رؤى

المسحراتى … أغنية اليقظة التي سكنت أرواحنا وغابت عن شوارعنا 

“اصحى يا نايم، وحد الدايم وقول نويت

 بكرة إن حييت، الشهر صايم

 والفجر قايم، اصحى يا نايم، وحد الرزاق”

بهذه الكلمات كان يطل علينا الراحل الكبير فؤاد حداد بصوت سيد مكاوي كل مساء سواء عبر الإذاعة المصرية ثم بعد ذلك من خلال شاشة التلفزيون ليمثل “المسحراتى ” طقسا يوميا من طقوس شهر رمضان

وعلى الرغم من أن مهنة “المسحراتى ” قد أوشكت على الانقراض بسبب تطور الحياة وتأثير السوشيال ميديا وعالم الاتصالات الذي شهد طفرة غير مسبوقة خلال العقدين الأخيرين وأدت إلى اختفاء عدد من المهن الا انها ما تزال تسكن فى الوجدان وتحتفظ بصورتها في  الذاكرة الجمعية للمصريين.

تاريخ المسحراتى

وحول تاريخ تلك المهنة يعتبر عدد من المؤرخين أن نشأتها تعود إلى عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام حيث عرف المسلمون وقت المسحور بأذان “بلال بن رباح ” مؤذن النبي، وعرفوا موعد الامتناع عن الطعام بأذان الصحابي ” عبد الله ابن أم مكتوم “

بينما تحولت تلك المهمة فى تنبيه المسلمين لكي يقبلوا على تناول السحور إلى مهنة في عصر الدولة العباسية، وبالتحديد في عهد الخليفة المنتصر

وفى مصر ظهرت مهمة المسحراتي فى عهد الوالي “عتبة بن إسحاق” فى عام 238 هجرية الذي لاحظ أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور ولا يوجد من يقوم بهذه المهمة آنذاك، فتطوع هو بنفسه لهذه المهمة وكان يطوف شوارع القاهرة ليلا

لإيقاظ أهلها وقت السحر حيث كان يطوف على قدميه سيرا من مدينة العسكر إلى مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط مناديا:

” “عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة

وفي عصر الدولة الفاطمية، أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمرا لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا على الأبواب بهدف إيقاظ النائمين للسحور

 مرور الوقت تم تخصيص رجل للقيام بمهمة المسحراتي وكان ينادي مع

” “يا أهل الله قوموا تسحروا “، ويدق على أبواب المنازل بعصا كان يحملها في يده

وفي دراسة أعدتها الدكتورة الشيماء الصعيدي الباحثة بمشروع أطلس المأثورات الشعبية المصرية التابع لوزارة الثقافة بمصر قالت : «لقد بات قريباً من الأفول مشهد المسحراتي الذي يوقظ الناس لتناول طعام السحور في ليالي شهر الصوم، بطبلته الصغيرة التي يحملها في رقبته، وتتدلى إلى صدره أو يحملها بيده ويضرب عليها بعصا خاصة، وهو ينادي صاحب البيت باسمه يدعوه للاستيقاظ من أجل السحور ” وأضافت  ” ثم تطور مظهر المسحراتي على يد أهل مصر، حيث ابتكروا الطبلة ليحملها المسحراتي ليدق عليها بدلا من استخدام العصا هذه الطبلة كانت تسمى ” بازة ” وهي صغيرة الحجم، يدق عليها المسحراتي دقات منتظمة ثم تطورت مظاهر المهنة مرة أخرى، فاستعان المسحراتي بالطبلة الكبيرة التي يدق عليها أثناء تجوله بالأحياء وهو يشدو بأشعار شعبية وزجل خاص بهذه المناسبة ومن أشهر هذه الأشعار … اصحي يا نايم وحد الدايم وقول نويت بكرة إن حييت الشهر صايم والفجر قايم ورمضان كريم “

المسحراتي
المسحراتي

هذه الشخصية التي حملت مواصفات مشتركه لكل أصحاب المهنة كانت واحدة من أكثر الشخصيات الرمضانية قربا من الناس خاصة الأطفال الذين كانوا ينتظرونه كل مساء حاملين الفوانيس ليرددوا خلفه الأشعار ويرددون أغنية رمضان الشهيرة: «حالو يا حالو رمضان كريم يا حالو. فك الكيس وادينا بقشيش. يا تروح ما تجيش يا حالو “

المسحراتى ملهم الشعراء

واستطاعت شخصية المسحراتى أن تلهم شعراء عظام وموسيقيين كبار وتحولت تلك الشخصية بكل تفاصيلها إلى أيقونة فنية تتناقلها الأجيال وقدمت الإذاعة المصرية هذا المسحراتى بشكله أواخر الثلاثينيات، والذي كتبه محمد إسماعيل ولحنه أحمد شريف وتغني به مع المطربة  سميرة للمرة الأولى مساء الثلاثاء 11 رمضان في أكتوبر 1939، وفق ما ذكره دكتور نبيل حنفي محمود “الأغنية الرمضانية من الفاطميين إلى عصر الإذاعة “

واتخذت ألحان “المسحراتي” التي قدمتها الإذاعة منذ الثلاثينات وحتى عام 1954 اسمًا واحدًا وهو “المسحراتي”، وقدمها كل من: “عبد الفتاح شلبي – أحمد صبرة –عبد الحميد زكي”، “أحمد مخيمر لحن وغناء كارم محمود”، ” محمود بيرم التونسي – لحن وغناء محمد فوزي”، “إبراهيم رجب – محمد الموجي – محمد عبد المطلب “

وفى عام 1955 تم اسناد الكتابة إلى الشاعر محمود بيرم التونسي وتغير اسمها إلى “حكمة المسحراتي”، وشارك في تلحينها كل من: “عبد العظيم عبد الحق، وإسماعيل شبانة”، “عباس البليدي وأحمد عبد الله”، “سيد مكاوي وسيد إسماعيل ومحمد قنديل”.

فؤاد حداد .. الإمام

وجاء الإمام الكبير فؤاد حداد – امام شعراء العامية واصلهم الجامع كما وصفه عبد الرحمن الأبنودي فى احدى قصائده -في الستينيات طلبت الإذاعة المصرية من فؤاد حداد عمل حلقات المسحراتي وكتب حينها 31 حلقة للإذاعة وفي سنة 1968 كتب30  ، وبعدها في 1974 كتب 16 حلقة  ثم كتب عددا آخر من الحلقات التي وصل عددها إلى 111  ولكن ما يذاع حاليا هو مائة حلقة فقط .

لم يكن مسحراتى ” فؤاد حداد ” يهدف إلى إيقاظ النائمين لكي يتناولوا السحور بل كان يصرخ لكي تستيقظ أمة طال نعاسها وتخلفت بين الأمم وقد عبر عن صرخته الناعمة والحنونة بقدر كبير من الوعي بتفاصيل الشعب المصري وتراثه الغني ومكوناته المتعددة كان “حداد ” مثقفا موسوعيا وقارئا استثنائيا فى كل مجالات المعرفة بالإضافة إلى كل ذلك فقد كان شاعرا عظيما وصاحب موقف واضح ورؤية متكاملة

من بحـر يوسـف سـلام يوصل لبحـر السـين

لولاد رفاعه: محمد والسعيد وحســـــــــين

ولكــل مبعـــوث مناضـــل بالصــلا ع الزين

سيب اللى قاعد يفاضل بين الأدب والعلـــــم

درس الوطــن يا مهم أفضــل من الدرســــين

 ويقول أيضا:

«واكمنى ثاير.. بقول من فات قديمة تاه

 لا بد للحى يترحم على موتاه

واللي أتى بالجديد لولا القديم ما أتاه يا أمتاه..

 أنا ابنك ع الأثر ساير».

فؤاد حداد
فؤاد حداد

من قاعود إلى عمر الصاوى

فى عام 1985 رحل فؤاد حداد ليجد سيد مكاوي نفسه في مأزق ويقرر الاستعانة بصديق لحداد واحد أبنائه هو الشاعر ” فؤاد قاعود ” وهوأحد المنتمين لنفس المدرسة الفكرية للعم الكبير فؤاد حداد وكان له الحظ في أن يتغنى الشيخ إمام من أشعاره 17 أغنية من بينها “وهبت عمري ” و”مرمر زماني “

وقدم “مكاوي – قاعود ” المسحراتى بعد أضافة آلة وتم تصويره للتليفزيون وكتب له السيناريو” شهيرة سلام وعاطف أبوروح وجهاد حسين وأخرجه يحيى زكريا. وحافظ مكاوي على  نفس الدخول الذى كتبه حداد وعرف به المسحراتى

«”اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم وقول نويت بُكرة إن حييت الشهر صايم والفجر قايم اصحى يا نايم وحد الرزاق”

ليبدأ ما كتبه قاعود من المقطع الثاني

“كريم الأصل يظهر في الشدايد -وسنين العفاف عند الغنائم -يهم يطول ما يسأل عن فوايد لفعل الخير و … ومين كسبان إذا اتنصب الميزان كريم النفس ولا الألعبان اصحى يا نايم وحد الرزاق “

وقد أثارت تلك التجربة التي قدمها فؤاد قاعود غضبا واسعا سواء فى الأوساط الأدبية التي اعتبرت تجاهل ذكر اسم حداد صاحب ابيات الدخول تجنيا واضحا وإنكارا لحق شاعر كبير .

فى عام 1988 كلف التلفزيون المصري كلا من سيد مكاوي والشاعر “عمر الصاوي “الذي كتب ثلاثين حلقة قدمها التليفزيون وأعاد نشرها فيما بعد فى ديوان مطبوع الصاوي كان أيضًا من أبناء حداد وعاش بالقرب منه

” أدى اللي علمني البنا والغنا –  أبنى بيوت أحبابي طول السنة –  وأرجع أسحرهم في ليل رمضان – يا سلمة على سلمة مية  – عرقنا معلمة على الحيطان بتقول وكان يا ما كان البنايين في القاهرة بيبنوا وكل مين واخد وراه ابنه ع السقالات بيشيل وبيناول ويعلمه على المحبة يقاول يبنى معاه مدماك فوقه كمان مدماك ولما يعلوا القاعدة للشباك يقوله شوف يا ابنى “

جمال بخيت … مصر البهية

فى عام 1995 أقدم الشاعر “جمال بخيت ” على خوض التجربة من خلال إذاعة صوت العرب وقدم عشرة حلقات بصوت” لطفي بوشناق “

” مسحراتى العروبة حس الجبال والبوادي -حادي الجمال للخصوبة نويت أسحر بلادي “

وبعد سنوات يعود بخيت للمسحراتى ويغنى مع أحمد سعد ” مسحراتى يا مصراوي يدق قلبي. تسمعني هيه أبويا مدى البشر هدية وجدّى مدّى الحنان هوية وفوق سطوحي للحب غية يطير ويرجع يلاقيني طاير وحبيبتي واقفة في المشربية “

وفى عام 2010 يقرر التلفزيون انتاج حلقات جديدة من المسحراتى ويتم تكليف جمال بخيت بكتابتها ويسعى “بخيت “إلى اقناع عمار الشريعى الذي يرفض بقوة في البداية خوفا من المقارنة مع “فؤاد حداد وسيد مكاوي ” لكن جهود “بخيت تنجح بإقناع الشريعى ويبدأ العمل فى تسجيل مسحراتى “مصر البهية ” في مساجد المنطقة المحيطة بسيدنا الحسين وقام بارتداء القميص والبنطلون -مسحراتى كاجوال-في محاولة للاختلاف عن النموذج السائد والعالق في ذهن المشاهد “

 “مسحراتي مصر البهية، اصحى وصبّح رب البرية،

 مشيت أرتّل وأنشد وأجوّد

 وصوتي يجري بين النواصي. اصحى يا نايم “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock