رؤى

العمامة الثائرة.. الأزهر والموظفون

في ١٦ أبريل من عام ١٩١٩ شهد الجامع الأزهر اجتماعاً فريداً من نوعه٫ اذ لم يكن اجتماعاً لشأن خاص بالمؤسسة الدينية الأعرق  كما لم يكن اجتماعاً فقهياً او علمياً مرتبطاً بحلقات الدراسة المنتشرة في أروقة الجامع وحول اعمدته بل كان ببساطة اجتماعاً للموظفين.

ومن أجل فهم ذلك الاجتماع٫ ينبغي العودة إلى ما سبقه من أحداث٫ فمع قرار قوات الاحتلال الانجليزي نفي سعد زغلول ورفاقه من أعضاء ما عُرف لاحقاً باسم “الوفد المصري”، وفي مارس من عام ١٩١٩ اندلعت نيران الثورة في كافة أركان البلاد.

موقف وطني عظيم

ولجأت فئات اجتماعية عدة الى سلاح الإضراب كوسيلة للاحتجاج وإجبار المحتل على الخضوع لمطالب الجماهير٫ فكانت فئات بعينها سباقة الى إعلان الاضراب وفي مقدمتها المحامون وعمال عنابر السكة الحديدية وعمال الترام ما سبب حالة عامة من الجمود أربكت قوات الاحتلال.

وما كان لموظفي مصر أن يتأخروا عن نداء الواجب الوطني إذ ناداهم فأعلنوا الاضراب هم ايضاً٫ وأمام تزايد الغضب الشعبي في كافة أنحاء المحروسة والذي وصل الى حد الكفاح المسلح في بعض مناطق الوجه القبلي٫ لم يجد المحتل أمامه سوى مهادنة الثورة والإفراج عن سعد ورفاقه.

ورغم هذه المهادنة وتأليف حسين رشدي باشا لوزارة جديدة الا ان الموظفين استمروا في اضرابهم وذلك رغم مناشدة حكومة رشدي لهم بالعودة الى اعمالهم.

وفي مشهد تنظيمي بديع٫ كون الموظفون لجنة لتنظيم إضرابهم وتم اختيار أعضائها بالانتخاب وأعلنت اللجنة مطالبها وفي مقدمتها اعتراف الحكومة بالصفة التمثيلية للوفد وضرورة إعلانها رفض الحماية البريطانية وضرورة سحب القوات البريطانية المرابطة في الشوارع والمدن والقرى والتي ارتكبت جرائم بحق المتظاهرين السلميين.

مؤتمر شعبي .. وعصيان مدني

ولما لم يصل الموظفون إلى اتفاق مع حكومة رشدي وتم اتهامهم من قِبلها بأن اضرابهم لم يصدر عن رغبة شعبية عامة٫ لجأوا الى الأزهر وعقدوا في رحابه مؤتمراً شعبياً حاشداً للتأكيد على الطابع الجامع لإضرابهم وأنه جزء من ثورة الشعب المصري ككل.

احتوى الأزهر الموظفين ومؤتمرهم كما احتوى المتظاهرين من قبل وكما كان ساحة للخطباء الذين ألهبت خطبهم حماس هؤلاء المتظاهرين٫ وانعقد المؤتمر برئاسة الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية وشهد حضور ممثلين عن كافة أطياف الشعب وأضرب في الوقت ذاته التجار وأصحاب المهن والحرف.

وكان قرار المجتمعين بضرورة تأييد الموظفين في إضرابهم بل وذهب المجتمعون إلى ما هو أبعد من ذلك حيث قرروا جميعاً الاضراب تضامناً معهم حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم.

وكان اثر اجتماع الأزهر مدوياً حيث استجاب الجميع لقرار الإضراب بما في ذلك عمال النظافة واضطرت قوات الاحتلال الى الاستعانة بالمساجين للقيام بأعمالهم.

وتحول الوضع إلى إضراب عام وما يمكن تسميته بعصيان مدني حيث باتت الحياة في العاصمة المصرية القاهرة  منقطعة ومتوقفة  وبات الإغلاق هو السمة الغالبة على الدكاكين والمحلات وحتى المصالح الحكومية المختلفة بسبب هذا الإضراب الذي لم يعد وقفاً او حكراً على فئة بعينها بل شمل الجميع.

ومع تصاعد الإضراب اضطرت وزارة رشدي باشا الى الاستقالة في ٢١ أبريل حيث لم تستطع ايجاد حل  لإضراب الموظفين الذي زادت  رقعته خاصة بعد مؤتمر الأزهر وبعد التضامن الشعبي – والعمالي بالذات – معهم ومع اضرابهم.

ورغم عودة الموظفين إلى أعمالهم في نهاية الأمر في الخامس والعشرين من الشهر ذاته إلا أن مؤتمر الأزهر ظل محفوراً في ذاكرة كل من الجامع الشريف والشعب المصري باعتباره يوماً تضامنت فيه كافة فئات الشعب مع بعضها البعض واجتمعت على مطالب وطنية جامعة ومشروعة.

المصادر: عبد الرحمن الرافعي – “ثورة ١٩١٩”- دار المعارف- القاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock