رؤى

المشايخ.. نخبة استعادة الدولة.. ظهور النخبة والثورة والدولة (3 – 5)

الصراع على مصر 1800 – 1805

التحالف التركي الإنجليزي المملوكي وجلاء الحملة الفرنسية

عادت السلطة للفرنسيين بعد إخماد ثورة القاهرة. كان نابليون قد اضطرته ظروف فرنسا للرحيل في 22 أغسطس 1799وترك الجنرال كليبر ليحل محله. لكن سليمان الحلبي اغتال كليبر في يوم 14 يونيه1800م. حيث كلفه بذلك ضابط في الجيش العثماني اسمه أحمد أغا، الذي شكا إليه  سليمان مظالم إبراهيم باشا والي حلب الذي يرهق أباه التاجر الحلبي بالغرامات، فوعده أحمد أغا بمساعدته وإنصاف والده،  في مقابل  أن يسافر إلى مصر ويغتال قائد الجيش الفرنسي. وكان هذا الحادث بعد رجوع الجيش العثماني منهزماً إلى سوريا. فتولى قيادة الجيش الفرنسي بعده جاك فرانسوا مينو الذي أشهر اسلامه، وتزوج مسلمة وسُمِّى عبد الله مينو. .

كانت الحكومة الإنجليزية تحرض تركيا على محاربة فرنسا وإجلائها عن مصر، ولم تكن ترمي إلى إجلاء الفرنسيين عنها فحسب، بل أخذت تنتهز الفرص لاحتلالها وتثبيت أقدامها فيها. وكانت مهمة إنجلترا في الحملة العثمانية الأولى مقصورة على معاونتها بأساطيلها في البحر المتوسط، ولكن هزيمة العثمانيين في موقعة عين شمس جعلت  انجلترا  تفكر في الدخول إلى ميدان القتال براً، وإعداد جيش إنجليزي يشترك مع الجيش العثماني في الزحف على مصر. وقد استغرق إعداد الحملة المشتركة بين إنجلترا وتركيا ووصولها إلى مصر عدة أشهر. وفي يوم 12 مارس تقدم الإنجليز قاصدين المندرة، فانسحب الفرنسيون وواصلوا تقهقرهم حتى أطلال قلعة قيصر (كامب شيزار) Camp de Cesar وتحصنوا بها. وواصل الانجليز تقدمهم إلى أن اقتربوا من موقع الفرنسيين، فدارت معركة شديدة بين الفريقين يوم 13 مارس 1801م سميت معركة سيدي جابر، لأنها وقعت بجانب المسجد المعروف وانتهت بهزيمة الفرنسيين. كما وقعت موقعة كانوب شرق باب رشيد بالقرية المعرفة الآن بمحطة النزهة، في 21 مارس 1801 انهزم فيها الفرنسيون أيضاً. أما الجيش العثماني القادم من سوريا بقيادة يوسف باشا ضيا الصدر الأعظم، فقد تحرك من العريش خلال شهر أبريل وتابع سيره دون مقاومة، وأخلى الفرنسيون الصالحية وبلبيس دون مقاومة. ولما وصل الجيش العثماني إلى الزوامل بين الخانكة وبلبيس، وفي يوم 16 مايو دارت معركة بدأت بانتصار الفرنسيين وانتهت بهزيمتهم وتراجعهم إلى القاهرة.

معركة سيدي جابر
معركة سيدي جابر

وبينما كان الجيش الإنجليزي التركي يتأهب للهجوم على مواقع الفرنسيين في القاهرة هجوماً، وصل مندوب من الجنرال بليار إلى المعسكر الإنجليزي يوم 22 يونية 1801م بطلب وقف القتال وفتح باب المفاوضات على قاعدة الجلاء، واستمرت هذه المفاوضات  حتى توقيع اتفاقية الجلاء في 27 يونية 1801م. وغادر الفرنسيون الإسكندرية في 18 أكتوبر 1801م.

جلسة الديوان الأخيرة

في آخر جلسة للديوان – الذي أسسه نابليون وتعطل عدة مرات – انعقدت يوم 6 يوليه 1801م، حضرها المشايخ والتجار ومسيو استيف Esteve  مدير الشؤون المالية ومسيو جيرار والترجمان روفائيل، وكانت هذه جلسة الوداع، أظهر  الفرنسيون تلطفاً كبيراً مع الأعضاء وجاملهم الأعضاء في جوابهم. ومن ضمن ما جاء في الاجتماع خطبة طويلة لمسيو استيف “أعرب فيها عن نيات نابليون الحسنة نحو البلاد وأهلها، وأعرب  عن  أمله في أن تدرك الدولة العثمانية التي استرسلت في  تحالفها مع انجلترا ، أن فرنسا لم تكن تقصد من الحملة الفرنسية إلا محاربة الإنجليز وإحباط مساعيهم في السيطرة على البحار واحتكار متاجر العالم”.

صراع الأتراك والإنجليز والمماليك

جلا الفرنسيون عن مصر بعد احتلال دام ثلاثة أعوام وشهرين، فتنازع السلطة في البلاد ثلاث قوى مختلفة المصالح والأهداف، اتحدت وقتاً على محاربة الفرنسيين، ولما تم الجلاء بدأت كل قوة تعمل على تحقيق أطماعها الخاصة في مصر. هذه القوى الثلاث هي الأتراك والإنجليز والمماليك.

فقد تطلعت تركيا إلى بسط حكمها المطلق في مصر، بحجة أنها فتحتها بحد السيف، وأرادت أن تجعل منها ولاية أو عدة ولايات تحكمها كما تحكم ولايات السلطنة العثمانية بولاتها. لذلك استقر عزمها على محاربة المماليك والقضاء عليهم، حتى لا ينازعوها سلطة الحكم في البلاد. وكانت إنجلترا تطمع في أن تبسط نفوذها في وادي النيل وتحتل بعض المواقع المهمة على شواطئه في البحر المتوسط والبحر الأحمر، لتضمن لنفسها السيادة في البحار وتراقب طريقها إلى الهند. أما المماليك فقد كانوا يطمعون بعد انتهاء الحملة الفرنسية في استعادة حكمهم في مصر، مستندين إلى معونة إنجلترا في تحقيق أطماعهم. وكانت مصلحة إنجلترا في انتشار الفوضى والمظالم في البلاد سبيلا لاحتلالها والتدخل في شؤونها. من أجل ذلك توثقت عرى المودة بين المماليك والإنجليز. على أن المماليك تضعضعت قوتهم وقلت أعدادهم، وتحطمت شوكتهم في المعارك التي قامت بينهم وبين الفرنسيين خلال الحملة الفرنسية. بجانب التنافس القديم وتزايد الانقسام فيما بينهم. وأخذت القوى الثلاث ترقب بعضها بعضاً مدة شهرين تتحين الفرصة لتحقيق أطماعها.

المماليك في مصر
المماليك في مصر

خسرو باشا – طاهر باشا – أحمد باشا – علي باشا الجزائرلي

في خلال هذه المدة ظلت القوة التركية التي تتكون من يوسف باشا ضيا الصدر الأعظم في معسكره في القاهرة، ومن حسين باشا قبطان قائد الأسطول العثماني في الإسكندرية. وتقلد محمد خسرو باشا كأول والي عثماني لولاية مصر بعد جلاء الفرنسيين.

وكان كل من الصدر الأعظم وحسين باشا قبطان يتظاهران بالود للمماليك، وفي نفس الوقت يعملان على بث الانقسام بينهم والتآمر عليهم الأول في القاهرة والثاني في الإسكندرية، فاتفقا على أن يدعو كل منهما  فريقاً من زعماء المماليك إلى الاجتماع به بحجة تكريمهم وتقليدهم سلطة الحكم في البلاد. لكن الجنرال الإنجليزي هتشنسون قائد الحملة الانجليزية أحبط خططهما وتهيأ لحربهما، فتحرج مركز حسين باشا قبطان وسافر من أبو قير إلى الأستانة في أواخر نوفمبر 1801.

جمع المماليك شملهم، واجتمع زعماؤهم الذين نجوا من مؤامرة الإسكندرية، بالذين نجوا من مؤامرة القاهرة، وبقوا في الجيزة يعدون العدة لقتال الأتراك، وينتظرون المدد والعون من الانجليز. على أن السياسة الإنجليزية اقتضت أن تتظاهر مؤقتاً بالحياد وتدخرهم لوقت آخر، ذلك أن فرنسا أخذت تتقرب من الباب العالي بعد جلاء جيشها عن مصر. فرأى المماليك أن ينتظروا إلى أن تحين فرصة جديدة تساعدهم فيها الحكومة الإنجليزية، فانتقلوا في أواخر يناير عام 1802م إلى الصعيد لينظموا قواتهم لقتال الأتراك، واعتزم  يوسف باشا ضيا الصدر الأعظم الرحيل للأستانة، فاستدعى محمد خسرو باشا ليسلمه زمام الحكم قبل ارتحاله، فحضر إلى القاهرة في 21 يناير 1802م.

محمد خسرو باشا
محمد خسرو باشا

  ولما وجد المماليك أن الانجليز تخلوا عن حمايتهم، وتركوهم لأعدائهم الأتراك، اتجهوا نحو فرنسا، ولكن نابليون لم يعرهم اهتماماً. وفي 27 مارس 1802 أُبرم صلح أميان Amiens بين فرنسا، وإنجلترا وهولندا، وإسبانيا. ومن شروطه جلاء الإنجليز عن مصر، لكنهم رغم عهودهم أخذوا يماطلون في الجلاء، ويعتمدون على المماليك في إطالة أجل احتلالهم.

أخذ مركز خسرو باشا يبدو وطيدا في مصر وزاد في ثباته أن الحكومة الإنجليزية أرسلت إلى الجيش المرابط في الجيزة تأمره بالعودة إلى الهند، فانسحب الجيش الانجليز من معسكره في مايو 1802م، وسلم الجيزة إلى خسرو ومضى إلى السويس في أوائل يونية، ولم يبق من جيش الاحتلال الإنجليزي في مصر سوى القوة المرابطة بالإسكندرية.

كان خسرو يعتمد في سلطته على الجيش التركي المؤلف من نحو سبعة عشر ألف مقاتل موزعين بين العاصمة والبنادر المهمة، ومعظمهم من الجنود الألبان (الأرناؤوط) ومن رؤسائهم طاهر باشا وحسن باشا ومحمد على باشا. فبدأ خسرو بتجريد حملة على المماليك بقيادة حسن باشا في الصعيد للقضاء عليهم، فلما علموا بزحف الجيش العثماني على الصعيد، أرسلوا إلى خسرو يطلبون وقف القتال لمدة خمسة أشهر، ريثما يعرضون الأمر على الباب العالي ليؤكدوا إخلاصهم له. فأجابهم بأن لا كلام بينهم وبينه إلا أن يحضروا إلى مصر ويظهروا خضوعهم. فكان  رده  إذلالاً لزعماء المماليك، فنسوا خلافاتهم واتحدوا على قتال الأتراك، والتقوا بهم في سبتمبر 1802 في قرية بمديرية قنا، وانتصر المماليك  وقتلوا قائد الأتراك  واستولوا على مدافعهم. في أثناء ذلك تغير موقف الإنجليز في مصر وعادوا إلى خطتهم الأولى في معاونة المماليك، فقد عقدت الحكومة الفرنسية مع تركيا اتفاقية صلح صدق عليه السلطان في 25 أغسطس1802م، فساءها ذلك التقارب بين الدولتين فعادت تدس لتركيا باستخدام المماليك، وعينت الجنرال ستيوارت قائداً للقوات البريطانية. فسعى ستيوارت لدى حكومة الأستانة ثم لدى خسرو باشا، في أن يعيد للمماليك امتيازاتهم في الحكم، لكن مساعيه رفضت.

زحف المماليك على الوجه البحري، اعتماداً على وجود الجيش الإنجليزي المرابط في الإسكندرية، وواصلوا زحفهم إلى مديرية البحيرة، فجرد خسرو جيشين أولهما بقيادة يوسف كتخدا، والآخر بقيادة محمد على. فانتصر المماليك بقيادة عثمان بك البرديسي في يوم 20 نوفمبر 1802 انتصارا حاسماً مع قلة عدد رجاله بالنسبة لعدد الجنود العثمانية، وفقد الجيش العثماني نحو خمسة آلاف بين قتيل وأسير، واستولى المماليك على مدافع الجيش العثماني وذخيرته.

وبينما كان جيش محمد على مقربة من الواقعة إلا أنه لم يحرك ساكناً لنجدة يوسف كتخدا قائد الجيش الآخر. ذلك أنه رأى من مصلحته أن يدع الأتراك والمماليك يتطاحنان.

محمد علي باشا
محمد علي باشا

 من جهة أخرى أرسل نابليون الكولونيل سباستياني Sebastiani في رحلة سياسية إلى تركيا ومصر سنة 1802، ليتعرف على نوايا الإنجليز ويدرس الحالة في مصر. فجاء سباستياني إلى الإسكندرية في أكتوبر 1802م وطالب  الجنرال ستيوارت قائد القوات البريطانية بالجلاء لكنه وجد الانجليز غير مكترثين لعهودهم. ولما علم المصريون أن الكولونيل سباستياني قادم ليستعجل جلاء الإنجليز عن البلاد، قابله كبراؤهم وعلماؤهم بالحفاوة والتكريم، وقد ذكر ذلك في تقريره لنابليون بعد عودته، وذكر أسماء الذين قابلهم وهم: السيد عمر مكرم والسيد محمد السادات والشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد المسيري والسيد أحمد المحروقي.

وكذلك قوبل من خسرو باشا لأن العلاقات بين تركيا وانجلترا اعتراها الفتور، لتلكؤ الإنجليز في الجلاء، ومعاونتهم المماليك، واتجه الباب العالي لمصادقة فرنسا.  وأخذ نابليون يطالب انجلترا بالجلاء عن مصر، حتى اضطرت أن تجلو وأرسلت أوامرها بذلك إلى الجنرال ستيوارت. فأبلغ ستيوارت المماليك أوامر حكومته بجلاء الجنود الانجليز عن مصر فوقع عليهم الخبر كالصاعقة. وسافر بصحبتهم محمد بك الألفي ليبرهن للحكومة الإنجليزية على سهولة الاستيلاء على مصر واستغلالها سياسياً واقتصادياً. وقد جلا الانجليز عن الإسكندرية في 17 ابريل 1803م. وصار الأتراك أصحاب السيطرة على الإسكندرية، فأصبحت خطراً على المماليك، بعدما كانت ملجأ لهم مدة الاحتلال البريطاني، ولم يطمئنوا إلى مقامهم بالبحيرة رغم انتصارهم في دمنهور، فانسحبوا بقيادة عثمان بك البرديسي إلى الصعيد، حيث كان الجيش التركي محتلا بعض البنادر، فهاجم البرديسي المنيا واحتلها. وكان لاحتلال المنيا أثر كبير في سير القتال، لأنه جعل الملاحة في النيل تحت رحمة المماليك، واستطاعوا أن يمنعوا وصول الغلال من الصعيد  إلى القاهرة والوجه البحري. فهال خسرو باشا استيلاء المماليك على المنيا، وعزم على تجريد جيش يحاربهم، فاستدعى قوات طاهر باشا ومحمد على فوصل الجيشان إلى القاهرة، ودخل جنود طاهر باشا المدينة، وبقي جنود محمد على في ضواحيها.

رأى محمد على أن الفرصة سانحة للتخلص من خسرو باشا، فأوعز هو وطاهر إلى الجنود بالمطالبة برواتبهم المتأخرة، فذهب مجموعة من رؤساء الجند للمطالبة برواتبهم المتأخرة في 23 ابريل 1803م، فوُعِد الجنود بدفع رواتبهم بعد ستة أيام فلما انقضت دون تنفيذ، عادوا في 29 ابريل 1803م، وعندما عاد الجند يطالبون فكان جواب الباشا أن أمر بضرب النار بالمدافع من القلعة، فجاء إليه طاهر باشا يتظاهر بالوساطة بينه وبين الجند فرفض خسرو باشا مقابلته وأمره أن يلزم داره، واستمر القتال بين الجند المتمردين والعسكر الموالين للوالي حتى اليوم التالي، وتمكن طاهر باشا وجنوده من الاستيلاء على القلعة، وأخذوا يضربون قصر خسرو بالمدافع، فأضطر إلى أن يلوذ بالهرب هو وعائلته وحاشيته وباقي جنوده إلى أن وصل دمياط واستقر بها.  ثم قبض عليه وأرسل للقاهرة سجيناً في القلعة، وانتهت ولايته ومدتها نحو سنة وأربعة أشهر.

  في مساء 6 مايو 1803م اجتمع المشايخ في بيت القاضي وذهبوا في صحبته إلى بيت طاهر باشا وأعلنوه باختياره قائمقام إلى تحضر له الولاية أو يعين وال آخر. وطلبوا منه رفع المظالم التي كان الناس يشكون منها، كما عرض المشايخ رسالة من البكوات المماليك في الوجه القبلي، كانوا قد أرسلوها للمشايخ للتوسط في الصلح، قبل حدوث الفتنة العسكرية، التي انتهت بخلع خسرو باشا، فقبلها وكتب لهم يدعوهم للحضور والاقتراب من القاهرة.

ظهرت للمشايخ بهذا التعيين سلطة رسمية، وإن كانت في الواقع إسمية، لأن طاهر باشا إنما وصل للقائم قامية بحد السيف. لكن مجرد استشعاره بضرورة اتفاق العلماء على اختياره، هو تسليم منه بأن لهم شأنا في حل الأزمات. كما أن تدخلهم في الوساطة بين المماليك والوالي أكسبهم نفوذاً على الفريقين.

على أن طاهر باشا لم يدم له الأمر، فقد اشتهر بالظلم والجبروت، وأطلق لجنوده الألبان عنان السلب والنهب. وظهر تحيزه للأرناؤوط الألبان وتحامله على الإنكشارية. فلما كان يوم 26 مايو 1803م ذهبت جماعة منهم يبلغ عددها نحو 250 في أسلحتهم إلى طاهر باشا، وكلموه في الشكوى من تأخير رواتبهم، فنهرهم ورفض أن يسمع إلى شكواهم، فجرد أحدهم سيفه وضرب رأس طاهر باشا فقطعها وألقاها من الشباك، وأحرقوا دار طاهر باشا. فعادت السلطة مؤقتاً للإنكشارية. ورأوا أن يبادروا إلى تعيين وال منهم يخلف طاهر باشا ليضعوا المماليك ومحمد على أمام الأمر الواقع، فوقع اختيارهم على أحمد باشا والي المدينة المنورة، وكان وقتئذ بالقاهرة. وأرسل يستميل إليه محمد على الذي احتل القلعة، وأصبح بعد موت طاهر باشا قائد الجنود الألبان وعددهم 4000 مقاتل. كان محمد على متظاهراً بالحيدة أثناء ولاية طاهر باشا، فلما عين الإنكشارية أحمد باشا صمم على الخروج من حيدته والتحالف مع المماليك.

أراد أحمد باشا أن يستميل العلماء ويستخدم نفوذهم لتثبيت مركزه، وإقناع محمد على بقبول ولايته. فأحضرهم وطلب أن يذهبوا لمحمد علي ويخاطبوه في الإذعان للطاعة. فذهبوا إليه وخاطبوه في ذلك، فأجاب بـأن أحمد باشا ليس والياً على مصر، وإنما هو والي المدينة المنورة وليس له علاقة بمصر. وقال إني أنا الذي وليت طاهر باشا لكونه محافظ الديار المصرية من طرف الدولة. أما أحمد باشا فيجب أن يخرج من البلد ويأخذ معه الإنكشارية ونجهزه ويسافر إلى ولايته. فقام العلماء على ذلك، وطلب أحمد باشا منهم أن يأمروا الرعية بالقيام على الألبانيين وقتلهم، فلم يجيبوه إلى طلبه، وقاموا من عنده ليتشاوروا في الأمر، فطلب منهم أن يبقوا عنده وأن يرسلوا للناس بما أمرهم به، فقالوا: “إن عادتنا أن يكون جلوسنا في المهمات بالجامع الأزهر نجتمع به ونرسل إلى الرعية فإنهم عند ذلك لا يخالفوننا” وخرجوا من عنده.

أما محمد على فقد جاهر بتحالفه مع المماليك، واجتمع بإبراهيم بك في الجيزة، وأوهمه أنه أولى الناس بولاية مصر، فدخل محمد على وإبراهيم بك وعثمان بك البرديسي وباقي زعماء المماليك متحالفين وطردوا أحمد باشا، فكانت مدة ولايته يوما واحد، وقتلوا إسماعيل أغا وموسى أغا قتلة طاهر باشا. واتفق محمد على وإبراهيم وعثمان البرديسي على التخلص من الأتراك، فحاصر أتباعهم قلعة جامع الظاهر التي كان الإنكشارية يقيمون بها وأخرجوهم ونزعوا أسلحتهم وطردوهم من القاهرة.

علمت الحكومة العثمانية بعزل خسرو باشا وفراره إلى دمياط، ودخول البكوات المماليك القاهرة، فهالها ما أصاب هيبتها، وعزمت على استرداد سلطتها، فعينت علي باشا الجزائرلي والياً على مصر بدلاً من خسرو باشا. فجاء على باشا الجزائري إلى الإسكندرية في يوليه 1803م ومعه قوة من ألف جندي، وكانت هذه القوة أضعف من أن توطد سلطته في البلاد. فأخذ يكاتب البكوات المماليك ويدعوهم للولاء لحكومة الأستانة، ويلومهم على ما فعلوه من دخول القاهرة، وطرد الأتراك والإنكشارية منها، فأجابه إبراهيم بك، بأن المماليك لم يدخلوا المدينة إلا بناء على دعوة المشايخ والعلماء لوضع حد للفوضى التي عصفت بها، وأنهم يرفضون الخروج من مصر ويصرون على البقاء فيها. وحتى لا يسير الوالي الجديد إلى القاهرة، سار البرديسي بجنوده صحبة محمد علي إلى رشيد ليستردوها من يد الأتراك الذين يتحصنون في قلعتها بقيادة السيد علي القبطان  ، حتى سلمها الأتراك في أغسطس 1803م.

لم يوافق محمد على البرديسي في الزحف إلى الإسكندرية، حيث رأى أن استيلاء المماليك عليها يؤيد سلطانهم، ويحول دون تنفيذ برنامجه، وأن بقاء الإسكندرية في يد الوالي التركي لا يضره في شيء لأن سلطته مزعزعة، لا تحتاج إلى مجهود كبير للتخلص منها، وتظاهر للبرديسي بأن لجنوده رواتب متأخرة لم تدفع لهم، فرجع البرديسي عن زحفه على الإسكندرية وعاد للقاهرة في سبتمبر 1803م. أما علي باشا الجزائرلي  فقد بقي بالإسكندرية إلى أواخر عام 1803م، ثم غادرها إلى القاهرة ليتقلد منصب الولاية، ولكنه منع في الطرق وقتل في يناير 1804م.

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock