ثقافة

محمد عُودة…ذاكرة مصر الحية

ثمة فئة نادرة من الكتاب والمفكرين ، يمثلون الذاكرة الحية لأوطانهم ويعتبرون أن مهمتهم مرهونة بحفظ سجل النضال الوطني لأبناء شعبهم إضافة الى الدفاع عن تجربته النضالية ضد كل مشكك فيه أو منتقص من قدره.

 والى هذه الفئة النادرة كان ينتمي الكاتب محمد عودة الذي ودعته مصر والعالم العربي صبيحة الثامن عشر من أكتوبر عام 2006 بعد صراع طويل مع المرض وبعد حياة حافلة بالعطاء في مجال الصحافة تجاوزت الستين عاما كان خلالها بحق أحد شيوخ هذه المهنة في مصر

الموقف الذي غير مسار حياته

وُلد محمد عُودة عام 1920 م في قرية جهينة مركز فاقوس التابع لمحافظة الشرقية وكان والده واحداً من كبار تجار القطن ولكنه تأثر- شأنه شأن غيره- بالأزمة الاقتصادية التي ضربت مصر في الثلاثينات من القرن العشرين.

 وكانت الأسرة تطمح إلى أن يصبح ابنها محامياً مرموقاً ليتمكن من استرداد الأراضي التي فقدتها  ، وبالفعل انتقل الشاب الى القاهرة وانخرط في العمل بالمحاماة وذكر فيما بعد أنه قرأ مقولة لملك مصري قديم جاء فيها أن مصر دولة زراعية ومن يريد أن يحكمها فعليه الاستيلاء على العاصمة ، فقرر أن يستولي” على العاصمة”

YouTube video

وكان الموقف الذي هز وعي عودة وجعله يغير مساره هو أنه  لدى عودته من القاهرة إلى قريته  قام بزيارة  لأحد المرضى بصحبة طبيب صديق له وحين أدرك الطبيب أن المريض مصاب بداء الكوليرا وأن حالته ميئوس منها سأله “نفسك في ايه” فأجاب المريض ببساطة :”نفسي في حلاوة طحينية”! فقد كانت الحلاوة بالنسبة لأمثاله من فلاحي مصر في تلك الفترة أمنية غالية لا يستطيعون الحصول عليها.

وجعلت هذا الموقف البائس  عودة يغير مجال اهتمامه –وعمله- من المحاماة الى السياسة والكتابة بحثا عن وسائل لتغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية التي شهدها الوطن.

وبدأ مسيرته من الهند التي ذهب إليها في أوائل الخمسينيات للعمل في الاذاعة الموجهة للدول العربية خلفاً للكاتب كامل زهيري  ثم انجذب عودة  لتجربة الثورة الماوية في الصين ، حيث كانت ثورة قوامها الفلاحون ولذلك أصدر عن هذه التجربة أول كتبه “الصين الشعبية” ولعل ما شهده وخبره في قريته هو ما جذبه لهذه التجربة الصينية”.

 وكان كتاب الصين الشعبية هو أول كتاب لكاتب عربي عن ثورة الصين وواجه صعوبات رقابية جمة وتعرض للكثير من الحذف ، مما أخر صدوره الى ما بعد قيام ثورة 1952 التي قامت بنشر الكتاب كاملاً دون حذف.

الانحياز للثورة والدفاع عنها

وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952 في مصر التحق عودة بالعمل في جريدة الشعب التي كان يرأسها صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة.

محمد عودة - ميلاد ثورة

 وقد شكلت ثورة يوليو منعطفا مهما في حياة محمد عودة ، فقد آمن بالثورة وفلسفتها الاصلاحية وشخص قائدها جمال عبد الناصر إلى حد التماهي وكان يرى فيها امتدادا ووريثا شرعيا لكافة ثورات مصر منذ ثورة القاهرة ضد حملة نابليون بونابرت مرورا بتجربة محمد علي ووصولا إلى الثورة العرابية.

واستمر عودة في العمل الصحفي وانتقل الى مجلتي روز اليوسف وصباح الخير ، وفي عام 1977 شغل منصب أول رئيس تحرير لجريدة “الأهالي” التي مثلت لسان المعارضة اليسارية ضد نظام الرئيس السادات، خاصة فيما يتعلق بسياسة الانفتاح الاقتصادي والصلح مع الدولة العبرية.

وخلال مسيرته الصحفية الطويلة ، قدم عودة للقارى عشرات الكتب ، عبر فيها عن توجهه القومي العروبي وكذلك عن إيمانه العميق بالاشتراكية كفلسفة ومنهج.

 وكان يرى في تجربة عبد الناصر أول تجربة ناجحة في الشرق لتطبيق الاشتراكية العلمية ،ومع اشتداد الحملة على التجربة الناصرية منذ منتصف السبعينات تقريبا ، سخر عودة قلمه للدفاع عن هذه التجربة مستعينا بكم هائل من القراءات والوثائق العربية والأجنبية في الرد على منتقدي الثورة  وألف عددا من الكتب التي تدافع عن ثورة يوليو ومن هذه الكتب نذكر على سبيل المثال لا الحصر : “الباشا والثورة” الذي خصصه للرد على مؤسس حزب الوفد الجديد فؤاد سراج الدين و”الوعي المفقود” الذي كان بمثابة تفنيد لآراء  توفيق الحكيم التي أودعها كتابه “عودة الوعي” والذي مثل هجوما عنيفا في وقته على تجربة يوليو و”الطريق الى صنعاء” وفيه قدم عودة بأسلوب أدبي رفيع قصة الثورة اليمنية ومساندة مصر لها وقام بالرد على كافة الانتقادات التي كانت توجه الى التدخل المصري في اليمن.

محمد عودة - الوعي المفقود

مدرسة في الكتابة التاريخية

ولم يختلف عودة المؤرخ عن عودة الصحفي ، فقد استطاع  بقلمه الرشيق أن يؤسس بحق لمدرسة جديدة في الكتابة التاريخية ، فأغلب كتابات عودة التاريخية ليست كتباً أكاديمية جامدة وإنما استطاع صاحبها أن يجعلها أقرب ما تكون إلى روايات أدبية قدمها إلى القارئ بسلاسة ويسر.

وتجلى ذلك في دراسته القيمة عن الحملة الفرنسية على مصر ومقاومة الشعب المصري لها والتي نشرت على صفحات مجلة روز اليوسف وكذلك كتابه عن الثورة العرابية بعنوان “قصة ثورة” ، وفي عام 1997 أصدر عودة كتابه المرجع “ليبراليون وشموليون” والذي تناول فيه قصة وتاريخ الديمقراطية والحزبية في مصر ، راسماً بذلك صورة لكفاح طويل من أجل الحرية بدءا من تأسيس الحزب الوطني في أواسط القرن التاسع عشر وهو الحزب السياسي الأول من نوعه في الشرق ، حيث سبق حزب الكومينتانغ الصيني وحزب المؤتمر في الهند ، وتأسيس مجلس النواب مروراً بالثورة العرابية والمقاومة الشعبية الباسلة للاحتلال البريطاني وصولا الى النظام السياسي المتعدد الأحزاب والتوجهات والذي عرفته مصر مع بدايات القرن العشرين.

وكانت آخر إضافات عودة إلى المكتبة هي كتابه “كرومر في مصر” الذي استكمل فيه ما بدأه في” ليبراليون وشموليون “، حيث رصد قصة الصراع بين الاحتلال البريطاني في مصر ممثلا في مندوبه السامي اللورد كرومر وبين الحركة الوطنية المصرية ممثلة في زعيمها الشاب مصطفى كامل .

والذي وصل الى ذروته في مذبحة دنشواي عام 1906 والتي تمكن مصطفى كامل من استخدامها للتنديد بالاحتلال في عقر داره ، لتنتهي المواجهة بهزيمة كرومر ومغادرته مصر في عام 1907.

وبعد، فقد كان عودة نموذجا للمثقف العضوي الذي يقرن القول بالفعل و والفكر بالممارسة ،فكان أحد المشاركين بقوة في حركة التغيير التي شهدتها مصر في عهد مبارك.

محمد عودة - سبعة باشاوات

وكان الكاتب الراحل يرى أن السبيل الوحيد لخروج مصر من أزمتها – وان بدا رومانسيا – إلا أنه يتمثل في تكوين جبهة قومية من عدة تيارات رئيسية : التيار الليبرالي الوطني بمعناه العصري والتيار القومي الناصري والتيار الماركسي الوطني الملائم لمصر والتيار الديني غير المتشدد أو ذو المرجعية الاسلامية المستنيرة.

وأخيرا ، فقد بقي محمد عودة على مدى أكثر من ستين عاما قضاها في ميدان الصحافة والكتابة  مثقفاً وطنياً مصرياً مخلصاً لقلمه ووطنه ، ذلك الوطن الذي ذاب في كيان الكاتب وذاب الكاتب في كل ذرة من ذرات ترابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock