِّ جــائلــةِ الـوشــاح يهُـزُّهَــا           مَـــرَحُ الشَّبَابِ اللَّدْنِ هَــزَّ الـبـانِ

وقد زوَّجها أبوها من علي بن محمد بن يحيى أبي الحسن الدريني المعروف بثقة الدولة ابن الأنباري وعاش معها نحو أربعين سنة.. كان يخدم والدها ثم علا شأنه حتى صار خصيصا بالخليفة المقتفي لأمر الله، ومما قيل فيه أنه كان من الأماثل والأعيان متأدب ويقول الشعر، بنى مدرسة لأصحاب الشافعي على شاطئ دجلة بباب الأزج، وإلى جوارها أقام رباطا للصوفية، وأوقف لهما وقفا حسنا.. وعندما مات حزنت شهدة حزنا شديد لكنها لم تستسلم وشغلت نفسها بالعلم والتعليم، وكان الخليفة قد أقطعها مزرعة كبيرة، لتستغل عوائدها فيما تقوم به من أعمال الخير والبر، فكان أن أنشأت مؤسسة تعليمية كبرى على نهر دجلة، وكان طلاب العلم يفدون إليها بالمئات من شتى البقاع، وكانت شهدة تتكفل بكل نفقات المؤسسة وطلابها.

سيدة عصرها الكاتبة شهدة

ورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

”شهدة بنت الإبري فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة؛ كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، وكان لها السند العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر؛ سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن طلحة النعالي وطراد بن محمد الزينبي وغيرهم مثل أبي الحسن علي ابن الحسين بن أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي واشتهر ذكرها وبعد صيتها. وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة للهجرة، ودفنت بباب “أبرز” وقد نيفت على تسعين سنة من عمرها، رحمها الله تعالى”. وقد نقل جثمان زوجها إلى جوارها في نفس المقبرة حسب الوصية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock