ثقافة

يوتوبيا أحمد خالد توفيق الخالدة.. بين الحقيقة والأساطير (2-2)

وتتواصل الرحلة مع هذه القراءة لرواية أحمد خالد توفيق الشهيرة “يوتوبيا” التي  صنع خلالها  مدينة أسطورية حالمة في الساحل الشمالي يسكنها الأثرياء ورجال الأعمال وأصحاب الجاه والنفوذ  ولا يهم شباب هذه المدينة من أبناء الأثرياء سوى الاستغراق في المتع .. فيما ينظرون نظرة دونية محتقِرة  للآخرين الذين يعيشون خارج “يوتوبيا” فلنواصل الإبحار في الرواية

اذا كان شباب ” يوتوبيا ” عَلى هذا النحو البائس  من الفراغ والضياع ، ووصلوا الى حد الثُمالة في كل ما هو مُزري ومُخزي ، فماذا بّقيّ لهم من الإجرام لكي يمارسوه ؟؟

” القتل ” لا سواه !!

ولكن من يقتلون ؟؟

عَلى طريقة أفلام رعاة البقر الأمريكية ، يقوم ” الصياد” بإصطياد ” الفريسة ” ولكن الأداة هنا هي طائرات الهليوكبتر العملاقة التي يقودها جنود المارينز ، لا  تلك الجياد القوية التي يمتطيها اليانكي الأمريكي مُلاحقاً الهنود الحُمر في سنوات القرن الثامن عشر من الميلاد في صحاري نيڤادا أو الغرب الأمريكي !!

و المارينز لا يمنحون أسلحتهم لأحد من سادة ” يوتوبيا ” فمهما علت ثرواتهم وتضخمت فليسوا موضعاً لثقة أو ذرة من احترام من هذا السيد الجديد !!

الأغيار

فماذا عساه أن يفعل هؤلاء الشباب الباحث عن الرذيلة التي تصل الى حد القتل عند افتقاده تلك الوسيلة التي يملكها جنود المارينز  !!

تلك الوسيلة هي التنكر في زي وملابس الخدم والعبيد الذين يأتون الى ” يوتوبيا ” في الصباح ويغادرونها قبل حلول المساء ، وذلك بغرض الذهاب الى حيث يعيش من أسماهم ” أحمد خالد توفيق ” ب ” الأغيار ” أي هؤلاء العبيد ، والذين يقيمون عَلى خدمة السادة الحُكّامْ  ورجال المال والأعمال ، قاطني ومُلاك ” يوتوبيا ” !!

هنا لا أعرف إن كان ” أحمد خالد توفيق ” ماذا يقصد بتسمية كل من يعيش خارج ” يوتوبيا ” باسم ” الأغيار ” !!

ف ” الأغيار ” في التراث التوراتي والصهيوني هم كل من ينتمي الى أي جنس بشري خارج الديانة اليهودية ، ومن ثم يُستحل دمه وأمواله وكل ما يملك ، هم ” فريسة ” لكل ” صياد ” شرط أن يكون هذا ، الصياد ،  يهودياً وصهيونياً !!

أيًا كانت الإجابة عَلى هذا التساؤل ، وإن كان مقصوداً أم لا  ف” الأغيار ” هنا هم  عموم الناس الذين باتوا عشرات الملايين من الجهلة والمتسولين ومحترفي الدعارة وبائعي كل ماهو مغشوش والمتاجرين في الأعراض ، وخّرٍبي الذمم !!

أنواع من البشر لا يتصورها أحد عَلى هذه الدرجة من الضياع حتى يُهيئ لقارئ هذه الرواية الغريبة، أن الحشرات والكلاب أعلى مّقاماً وأكثر كرماً من هؤلاء البشر !!

ولكي يُمرر ” أحمد خالد توفيق ” هذه الفرية وتلك الأعجوبة الغريبة ، بل والمريضة  من الخيال ، يجعل زمن الرواية هو ذلك العقد الذي يأتي ما بعد العام ٢٠٢٠ أو نحو ذلك ، أو أكثر ، مع الأخذ في الإعتبار أن تاريخ صدور هذه الرواية هو العام ٢٠٠٨ !!

ف ” الأغيار ” نعرفهم عندما يقرر الشاب ” علاء ” وصديقته ” جرمينال وهما من  ” أبناء ” يوتوبيا ” الخروج من مملكتهما الى حيث يعيش هؤلاء ” الأغيار ” بهدف اقتناص واحد منهم أو واحدة منهن وقتلها والتمثيل بجثمانها عَلى نحو مايفعل رُعاة البقر الأمريكان في اصطياد فريستهم من الهنود الحمر !!

فنجد ” أحمد خالد توفيق ” عَلى لسان هذا الشاب ، يصف معيشتهم وحياتهم بشكل بائس وسودواي وتشاؤمي ، يصف تجمعاتهم وأماكن حياتهم فهي عشرات من الحواري وبعض زقاق تلك المناطق العشوائية ، ويصل به الخيال الى الحد الذي يجعل من مترو الأنفاق ، أحد نماذج التحضر  والحداثة في عاصمة البلاد ، بقايا خرائب وتّجمُع لكل النفايات بعد تعطل القطارات وتهدم المحطات وحلول الظلام ، وبات قلعة لعُتاة المجرمين وسفلة البشر ، والكلاب والقطط وتلال من النفايات البشرية !!

الهروب من الواقع

ولكي يُضفي ” أحمد خالد توفيق ” بعضاً من مسحة تقدمية عَلى هذا البؤس الذي يفوق كل خيال ، نجده يلجأ الى بعض من أبيات قصيدة من شعر ” عبدالرحمن الأبنودي ” لكي يُعطي لنا تصوراً بأن ما يحدث في مصر خلال تلك السنوات ، أي العقد الذي يُفتتح بالعام ٢٠٢٠ من القرن الحالي ، هو صراع طبقي ، فينقل عن شاعرنا الكبير تلك الأبيات :

” احنا شعبين ، شعبين ، شعبين .

شوف الأول فين والتاني فين ؟

وآدي الخط ما بين الاتنين بيفوت .

انتم بعتوا الأرض بفاسها .. بناسها .

في ميدان الدنيا فكيتوا لٍباسها .

بانت وش وضهر …

بطن وصدر ..

والريحة سبقت طلعة أنفاسها .

واحنا ولاد  الكلب الشعب .

احنا بتوع الأجمل وطريقه الصعب .

والضرب ببوز الجزمة وبسن الكعب .

والموت في الحرب …”

غير أن هذه الأبيات المُعبرة عن شاعر مُستنير وتقدمي ، لا تمنح ” أحمد خالد توفيق ” صّك البراءة مما تخيله صراعاً طبقياً ، فالصراع الطبقي هو مُشتق من أسمه ، فهو حقيقة من حقائق التاريخ ، ولكنه يكتسب أسمه ومحتواه من ذلك الصراع بين قوى أجتماعية حقيقية ، بين الطبقة العاملة والرأسماليين المُستغلين ، بين الفلاحين المقهورين والإقطاعيين المٌستبدين ، بين البرجوازية الصغيرة وتلك التحالفات البرجوازية الكبيرة ..

وليس كما يتخيل ” أحمد خالد توفيق ” صراعاً ما بين سكان ” يوتوبيا ” وتلك الجموع الهائلة من بقايا بشر جاءت الكلاب في روايته أكرم منهم وأعز مقاماً !!

أخطاء كثيرة وقع فيها هذا المؤلف يضيق المجال عن حصرها ، فهو مع فكرته التي يحاول فيها أن يهرب من تجسيد الواقع المُعاش فيلجأ الى سنوات لاحقة وليست راهنة ، فهو يتحدث عن سنوات ما بعد العام ٢٠٢٠ أو أكثر قليلاً كما سبق أن أسلفت ، ولكنه يستند للدلالة عَلى صحة تصوره الى احصائيات صادرة عن وزارة الداخلية أو الجهاز المركزي للمُحاسبات أو مُقتطفات من بعض الصحف أو شهادة للدكتور ” أحمد عكاشة ” أستاذ علم النفس الكبير ، وجميعها تأتي  في تواريخ صادرة في السنوات الأولى من القرن الحالي لكي يُطابق بها زمن من اختراعة ، هو العقد الثالث من ذات القرن !!

فكيف يجتمع هذا مع ذاك ، والفجوة الزمنية بينهما نحو ربع قرن !! ؟؟

البناء المعماري لتلك الرواية لا يخلو من نقد ، فتلك المدينة الأسطورية الحالمة ” يوتوبيا ” لا يوجد من يُمّثلها في هذا السردْ والقّصْ !!

فهي تُختزل عند ” أحمد خالد توفيق ” في ذلكً الشاب الضائع ” علاء ”  وصديقته الضائعة ” جرمينال ” !!

أين أصحاب المليارات ، وأين أصحاب النفوذ والشركات ، أين تحالفات الأقوياء دفاعاً عن مصالحهم ؟؟

بدون هذا التجسيد والبناء الروائي المتين ” لا صراع طبقي ولا يحزنون ” !!

فالرواية في مُجملها هي محاولة مُفتعلة لتوهم حال مصر بعد قليل من السنوات ، فزمان صدورها هو سنة ٢٠٠٨ ، وتّخيل وقوع أحداثها والمآل المُروّع الذي تّتّردى فيه مصر ، لا قدر الله ، هي سنوات الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن الحالي ، أي نحن وفق هذا التصور التّخيُلي المُؤسف والبائس عَلى بُعد بضع سنوات !!

أجد نفسي إزاء ما وصلت اليه في هذه الرواية من تحليل ورؤية قد أكون مُخطئاً فيها ، سوى الوقوف عند ذلك التحذير المُلتبس الذي أراد فيه ” أحمد خالد توفيق ” أن يُخبرنا بما هو مُقدم عليه من سّرد وحكي ، فهو يقول تلك الكلمات في الصفحة الخامسة من روايته :

” يوتوبيا المذكورة هنا موضع تّخيلي ، وكذلك الشخصيات التي تعيش فيها ومن حولها ، وإن كان المؤلف ، يُدرك يقيناً أن هذا المكان سيكون موجوداً عما قريب . أي تّشابه للمكان والشخصيات مع أماكن في الواقع الحالي هو مّحض مُصادفة غير مقصودة ” ..

كلمات كما هو واضح ، وكما سبق أن أشرت تجمع ما بين النقيضين ، هل ما تقوله هو خيال مّحض ، أما حقائق دامغة ؟؟

وبرغم ذلك ، فلا يجوز  عَلى ” أحمد خالد توفيق ” سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة ، فبرغم عدم معرفتي الشخصية والإنسانية به للأسف ، فثمة اتفاق عام على نٌبل شخصيته ودماثة خلقه وتواضعه الجّمْ ، فضلاً. عن ابداعه الذي أتمنى أن تكون بعض من رواياته الأخرى أفضل حالاً من تلك ال ” يوتوبيا ” التي حاولت أن أبحث عن بعض أوجه الجمال فيها ، فلم أجد ، رغم شهرتها وترجمتها الى أكثر من لغة !!

ففي ظني أنها ليست عنواناً مٌناسباً لمؤلفها ، وليست تعبيراً عن مصر الواقع ولا الزمن القادم ، هي رواية ظلمت صاحبها ، وأساءت الى وطنه أبلغ إساءة !! …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock