ثقافة

«الزوجة المكسيكية» تبعث الحياة في «البيضاء» (2)

في وقتنا الحالي ،   وبعد عقدين من القرن الراهن، لا سبيل لإحياء عمل إبداعي مثل رواية ” البيضاء ” للدكتور ” يوسف ادريس ” والتي نُشرت على حلقات في في مطلع ستينيات القرن الماضي ، سوى اللجوء الى حيلة إبداعية لوضع ما فات في إطار زمن راهن وعصر قائم.

العودة إلى الماضي

كان على ” ايمان يحيي” عند التفكير في كتابة روايته ” الزوجة المكسيكية ” أن يخلق مُبرراً للعودة الى الماضي والتفتيش في ثنايا وخبايا ” البيضاء ” ، هذه الفتاة البيضاء التي  جاءت عند “يوسف ادريس ” تحت اسم ” سانتي ” الإيطالية ، والتي قيل أنها كانت الزوجة الأولى له ، قبل زواجه بزوجته المصرية عام ١٩٥٧، وقيل أيضاً من بعض رفاقه في الحركة الشيوعية أنها زميلة ماركسية من اليونان ، وأنها غادرت مصر ، ووفق معلومات هؤلاء الرفاق أنها من أشد المُدافعين عن الحقوق العربية في فلسطين في عواصم الغرب ….

غير أن تلك الشهادات لم تتطرق الى حقيقة هذه البيضاء ، ولا لأي جنسية تنتمي ، وأي أدوار لعبتها في إطار الحركة الشيوعية المصرية !!

هنا يقدم ” ايمان يحيي” الحل ، بخلق رواية موازية لرواية ” البيضاء ” ليدخل منها الى العالم الخفي ل ” يحيي مصطفى طه ” وهو الاسم الإبداعي الذي اختاره ” يوسف ادريس ” لنفسه في روايته ” البيضاء ” ، فقد جاءت الحقائق الجديدة ، والقص الحديث لرواية ” البيضاء ” من خلال الدكتور ” سامي جميل ” أستاذ ” الأدب العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ….

ومن واقع تعريف الدكتور “سامي ” لنفسه نجد أنه أحد أساتذة الأدب العربي في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وهو من جيل الستينيات ، وبسبب انطوائه على نفسه وعشقه  لتّخصٌصه العلمي ، سرقه الزمن والوقت ، فلم يتزوج ، وظل أعزباً ، عاكفاً على أبحاثه الأكاديمية منذ خرج من قريته وأستوطن القاهرة ، غير أن تواضع الراتب  الذي يتقاضاه من جامعته الأم ، ومّللهُ من طلاب مكاتب التنسيق وجفاف ثقافتهم الأدبية ، دفعه الى البحث عن فرصة عمل جديدة في الجامعة الأمريكية ، ولم يسعفه في مّسعّاهْ ، سوى تّمّكُنهُ من تخصصه الأكاديمي ، فضلاً عن إجادته للغة الانجليزية  ولذلك احتل مكاناً مرموقاً في العمل مع ما أسماه ، بجامعة ” اليانكي ” في دلالة على الأمريكي الغني برغم قبحه !!

هذه الجامعة التي تحتل موقعها المرموق في ميدان التحرير منذ العام ٢٣ من القرن الماضي ، يّفِدْ اليها ، والى فرعها الجديد في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة ،  الطلاب الأثرياء من كل حدب وصوب ، من مصر وأمريكا وإيطاليا والصين واليابان والمكسيك وبريطانيا وروسيا وغيرها ، وهم في الأغلب يحملون اهتماماً كبيراً لتخصصاتهم ، فليس من المعقول أن يأتي طلاب أنفقوا عَلى أنفسهم أو صّرّفتْ دولهم أموالاً طائلة لكي يتعلموا ، دون موهبة دالة عَلى الإبداع ، ومثابرة عَلى البحث !!

هنا تأتي الطالبة ” سامنثا ديفيز ” الطالبة الأمريكية التي تخطت العشرين من عمرها ، والتي تحمل كل مواصفات الجمال والذكاء والحيوية ، ونعرف من خلال تعريفها لنفسها للدكتور ” سامي جميل ” بأن جدتها من الأم مصرية هاجرت الى أمريكا في بداية الستينيات ، وأسمها خديجة المعايرجي ، ابنة حي السيدة زينب العريق  ، التي رحلت في بعثة دراسية للحصول عَلى الدكتوراه في الإقتصاد ولم ترجع ، وتزوجت من زميلها الكاثوليكي في الجامعة بفلوريدا ، وأنها ، أي ” سامنثا ” كانت ثمرة زواج مُختلط بين أم نصفها مصري وأب أمريكي ذى أصول مكسيكية …

جاءت ” سامنثا ” التي حملت ذكاء ووصية جدتها ” خديجة المعايرجي ” الى القاهرة لدراسة الأدب العربي والحصول عَلى درجة الماجستير ، فضلاً عن البحث عن جذور عائلتها في القاهرة القديمة وتحديداً في حي السيدة زينب !!

حي السيدة زينب
حي السيدة زينب

حكايات يوسف إدريس

الدكتور” سامي ” اختار لتلك الباحثة الشابة القادمة من بلاد العم سام ، موضوعاً شغله منذ فترة ، وهي البحث في الأبعاد السياسية والتاريخية لرواية ” البيضاء” ل ” يوسف ادريس ” وأعطى لها مبرارته لهذا الإختيار ، بمثل ما أعطى لزملائها أسبابه ليتخصص زميلها الإيطالي في أحد أعمال نجيب محفوظ ، ورفيقتها الصينية في ” ألف ليلة وليلة ” والدنماركي في أدب “يحيي حقي ” وهكذا ….

بيد أن ” سامنثا ديفيز ” كانت تُفاجئ أستاذها ” سامي جميل ” سواء خلال موعدها الأكاديمي الأسبوعي معه ، أو في غير الموعد المُحدد لها ، بمفاجأة جديدة واكتشاف مُثير ، فقد جاءته بموسوعة عن الشخصيات المصرية في القرن العشرين لمؤلف ومُستشرق أمريكي ، أكد فيها عَلى أن ” يحيى مصطفى طه ” أي ” يوسف أدريس ” تزوج بفتاة مكسيكية في عام ١٩٥٧ ، وهو  الأمر الذي سّخّرّ منه ” سامي جميل ” نافياً تلك المعلومة ، حيث أكد لتلميذته ، أن ” أدريس ” تزوج زوجته المصرية ، في عام ٥٧ وأنجب منها ، والتي تحمل كل الملامح الأجنبية ، وتحديداً ، الفرنسية !!

 فكيف يتفق هذا مع تلك المعلومة التي أَتَىّ بها هذا المستشرق الأمريكي !!!

لم يّنل  هذا الإقناع من حرص ” سامنثا ديفيز ” على الوصول الى الحقيقة !!

غير أن هذا الحرص والذكاء المُتقد من الطالبة ، دفع الأستاذ الى أن يماثلها في البحث والإجتهاد ، فأعاد قراءته لرواية ” البيضاء ” من جديد ، بل القيام برحلة مُضنية من البحث الإستقصائي  للوصول الى معرفة الحقيقة في هذا العالم الخفي للحركة الشيوعية المصرية ، مما أضطره الى بناء روائي جديد لا يختلف في الخطوط العامة مع  هذه الرواية المُثيرة ، ليس في عالم الأدب العربي ، بل في تاريخ الحركة الوطنية المصرية ، وتحديداً فيما يتعلق بخبايا الحركة الشيوعية المصرية ، فلم يترك شخصاً أو باحثاً عرف ” يوسف أدريس ” عن قرب إلاّ وتوجه اليه لكي  يسمع منه ويفسر  له !!

رواية البيضاءالتقى برفاق له ، تجاوز عمرهم العقود الثمانية ، منهم من عزف عن الكلام ، وبعضهم شيع ” يوسف ادريس ” بكلمات الغضب والتنديد به ، لأن روايته لم تكن تبرئة ” يحيي مصطفى طه ” من ماضيه الشيوعي ونفيه الإنخراط في العمل الحزبي السري فقط ، بل اهانة الشيوعية والسخرية من نضالات زملاء له قضوا أجمل سنوات عمرهم في المعتقلات !!

غير أن رحلة البحث المُضنية لم تكن من نصيب ” سامي جميل ” فقط ، بل ذات الهمة تواصلت عند تلميذته ، حيث فاجأته بعد أسبوع من معلومات المستشرق الأمريكي ، بنص مكتوب عن زواجه بفتاة من المكسيك ، حيث اعترف ” أدريس ” لمُستشرقة روسية  بأنه تزوج تلك الفتاة في نهاية عام ١٩٥٢ وبعد قيام الثورة ، وجاءت معه الى مصر ، حيث إلتقىّ بها في مؤتمر السلام المُنعقد في فيينا بالنمسا ، حيث كان مُشاركاً في الوفد المصري الذي كان يضم من بين أعضائه، عبدالرحمن الشرقاوي وعبدالرحمن الخميسي ويرأسه يوسف بك حلمي رئيس المجلس المصري للسلام !!

هنا فُتح مخزن الأسرار عَلى مصراعيه ، ففي الوقت الذي استمرت ” سامنثا ” في البحث عن خفايا ” البيضاء ” وأسرارها تذكرت نصيحة جدتها ” خديجة المعايرجي ” في البحث عن اصولها المصرية ، فأخذت قراراً بترك سكن الجامعة في حي الزمالك الراقي ، والإنتقال الى حي السيدة زينب العريق ، وتُشارك مع حركة “كفاية ” في ” كّنس مقام ومسجد السيدة زينب ” في منتصف عام ٢٠٠٥ عَلى رأس “حسني مبارك ” والدعاء عليه وعلى حزبه وأركان حكمه ، حيث داست شرطته بأحذيتهم الثقيلة ، أبناء وشباب مصر ، وانتهكوا حرمة بنات الوطن بالتطاول عَلى أجسادهن  أمام نقابة الصحفيين وعلى درجات سلمها التاريخي ، عندما تظاهرن  رفضاً لتوريث “مبارك ” حكم مصر لنجله ” جمال ” !!

استغرب الدكتور ” سامي ” سلوك هذه الفتاة القادمة من فلوريدا الأمريكية ، والتي في إمكانها الإستمتاع بحياة هادئة في بلد هو الأعظم في عالم اليوم ، ولكنه أرجع تلك الجُرأة ، والإنخراط في حركة سياسية مُعارضة ، بأنها لن تُمّسْ بسوء من جهاز الأمن المصري ، فقد خّاطّبّتهُ نفسه بأنها من دولة ” الحماية ” فمن يستطيع الإعتداء عليها !!

احتجاجات حركة كفاية 2005
احتجاجات حركة كفاية 2005

” ايمان يحيي ” والذي أعتقد أنه تّقّمّصْ شخصية ” سامي جميل ” في روايته ” الزوجة المكسيكية ” رغم الفارق الكبير بينه وبين بطله من حيث الإهتمام الوطني والإنخراط في الشأن العام ، وجد نفسه لكي يصل الى هدفه البحثي والإستقصائي ، لا سبيل أمامه سوى إعادة إحياء ” بيضاء ” يوسف ادريس من جديد ، وبأسماء أبطالها الحقيقيين ، وخفايا وكواليس الحياة الحزبية الشيوعية في سنوات الخمسينيات العاصفة !!

رواية بديعة على أكثر من صعيد ، رغم بعض الملاحظات غير الموضوعية التي أسقّطّ فيها الصديق ” ايمان يحيى ” قناعاته الشخصية عَلى ثورة يوليو ، وخصوصاً خلال أزمة مارس ٥٤ ، فقد خّلّطّ بين الإبداع والسياسة ، وهذا خطأ لا يجوز !!

ورغم ذلك فتلك الرواية البديعة ، تكشف عن حقائق جديدة ومُثيرة ، وتنتقل بنا من القاهرة الى النمسا الى المكسيك ، ومن  خلال أحداث سياسية هامة ومحورية في حياة أبطالها ، ومأساة تعصف بحياة عائلة زوجته المكسيكية ، وتحولات جذرية تهز العالم هزاً ، وصراعات إنسانية طاحنة ، وثقافات مُغايرة تصطدم مع بعضها البعض ،  بين قناعات الشرق ، وفلسفات الغرب !!!

عالم بعيد ، ولم يّعُدْ موجوداً ولا قائماً ً، لكنه للعجب العُجاب لا زال يترك تأثيره عَلى حياتنا الراهنة ….

انها بحق رواية عن ” الثورة والمستقبل والعالم الذي كان ” !!!…

تحية للصديق ” ايمان يحيي ” عَلى هذا الإبداع الجميل ، وأمنيات صادقة بأن يواصل العطاء حتى لو جاء مٌتإخراً …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock