رؤى

هل يقوم أنصار نتنياهو بحصار الكنيست؟!

على خطا ترمب..

عرض وترجمة: أحمد بركات

لطالما خضعت أوجه الشبه بين الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي/ السابق، بنيامين نتنياهو، لكثير من الكتابة والبحث والتدقيق والتحليل.

قبل كل شيء، يتباين الرجلان فيما بينهما تباينًا تامًا، حيث تتشعب بهما الخلفيات والخبرات والعقليات. لكنهما ـ رغم ذلك كله ـ يتشاركان تشابها صارخا يبطنه إحساس عميق بالجدارة والاستحقاق، وتضخم الذات، وتوجه يتساوق مع توجه لويس الرابع عشر: “أنا الدولة، والدولة أنا”.

كل منهما ينطوي على شخصية نرجسية، وبارانويا سياسية، وكراهية شديدة للنخبة، وخوف دفين من الدولة العميقة، أو من المؤامرة التي يشعران بأنها تحيق بهما طوال الوقت، ومزيج من الاستخفاف والتوجس من المنافسين السياسيين.

يتشارك الرئيسان السابقان أيضا خطابا شعبويا ديماجوجيا، وشعورا دائما بكونهما ضحية، وشكوى لا تنقطع، ونزعة فطرية للكذب، ورغبة جامحة لتزييف الحقائق، واتهام الآخرين بما هما أهله، عدلا وإنصافا أو ظلما وجورا.

نتنياهو وترامب
نتنياهو وترامب

على غرار أي قياس، يبقى هذا القياس بعيدا كل البعد عن الكمال والنماذجية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تباين النظام  والأوضاع السياسية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. رغم ذلك، لا تزال أوجه الشبه فيما بينهما مثيرة ولافتة.

مع خروج شقيقه في السياسة، ترمب، من السلطة، مالئا ما بين الأرض والسموات، من منتجعه في فلوريدا، مارـ إيه ـ لاغو، بالصراخ والعويل على جريمة سرقة الانتخابات التي تخضب جبين الديمقراطيين والإعلاميين، يتبقى لنتنياهو صفحة أخيرة وحيدة ليقوم بنسخها من “كتالوج” ترمب، وهي استنتساخ سيناريو أحداث الكابيتول هيل التي شهدتها واشنطن في 6 يناير الماضي.

إذ فيما يستعد منافسوه لتدشين حكومة ائتلافية على أنقاض حكومته، يلهث نتنياهو خلف أي فرصة لنزع الشرعية عن الانتخابات التي فشل في الفوز بها، ولتجريد هؤلاء، الذين يحاولون أن يحلوا محله، من إنسانيتهم، وتقويض جهود أي حكومة جديدة محتملة، والتحريض علانية وبالقوة على خلق نسخة إسرائيلية من تمرد “كابيتول هيل” الأميركي.

لا يعني هذا أن نتنياهو يخطط لأي شيء عمليا، أو أن سيناريو 6 يناير الأميركي سوف ينجح بالضرورة في إسرائيل. رغم ذلك، ثَمة مؤشرات عديدة ومفزعة في هذ الاتجاه.

الهجوم على الكونجرس
اقتحام الكونجرس

لقد فشل نتنياهو في حسم المعركة الانتخابية لصالحه، بخروجه منها غير فائز وغير مهزوم، على مدى خمس جولات متتالية في غضون عامين ونصف. كما فشل في تشكيل حكومة منذ شهر؛ ومن ثم تم تكليف زعيم المعارضة، يائير لابيد،  بتشكيل حكومة بدلا عنه. والآن يقوم نتنياهو بشن حملة عاتية ومعادية للديمقراطية في محاولة لإفشال أي تحالف لا يشمله.

بارانويا

في مواجهة محاكمات تتعلق بتهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وشعور دفين بأنه ربما فقد شيئا يعتقد أنه ملك خالص له بالتدخل والمشيئة الإلهية، يتحول نتنياهو إلى شخص جامح، منفصل عن الواقع تماما وغير مقيد به على الإطلاق.

وفجأة يتحول نفتالي بينيت، الذي عرض عليه نتنياهو قبيل أيام معدودات رئاسة الوزارة عبر اتفاق تناوب غريب، إلى محتال وخائن ومبتدئ لا يمكن لإسرائيل الاعتماد عليه لإدارتها أو الوثوق فيه لحمايتها، مثلما اعتمدت ووثقت في نتنياهو، القادر الوحيد ـ أو هكذا يعتقد ـ  على إدارتها وحمايتها.

وفي مواجهة التحريض والتضليل المعلوماتي الذي يعمد إليه نتنياهو، ومن هم على شاكلته من أنصاره ومؤيديه، اضطرت الأجهزة الأمنية في إسرائيل إلى توفير حماية استثنائية للقضاة والمدعين العامين وقادة المعارضة بعد أن تلقوا تهديدات مباشرة من مؤيدي نتنياهو.

دعايا الانتخابات الإسرائيلية
دعايا الانتخابات الإسرائيلية

يحاول  نتنياهو انتزاع  الشرعية تماما عن الحكومة التي عُهد بتشكيلها إلى “ائتلاف التغيير”، –  كما وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية – . وقال إنها تأتي على غير رغبة وإرادة “2 مليون ناخب إسرائيلي” صوتوا له.

والحقيقة أن حزب الليكود لم يحصل سوى على 1,066,892 صوتا في الانتخابات الأخيرة (ما يعادل 24,19% من إجمالي عدد الأصوات). وإذا كان لدى نتنياهو أغلبية تؤيده تتجاوز 61 نائبا، فلماذا فشل المرة تلو الأخرى في تشكيل حكومة منذ 2019؟

الإجابة بسيطة ـ وفقا لسرديته الملتوية والساخرة: “النخب واليسار ووسائل الإعلام والقضاء والديمقراطيون في الولايات المتحدة.. جميعهم يكرهونه، وجميعهم تحالفوا ضده حتى يحولوا بينه وبين تشكيل حكومة”، ومن ثم، فإن أي حكومة بديلة، يقودها أي شخص بديل، ليست سوى انقلاب غير مشروع أو قانوني.

ويتحدث نتنياهو عن “ائتلاف التغيير” باعتباره “تحالفا يساريا يشكل خطرا داهما على إسرائيل”. لقد تحول أفيجدور ليبرمان، ونفتالي بينيت، وجدعون ساعر، وغيرهم، فجأة، وفي غفلة من الزمن، من حلفاء لنتنياهو وقادة في أحزاب يمينية إلى “كومنترن” وعصابة خائرة من السياسيين المتهورين المتعطشين إلى السلطة.

ويحاول هؤلاء القادة السياسيون، وفقا لخطابات نتنياهو، تقويض مسار التاريخ وهدم سياقه الأخلاقي الذي يتمثل في بقاء نتنياهو على رأس السلطة الوزارية. وحتى يحدث ذلك فإن جميع ما يفعله نتنياهو لا يخرج عن أصول وقواعد “اللعب النظيف”، في زعمه وأنصاره.

وعلى مدى الأسبوع الماضي، مارس نتنياهو وحلفاؤه ضغوطا قصوى وتهديدات سافرة ضد أعضاء الأحزاب اليمينية التي تتهيأ للانضمام إلى الحكومة الجديدة. وردد نتنياهو بلا هوادة تعويذة ترمب في 6 يناير: “في مواجهة حكومة غير شرعية، تصبح كل السبل لمنعها مشروعة”.

وفي أوج يأسه، ومنذ انتهاء الصراع مع حماس، من دون القضاء بالكلية على خيار الحكومة الجديدة، يلجأ نتنياهو الآن إلى قضيته المفضلة: إيران.

فعبر سلسلة من التصريحات لم يتعهد نتنياهو فقط بمنع إيران من الحصول على قوة نووية عسكرية، وإنما قال أيضا إن مواجهة الولايات المتحدة على هذا الصعيد “غير مستبعدة”. كما قدم الخيار الخاطئ الذي يَفترِض أنه الوحيد المتاح الآن لإسرائيل، وهو: “أوقفوا إيران، أو واجهوا إدارة بايدن”.

لا شك أن جوهر القضية الإيرانية وعودة واشنطن المحتملة إلى الاتفاق النووي مع طهران بشروط غير محبذة للإسرائيليين يستحق اهتماما منفصلا عن الصراع الإسرائيلي الإسرائيلي الحالي.

لكن، عندما يستدعي رئيس الوزراء، الذي يوشك أن يغادر مقعده على رأس السلطة التنفيذية، فجأة موضوع إيران ـ وهو الموضوع الوحيد الذي يستطيع التعامل معه ـ إلى جانب الأفكار السياسية العتيقة حول عدم شرعية الدولة الإيرانية، فإن هذا من شأنه ـ على نحو مبرر تماما ـ أن يثير الشكوك بشأن تكرار سيناريو 6 يناير الأميركي بنكهة إسرائيلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ألون بينكاس: دلبوماسي إسرائيلي سابق، وكاتب متخصص في الشأن الإسرائيلي في صحيفة “هاآرتس”.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock