رؤى

عبد القادر الحسيني.. بطل معركة القسطل

في موسم النبي موسى الذي ابتكره القائد صلاح الدين الأيوبي لتوحيد أهل فلسطين ضد الوجود الصليبي.. اعتاد الفلسطينيون على التوجه لمدينة القدس من كل قرى ومدن فلسطين ثم التوجه إلى موقع الاحتفال الذي يقع على بعد 30 كيلومترا شرقي المدينة المقدسة.. وقد استمر هذا التقليد لقرون.

في الرابع من أبريل عام1920، كان المقدسيون ومعهم أهل نابلس ينتظرون قدوم أهل الخليل؛ لكن شرطة الانتداب منعتهم من دخول المدينة، ما جعلهم يدخلون عنوة من باب الخليل حيث وقع الصدام مع شرطة الاحتلال بعد أن احتشد كل من في المدينة، فكانت بذلك أول ثورة ضد التواطؤ الواضح بين الإنجليز والصهاينة تنفيذا لوعد  بلفور المشئوم.

في هذا الحشد الكبير وقف رئيس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني مخاطبا الشعب الفلسطيني كاشفا عن مخططات المحتل الرامية لإنشاء وطن قومي لليهود، داعيا إلى الوحدة العربية والاستقلال، مطالبا بالوقف الفوري للهجرات الصهيونية إلى أرض فلسطين.

عبد القادر الحسينيكانت كلمات موسى باشا الحسيني تلهب الحماس في النفوس، وتوقد نار الثورة في القلوب؛ بينما كان ولده عبد القادر ابن الثانية عشرة ينظر إليه بإعجاب، ويستمع إلى كلماته باهتمام بالغ.. كان ارتباط الفتى بوالده شديدا بعد أن فقد والدته قبل أن يكمل عامه الثاني.. هذا الارتباط الذي جعله لا يفارقه أبدا إلى أن ارتقى الوالد شهيدا بعد اشتراكه في مظاهرة يافا الكبرى خريف عام1933، بعد تعرضه للضرب المبرح على يد جنود الاحتلال البريطاني ما أسفر عن إصابته بإصابات شديدة تسببت في وفاته مطلع عام1934.

في مدرسة روضة المعارف بالقدس تلقى بطلنا تعليمه الابتدائي، قبل أن يلتحق بمدرسة “صهيون” الإنجليزية التي كانت المدرسة العصرية الوحيدة بالمدينة آنذاك حيث أتم تعليمه الثانوي ونال شهادة “المتريكوليشن” سنة 1927.

يلتحق “عبد الفادر” بالجامعة الأمريكية ببيروت؛ لكنه سرعان ما يكتشف ذلك الدور الخبيث الذي تلعبه الجامعة في إزكاء الانقسام الطائفي بين أبناء الشعب الواحد؛ فينشط في فضح ذلك الدور؛ فيكون مصيره الفصل من الجامعة؛ فيضطر إلى الانتقال إلى القاهرة لاستكمال دراسته بنفس الجامعة بقسم الكيمياء؛ لكنه يرصد نفس الأدوار المشبوهة التي تتخذ من الجامعة ستارا؛ فينتهز حفل تخرجه واجتماع عدد من الوزراء ورجال السلطة في مصر؛ ليقف خطيبا في الحضور كاشفا زيف الدور العلمي الذي تزعم الجامعة الأمريكية القيام به، متهما إياها بأنها بؤرة إفساد ديني.. تطعن في الدين الإسلامي وتشوه الدين المسيحي، منهيا خطابه بمطالبة أشقائه المصريين بمقاطعة الجامعة الأمريكية.

بعد عدة أيام وزع “الحسيني” بيانا تفصيليا على الصحف المصرية، ضمنه اتهاماته للجامعة الأمريكية. لتصدر الحكومة المصرية – في عهد اسماعيل صدقي باشا – أمرا بطرده من مصر.

عاد “عبد القادر” إلى فلسطين أواخر عام1932، ليعمل محررا في صحيفة الجامعة الإسلامية، التي كان يترأس تحريرها الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، ثم عمل مأمورا في دائرة تسوية الأراضي في فلسطين؛ ليتمكن من إحباط أكثر من محاولة للاستيلاء على أراض عربية.. لكنه يضطر إلى الاستقالة بعد عامين؛ حتى يلتحق بالثورة على الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية.

عبد القادر الحسيني

مع اشتعال ثورة 1936 – 1939، لجأ عبد القادر إلى الجبال، وخاض عدة اشتباكات مع الجنود البريطانيين، أهمها اشتباك الخضر (4/10/1936) الذي سقط فيه القائد السوري سعيد العاص شهيدا فيما أصيب عبد القادر الحسيني بجروح بالغة، وتمكنت القوات البريطانية من أسره. لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، وتوجه إلى دمشق، حيث استكمل علاجه.

عاد عبد القادر مع بداية سنة 1938 إلى فلسطين، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس. وفي أوائل مايو من نفس العام  قاد هجوما عسكريا على مستعمرة فيغان الصهيونية، جنوب القدس.. كما كبَّد القوات البريطانية في القدس وبيت لحم والخليل وأريحا ورام الله وبئر السبع خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات. كما نجح في القضاء على فتنة دينية، كان الانتداب البريطاني يسعى بها للوقيعة  بين مسلمي فلسطين ومسيحييها.

وفي خريف سنة 1938 ضربت القوات البريطانية حصارا محكما على قوات الثوار، بين بيت لحم والخليل. واستشهد في تلك المواجهة غير المتكافئة عدد كبير، وكان نصيب عبد القادر جروحا بالغة، نقله زملاؤه على إثرها إلى المستشفى الإنكليزي في الخليل، حيث قدمت له الإسعافات الأولية، قبل أن ينقل خفية إلى سورية، فلبنان، ومن هناك نجح في الوصول إلى العراق بجواز سفر عراقي، يحمل اسم محمد عبد اللطيف.

عبد القادر الحسيني

في بغداد عمل عبد القادر مدرسا للرياضيات في المدرسة العسكرية في معسكر الرشيد، وهي إحدى المدارس المتوسطة. ثم التحق في أول إبريل سنة 1940، بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية مدتها ستة أشهر.

أيد عبد القادر الحسيني ثورة رشيد عالي الكيلاني الوطنية العراقية، التي اندلعت  في آذار سنة 1941، وشارك مع كثيرين من رفاقه الثوار الفلسطينيين اللاجئين إلى العراق في قتال القوات البريطانية.

وعندما انهزمت الثورة حاول مع رفاقه الالتجاء إلى إيران، لكن السلطات منعتهم، وألقي القبض عليهم وحوكموا وصدرت ضدهم أحكام بالسجن. وتحت ضغط الرأي العام العراقي والرموز الوطنية العراقية، ألغيت أحكام السجن وصدر حكم بنفي الحسيني ورفاقه عشرين شهرا إلى بلدة “زاخو” في أقصى شمال العراق.

فيم بعد اتهم الحسيني بالاشتراك في تدبير اغتيال فخري النشاشيبي، وقضى قرابة العام في معتقل العمّارة. ثم أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943، بعد تدخل ملك السعودية، فانتقل عبد القادر للإقامة بين مكة والطائف برفقة أسرته وامتدت تلك الإقامة لنحو عامين.

بعد ذلك سافر الحسيني سرا إلى ألمانيا، حيث تلقى دورة تدريبية في صنع المتفجرات، ومع مطلع عام1946، انتقل وأسرته إلى القاهرة، ونظرا لنشاطه في جمع الأسلحة وتدريب الشباب المصري والفلسطيني عليها وعقده دورات تدريبية في تصنيع واستخدام المتفجرات.. قررت الحكومة إبعاد عبد القادر عن مصر؛ لكن الضغوط التي مارستها القوى الوطنية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد.

كانت العصابات الصهيونية المسلحة تفوق قوات الجهاد المقدس التي قادها عبد القادر الحسيني في العدة والعدد والعتاد إلا أن الحسيني استطاع تحقيق انتصارات هامة، إذ استسلم الصهاينة في القدس بعد أن حاصرتهم هذه القوات، كما نصبت قوات الجهاد المقدس عدة كمائن ناجحة للقوات الصهيونية، ونسفت بعض المؤسسات الصهيونية، مثل معمل الكحول عند مدينة يافا، وبناية حزيون، ومقر الوكالة اليهودية بالقدس، ومعمل الجير، وبناية المطاحن في حيفا، وبناية شركة سوليل يونيه، ودار الصحافة اليهودية في القدس، التي تضم شركة صحافة القدس، وصحيفة عيلي همشمار، وصحيفة هامشكيف، ووكالة اليونايتدبرس، والوكالة اليهودية للأنباء، فضلا عن نسف حي منتفيوري وشارع بن يهودا في القدس.

وقد شن عبد القادر الحسيني بقواته هجمات قوية ضد مستعمرات بني يعقوب، وعطاروت، وميكور حاييم، ورامات راحيل، وتل بيوت، وسانهدريا.

وتمكنت قوات الجهاد المقدس من السيطرة على منطقة القدس ومن التحكم في خطوط المواصلات التي تربط بين أغلب المستعمرات الصهيونية في فلسطين.

 ملحمة البطولة و الاستشهاد

“إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلي نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين”.

كانت هذه الكلمات آخر ما قاله الشهيد عبد القادر الحسيني لرجال الجامعة العربية في دمشق بعد أن طلبوا منه عدم الذهاب إلى القسطل لتحريرها بعد ان استولى عليها الصهاينة.. ولم يكتف رجال الجامعة بمحاولة إثنائه عن تحرير القسطل.. بل أخبروه أن جامعة الدول العربية قد أوكلت قضية فلسطين إلى لجنة عربية عسكرية عليا.. وأن عليه ألا يقوم بأي تصرفات فردية من شأنها أن تفاقم الأوضاع.

كان عبد القادر يعلم بحسه الوطني وبصيرته النافذة أن معركة القسطل ستكون فاصلة في تاريخ فلسطين، وكان على ثقة كاملة أنه يستطيع كسر شوكة الصهاينة في القدس إلى الأبد.. وما يعنيه ذلك من إمكانية دحرهم في أنحاء فلسطين.. بشرط أن تقدم الجامعة العربية كامل الدعم العسكري للمجاهدين، والحقيقة المؤسفة أن هذه الجامعة ورجالها حالوا بكل الطرق دون وصول السلاح إلى أيدي المجاهدين!.

حاول عبد القادر الحسيني الحصول على السلاح بكل الوسائل، في مصر اشترى بعض السلاح ولكن السلطات المصرية أرادت مصادرته، فقال عبدالقادر للضابط المصري “إنه للدفاع عن الأقصى الذي ليس لي فيه أكثر منك” فاستجاب الرجل على الفور، وأمن السيارة أثناء عبورها على نقاط التفتيش، كما قدم للحسيني عددا من قطع السلاح مساهمة منه في الجهاد المقدس.

وفي لبنان حاول عبد القادر شراء السلاح من مكتب في بيروت إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وحين بحث عن السبب وجد أن رجال جامعة الدول العربية وراء ذلك.

لم تترك جامعة الدول العربية أي فرصة لمنع وصول السلاح لأيدي الفلسطينيين، وحتى صفقة الاسلحة التي تبرع بثمنها الخيرون من أجل فلسطين، والتي اشترتها جامعة الدول العربية -عبر سوريا- من مصانع شكودا التشيكية ،استولى عليها الصهاينة في ظروف غامضة، وقد اعلن أن الشحنة اكتشفت بواسطة بعض العناصر الاستخباراتية.

يقول المجاهد كامل الشريف أن كل ما أعطاه جيش الإنقاذ لعبد القادر الحسيني هو مبلغ 370 جنيها، ويضيف ساخرا” ولا أدري إن كانوا قد طلبوا منه أن يشتري السلاح من هذا المبلغ”.

لم يكن لهذا القائد العربي المجاهد أن يتحمل كل هذا الكم من الخيانة للقضية خاصة بعد أن رأى أكداس العتاد الحربي التي من المفترض أنها لجيش القاوقجي ملقاة في العراء ليأكلها الصدأ.. يصرخ الحسيني في وجوه رجال الجامعة “نحن أحق بالسلاح المخزن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى نتيجة تقصيركم وتواطؤكم”.

لقد ضرب الحسيني خلال معركة القسطل الشرسة وغير المتكافئة مثلا رائعا في التضحية والحماسة والاندفاع.. إذ اقتحم القرية ومعه خمس وخمسون مجاهدا وقتلوا نحو مئة وخمسين صهيونيا وحوصروا قبل وصول المدد بقيادة مساعده “رشيد عريقات” وبعد هجوم ضار استمر ثلاث ساعات اقتحمت القوة المعاونة القرية واستطاعت طرد الصهاينة منها؛ وكان الشهيد قد ارتقى بعد أن أصيب إصابة بالغة، وثبت بعد ذلك أنه قتل برصاصة في الرأس أطلقها جندي صهيوني يدعى “سلمان” إجهازا على البطل الجريح؛ استجابة لأمر قائده، ولم يعرف الصهاينة أن الرجل هو القائد العربي عبد القادر الحسيني الذي أذاقهم الويل وقتل منهم المئات لأكثر من عشر سنوات.

في اليوم التالي لاستشهاده دفن البطل في القدس إلى جانب ضريح والده في باب الحديد.. رحل وهو في الأربعين من عمره بعد أن ترك لنا نموذجا فريدا؛ ليكون قدوة للأجيال العربية المؤمنة بقضيتها المحورية مهما ترددت في الأبواق أقاويل المتخاذلين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock