فن

المسرح التجارى بين “الزعيم “و”الجوكر”

“المسرح التجاري ” مصطلح  عرفته مصر بقوة منذ بداية سبعينيات القرن العشرين فى ظل وجود “مسرح الدولة ” الذى لم يكن موجودا قبل ثورة يوليو 1952 التى أقدمت على صناعة مسرح يتبع مؤسسة الثقافة الرسمية لتشهد المرحلة من “1952-1970 ” نهضة مسرحية غير مسبوقة  وحيث كانت مرحلة   “مسرح الستينيات ” الذهبية التى ظهرت خلالها أشكال ومدارس فنية مايزال تأثيرها حاضرا حتى الآن مثل مسرح الطليعة ومسرح الجيب وغيرها من الأشكال الفنية والمؤسسات المسرحيه العريقة ومع بداية السبعينيات عاد المسرح الخاص بقوة من جديد إلى الواجهة الفنية  وشهد آنذاك  انتشارا على يد أجيال من الشباب معظمهم كانوا من تلاميذ جيل العمالقة “فؤاد المهندس – عبد المنعم مدبولى وآخرين “

وعانى مسرح الدولة من غياب الدعم بشكل واضح وعزوف النجوم عن العمل به بسبب ضعف الأجور وغياب الدعاية لأعماله .. بعد أن  أهملته الدولة شأنه شأن كافة المؤسسات الثقافية فكان الطريق ممهدا لمسرح جديد مختلف يقدم التسلية على  القيمة وينحاز لشعار “الجمهور عايز كدة ” وهرول عدد من رموز مسرح الدولة نحو بريق وأموال المسرح التجارى ليصنعوا مرحلة جديدة لهذا الشكل المسرحي الجديد آنذاك و كانت “مدرسة المشاغبين “1973 عنوانا لها ونموذجا لأعمالها وقد حققت نجاحا استثنائيا لدرجة أن الدولة كانت تقدم على  عرضها  فى التلفزيون لكى تدفع المواطنين إلى  البقاء فى منازلهم وحدث ذلك أثناء انتفاضة يناير 1977 .. و من خلال هذه المسرحية بزغ نجم عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبى ووضع أحمد زكي وهادى الجيار قدميهما على سلم الشهرة .

 وفي سياق هذا التحول ظهرت  عدة تجارب مسرحية وتمكنت من تحقيق إنتشار واسع  برزت منها تجربتان حققتا نجاحا لافتا  رغم تباينهما فى العديد من التفاصيل والإنحيازات، تجربة مسرح عادل إمام وفرقة الفنانين المتحدين وتجربة محمد صبحى وفرقة ستوديو 80 التى جمعته بالكاتب الراحل “لينين  الرملى “

عادل إمام .. ومسرحه

ولد عادل إمام عام 1940 وفى عام 1960  كانت بداية حياته الفنية، وذلك عندما قدمه فؤاد المهندس  فى مسرحية “سرى جدا”  وحقق خلالها  حضورا لافتا  لتبدأ مسيرته المسرحية ويتوالى  اشتراكه مع العملاق فؤاد المهندس  ويتمكن عادل إمام من لفت الإنتباه له بقوة من خلال شخصية “دسوقى أفندى” كاتب المحامى فى مسرحية ” أنا وهو وهى “، عام 1963، وبعدها استعان به المهندس للمرة الثالثة فى مسرحية “أنا فين وانتى فين” عام  1965

وفى عام 1967 شارك  إمام فى مسرحيتىْ، “البيجامة الحمرا” مع عبدالمنعم مدبولى ونجوى سالم وعقيلة راتب وسعيد صالح، و “حالة حب ” مع المهندس وشويكار

وفى عام 1970 شارك الزعيم فى مسرحية غراميات عفيفى مع أمين الهنيدى ومحمود المليجى وليلى طاهر

وتخطف السينما عادل إمام ويقدم عدداً كبيراً من الأعمال معظمها أدوار ثانوية لتأتى الفرصة  الأعظم فى حياته الفنية من خلال مسرحية “مدرسة المشاغبين ” التى وضعته فى مصاف النجوم وتمكن “الزعيم ” من الإمساك بالفرصة جيدا ونجح فى استثمارها على عكس رفاقه “سعيد صالح ” ويونس شلبى ” وهادى الجيار” الذين تعثرت خطاهم وارتبكوا كثيرا مما أدى لإهدار فرص نجاحهم فى المشاغبين ومن بعدها “العيال كبرت ” 1977 بعد  انفصال عادل عنهم وتقديم مسرحيته الشهيرة “شاهد ما شافش حاجة ” عام 1976 مع المخرج هانى مطاوع ليعزز من مكانته الفنية الكبيرة

إنشغل عادل إمام بالسينما ورغم نجاح أعماله المسرحية إلا أنه ظل أسيرا لعشقه للفن السابع وربما كان يرى أن السينما هى الوسيلة الأكثر بقاء فى وجدان الجمهور،  وبين الحين والآخر كان عادل حريصا  على التواجد المسرحى وفى عام 1985 قدم الزعيم مسرحية ” الواد سيد الشغال” وحققت نجاحا كبيرا، وبعدها قدم مسرحية “الزعيم ” فى عام 1993 والتى استمر عرضها حتى عام 1999

وأخيرا وفى عام 1999 قدم الزعيم مسرحية بودى جارد وشارك فيها عزت أبوعوف وسعيد عبد الغنى وشيرين سيف النصر واستمر عرضها مدة تجاوزت 10 سنوات .

هذا الرصيد المسرحى للفنان عادل إمام كان مثارا لجدل دائم ، وقد تزايد الجدل بشكل كبير بعد عرض آخر أعماله المسرحية “بودى جارد “عبر منصات المشاهدة الألكترونية ووجه الجمهور إنتقادات حادة للزعيم لسوء مستوى العرض واحتوائه على إيحاءات جنسية بغرض إضحاك المشاهد وخلو العمل من أى قيمة فنيه .

والحقيقة أن معظم أعمال الزعيم المسرحية التى قدمها مع فرقة الفنانين المتحدين  كانت اقل كثيرا مما قدمه فى السينما من حيث الجودة  والرسالة الفنية وإعتمدت فى نجاحها بالأساس على شهرة وتألق عادل إمام فى السينما ولم تضف إلى مسيرته الفنية الكثير ولم تساهم فى نهضة مسرحيه حقيقية رغم أن “الزعيم ” كان يمكنه إستثمار جماهيريته الكبيرة فى صناعة مسرح أفضل .

صبحى … المسرح أولا

على العكس تماما كانت تجربة الفنان محمد صبحى الذى  ولد فى 1948 وإذا كان فؤاد المهندس هو الأب الروحى  لعادل إمام مسرحيا فإن “عبد المنعم مدبولى ” هو الذى دعم موهبة محمد صبحى ومنحه فرصة كبيرة فى مسرحية “هاللو شلبى “عام 1969ومن بعدها شارك صبحي  فى عدد من الأعمال السينمائية مثل “أبناء الصمت ” و “الكرنك “

وفى عام 1975 يقدم صبحى مسرحية “إنتهى الدرس يا غبى ” التى كتبها ” لينين الرملى “لتمثل نقطة تحول كبرى  فى مسيرته المسرحية وتضعه فى مصاف نجوم الصف الأول فى المسرح المصرى .

ثم جاءت مسرحية “الجوكر ” للمخرج جلال الشرقاوى فى عام 1979 لينطلق صبحى ويصنع تجربته المسرحية المغايرة وتتبلور تلك التجربة مع تأسيس فرقة ستوديو 80 مع رفيق مسيرته الكاتب “لينين الرملى “

وقد تمكن صبحى فى تلك المرحلة من  تحقيق المعادلة الصعبة فى المسرح التجارى وإستطاع أن يجمع بين النجاح الجماهيرى الكبير والإنتشار الواسع وبين تقديم قيمة فنية شديدة العمق والرقى والإنضباط فى الوقت الذى كان فيه المسرح فى حالة تردٍ غير مسبوق دفعت بعض النقاد إلى وصفه ب “الكباريه ” بسبب ما طغى عليه  من تراجع فنى وإسفاف مع حالات كثيرة

قدم صبحى من خلال فرقته – ستوديو 80 – أعمالا مسرحية   عظيمة القيمة والتأثير  منها “إنت حر “عام 1982 والهمجى عام 1985 و ” تخاريف ” عام 1988 و”وجهة نظر ” 1989 و”بالعربي الفصيح “1992 “

ورغم الخلاف الذى نشأ بينه وبين لينين الرملى والذى أدى إلى فض الشراكة الفنية بينهما إلا أن صبحى واصل تقديم أعمال مميزة من بينها “ماما أمريكا “للكاتب مهدى يوسف فى عام 1998 ثم قام بإعادة تقديم عدد من أشهر الأعمال المسرحية المصرية والعالمية مثل “كارمن ” ولعبة الست ” و”سكة السلامة ” وزيارة السيدة العجوز ” وغزل البنات ” وجاءت المعالجة معاصرة وحملت رؤى جديدة تناسب العصر  .

لم يتوقف صبحى عن الإيمان المطلق بالمسرح وأهميته ودوره المؤثر للدرجة التى يمكن وصفه ب “الكائن المسرحى “

وقدم صبحي  للسينما  أعمالا يعتبرها الكثير من النقاد أعمالا تجارية  لم ترق لمستوى مسرحه ومن بين تلك الأعمال ” احنا اللى سرقنا الحرامية ” و”العميل رقم 13 ” و”بطل من الصعيد ” وغيرها من الأعمال

ورغم ما حققه من نجاح فى التلفزيون فى أعمال مثل ” فرصة العمر “و “رحلة المليون “و ” وسنبل بعد المليون ” و”ونيس” بأجزائه وغيرها من الأعمال الدرامية  إلا أن منجز صبحى المسرحى هو الأهم فى مسيرته الطويلة الممتدة ولعل أهم ما يميز تلك التجربة أنها كانت سباحة ضد التيار وقدرة فائقة على الجمع بين الشكل المبهر والكوميديا الراقية التى تخلو من الإبتذال – المنتشر حينذاك – وبين المضمون العميق والرسالة الفكرية الواعية المستنيرة المرتبطة بقضايا الناس وهمومهم وأوجاعهم .

ومن ثم يبدو الرصد السابق لمسيرة نجمين من نجوم المسرح المصري خلال الخمسي عاما الأخيرة    هى مقارنة بين مدرستين فى المسرح ورؤيتين لدور  “أبو الفنون ” فالأول “عادل إمام ” إستثمر نجاحة وشعبيته الجارفه فى تحقيق نجاح جماهيرى لمسرحه بينما قدم فى السينما تجربته الأنضج فى حين قدم الثانى “محمد صبحى ” مسيرة  مسرحية أكثر نضجا وربما ستكون أكثر بقاء فى وجدان الجمهور وتراجعت اسهاماته فى السينما فكأنه كان يعمل فى السينما من أجل عيون المسرح عشقة الأبدى وغوايته الكبرى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock