رؤى

 الوتر الحساس الذي مسَّه تامر أمين

بينما كان العالم يستعد للإحتفال باليوم العالمي للمرأة، كنا مشغولين بتهدئة خواطر أهلنا في الصعيد بسبب إساءة المذيع تامر أمين لهم، حين انتقد استمرارهم على نفس معدلات الإنجاب المرتفعة بزعم  تشغيل بناتهم كخادمات في المنازل.

بعد أن هدأت الخواطر – أو كادت – ربما أصبح المناخ العام مناسبا لطرح بعض الأسئلة الجادة التي تتجاوز “أزمة تامر” العابرة التي سارت منذ البداية في اتجاه جهوي خاطئ، فلم تكن إساءته موجهة لأهلنا في الصعيد فقط ولكنه تحدث بالحرف الواحد عن “أهل بحري والصعيد” بهذا الترتيب ، وهو ما يفسر اتساع نطاق الحملة الشعبية ضده لتشمل مواطنين من بيئات وأصول ومناطق عديدة، مع اختلاف درجة الغضب من بيئة اجتماعية لأخرى.

لماذا شخصن الكثير من المصريين في أنحاء البلاد الأمر وأصروا – فردا فردا – على التصدي للعدوان وكأنه “فرض عين” لا فرض كفاية؟ لماذا لم تشف الانتقادات القاسية من رموز المجتمع لتامر غليل المصريين الذين أصر الكثيرون منهم على المشاركة بأنفسهم في الحملة  بداية من القعدات في البيوت وعلى المصاطب والمقاهي وأمام كاميرات الموبايلات على اليوتيوب التي حققت حالة أقرب للإجماع الشعبي؟

بغض النظر عن غطرسة المذيع، يبدو أن كلامه قد مس – دون قصد – وترا بل أوتارا حساسة في الشعور العميق بالتهميش والظلم الاجتماعي لدى العديد من المجتمعات الفقيرة في أنحاء المحروسة من فلاحي وأفندية الصعيد والدلتا إلى سكان الأحياء “العشوائية” المحيطة بالمدن وجيويها الفقيرة المنتشرة في أحشائها، انتهاء بالبدو الأعراب في المحافظات الحدودية أوالمحشورين في خطوط التماس الضيقة بين خضرة الوادي وحمرة الجبلين الشرقي والغربي من الصحراء.

احتقان تاريخي مكبوت

ما يوحد هذه الفئات جميعا هو ذلك الغضب الموروث المكتوم تجاه نظام اجتماعي غير عادل يضطرهم لحرمان بناتهم من التعليم ومن التربية وسط أسرهم الطبيعية والزج بهن للعمل في سن مبكرة قبل أن تنضجن وتصبحن قادرات على إجبار ذكور الطبقات الأعلى على قبولهن كعاملات لا كجوارٍ. ينطبق الأمر على الخادمات في المنازل أو العاملات في أعمال الفلاحة المعاونة البسيطة أو في المشاغل الصغيرة للملابس والسجاد وغيرها أو السكرتيرات وصغار الموظفات في المراكز والمدن، أو حتى كلاعبات أو “غوازي” ضمن السيرك الشعبي للغجر الذين كانوا يرتحلون بين الموالد في القرى.

بائعة متجولة من صعيد مصر سنة 1917 م
بائعة متجولة من صعيد مصر سنة 1917 م

لحظة التكوين الأولى

 على الرغم من أن أحوال العديد من مناطقنا المهمشة قد تغيرت – إلى حد ما – خلال المائة سنة الأخيرة، إلا أن العثور على لقطة مبكرة “أصلية” توضح جوهر التهميش الاجتماعي لتلك الفئات هو أمر غاية في الأهمية لفهم مشاعرهم وحساسياتهم الحالية بشكل صحيح. وفي ظل ندرة الجهود العلمية المبكرة لتسجيل ملامح الحياة الاجتماعية في مصر منذ بدايات نهضتها الحديثة، بما فيها نظرة المجتمع للمراة، قد تسعفنا بعض الأعمال الفنية والمذكرات الأدبية التي سجلت الملامح التكوينية المبكرة لظاهرة التهميش التي بدأت في بعض المناطق الأقل حظا من حيث موقعها الجغرافي السئ أو خيرات أرضها النادرة أو قلة عدد رجالها . على فهم القضية  بشكل أوضح

التهميش كقدر جغرافي

يمكن أن نصادف واحدة من هذه الوثائق التاريخية التي تصف  وتتابع تشكل شعور المصريين بالتهميش في رواية “مذكرات قرية” لعصمت سيف الدولة الذي يصف بدايات نشوء قريته”العقال” بجوار الجبل الشرقي جنوبى البداري بأسيوط قبل أن يكتشفها عالم الآثار برنتون عام 1928.

مذكرات قريةكتب سيف الدولة:  ” هناك حيث يلتقي النهر بالجبل اللقاء الأول والأخير في نقطة لا مثيل لها بين المنابع والمصب توجد القرية على سفح الجبل. نصيبها من الأرض الخضراء أقل من أن يستحق الظهور على الخرائط ولو خطا أخضر. هنالك يجيب غياب الوادي على سؤال الحاضر. لماذا يقتتل أعواما أخوة ويشج بعضهم رؤوس بعض بالشوم من أجل ثمار عشر نخلات، ويسخر الجواب العيني مما أجاب به الباشا حين قال أنهم أهل بلد مغفلون، وزعمه الساذج أنهم أضاعوا في المياه ما اغتصبوه من قرية على الضفة الأخرى من النيل… الباشوات لا يعرفون الإجابة الصحيحة على أسئلة الفلاحين. أنهم وهم أبناء وادي النيل الخصيب قد حرموا من أن يكون لهم من أرضه نصيب. هو كذلك، ولايزال البشر يقتتلون من أجل قسمة عادلة للأرض المكورة منذ أن استخلفوا فيها واستأثر بها الغاصبون”.

وفي رواية “دعاء الكروان” لطه حسين نصادف وثيقة تاريخية اجتماعية أخرى عن إحدى هذه المجتمعات المحلية التي ولد فيها التهميش الاجتماعي. كتب العميد: ” لقد كانت آمنة تلك فتاة بدوية. انحدرت بها وبأختها امرأة من أهل البادية، أو من أهل هذا الريف المصري الذي يشبه البادية، لأنه منبث في أطراف الأرض الخصبة مما يلي الصحراء الغربية أو مما يلي هذه الهضبات التي يسميها أهل مصر الوسطى بالجبل الغربي  …  قرية من هذه القرى المعلقة بين الهضاب والتي لا يستقر أهلها فيها إلا ريثما يزيلهم عنها فوج من أفواج الأعراب الذين يقبلون من الصحراء .. ثم يدفعهم فوج آخر فإذا بهم يمضون أمامهم مضيا بطيئا، ينتقلون في أناة ومهل من مكان إلى مكان” .

 تهميش مرحل

قد لا نبالغ لو فسرنا تهميش النساء في مثل هذه البيئات الاجتماعية كنوع من الإزاحة أو الترحيل لمشاعر التهميش بالقوة لدى رجال هذه المجتمعات .. نوع من التعويض النفسي الضروي وغير المدرك من قبل الرجال لاستعادة توازنهم إزاء شعورهم بالإذلال والحرمان من قبل رجال آخرين أكثر عددا وقوة استحوذوا على الأراضي الخصبة وأقاموا عليها قرى مستقرة تفيض خيرا وحرموا هم منها عنوة. أما مظاهر هذا التهميش المرحل في النصف الأول من القرن العشرين فنجدها في مذكرات يحيى حقي الأدبية التي حلل فيها أحوال القرى المحيطة بمنفلوط وسط الصعيد التي عمل فيها عامي 1927 – 1928.

للأسف تبدو الصورة بائسة على طول الخط، فهؤلاء النسوة هن غالبا “حبيسات في دورهن، فيهن من تفخر بأنها لم ترتد الملس إلا مرة واحدة يوم أن خرجت زفتها من بيت أبيها إلى بيت زوجها، وكأنما ودت لو كفنت به ” كما يقول حقي (الصعيد، خليها على الله).

 لم يكن التزام المرأة ببيتها أو حبسها فيه يقتصر على المرأة الصعيدية التقليدية، ولكنه مفهوم وقاعدة تمتد لتشمل أيضا النساء المتعلمات من زوجات طبقة الموظفين المهنيين أيضاً، حيث يلاحظ حقي أن زوجة الطبيب خريجة مدارس السكركير ” تعيش طول وقتها حبيسة دارها ” تماما مثل قريناتها من غير المتعلمات، وهو ما يضيف زاوية أخرى لمفهوم ” التحديث المشوه ” فالطبيب غربى الثقافة لا يزال يحمل ذات النظرة التقليدية للمرأة ، رغم اختلاف التفاصيل. وتقطر كتابات حقى بالشفقة والتعاطف مع المرأة الصعيدية المغلوبة على أمرها ، ” وجدت أغلب الفلاحات ما تكاد الواحدة تتزوج وتخلف وليداً أو اثنين حتى تتساوى فى المظهر مع أمها ، قددتها لسعة الشمس ووقدة الفرن … ودمغهما بميسم واحد بذل جهد مماثل فى عمل شاق متصل رتيب، هى أكثر  أهلنا قفزاً من الصبا إلى الشيخوخة ” (بيت الباشمهندس، خليها على الله ).

مشهد من فيلم البوسطاجي عن رواية يحيى حقي

المرأة في الصعيد هى مجرد مفعول به من قبل الرجل؛ أبوها أو أخوها أو زوجها، وأحياناً إبنها طالما لم تصل إلى سن الشيخوخة، لا قيمة لها في ذاتها ولكن قيمتها تستمد من خارجها، باعتبارها الموضع الذى يختزل فيه الرجال مفهومهم هم للشرف والعرض، وإذا خرجت المرأة عن الحدود التى وضعها لها مجتمع الرجال، ووقعت فى الخطيئة فإنها تُبتر من المجتمع بالقتل بطبيعة الحال، أو تجد نفسها مجبرة على الاختفاء من مجتمع قريتها، هاربة إلى البندر أو المدينة لتسقط في مجتمعات الرذيلة.

هؤلاء الرجال المهمشون في أنحاء المحروسة شمالا وجنوبا ووسطا، توحدهم تلك الحساسية المفرطة تجاه أى مساس  بما تبقى لديهم من ادعاء بالرجولة – بالمعنى الضيق للكلمة – بعد أن جردهم تاريخ طويل من التهميش الاقتصادي والنبذ الاجتماعي والإهمال من كثير من المعاني الأوسع لرجولتهم المفترضة.  يوحدهم أى اقتراب من المجال الطبيعي الوحيد الباقي لإثبات رجولتهم .. أى نسائهم .. حرثهم .. هذه الكائنات الملحقة بالذكور التي حملتها ثقافة تقليدية موروثة بكل رموز القيم والشرف، ليجسدن أيقونة لشرف مختزل أوسقوط محتمل يخشاه آباؤهن وأزواجهن حتى لو كان تلميحا من بعيد.

فؤاد السعيد

كاتب وباحث مصري متخصص في الثقافة السياسية felsaid58@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock