فن

هاينيكي وجارموش.. سينما تٌعرِّي الاستعمار

يقدم المخرج النمساوي مايكل هانيكي ، والمخرج الأمريكي جيم جارموش  سينما  مختلفة ومتجاوزة .. كل بلغته الخاصة  ، وإن كان يمكن الحديث عن مجمل أعمالهما السينمائية علي اعتبار أنهما يقدمان سينما مغايرة تماماً لسينما هوليود  ..

ليس فقط من حيث الإنتاج وإنما من حيث الجوانب الفنية ومن حيث موضوعاتها ،  لدرجة أننا نستطيع اعتبارها سينما نقيض هوليود ..

 رافعا القناع

هانيكي في أفلامه ينزع عن المجتمع الأوربي جلده ويواجه حقائقه الخبيئة ، ويستخدم كاميرته كمنظار تحليلي يكشف عورات وتشوهات داخل المجتمعات الرأسمالية الأوربية ، يكفي للتدليل علي ذلك فقط فيلمه (الشريط الأبيض) كتحفة فنية قدمت تفسيراً لولادة وتنامي الفاشية والنازية من  نزعة كامنة في أحشاء المجتمع الأوربي ونذر تتجمع كالغيم الذي بدأ يسيطر علي أوربا وذلك في إبداع سينمائي إستثنائي لفيلم يقدم بالأبيض والأسود في عام 2009 .

 الشريط الأبيض
فيلم الشريط الأبيض

إلي جانب فيلمه المذهل (السر) الذي غاص فيه في كوامن العنصرية كثمرة من ثمرات الإستعمارو الإستعباد الأوربي لأبناء المستعمرات وكذلك فيلمه (نهاية سعيدة) الذي يقدم فيه رصده برؤية عميقة للتشوهات الإنسانية التي تحدثها طبيعة الرأسمالية المتوحشة وتلك البشري الجميلة التي يزفها في نهاية الفيلم لذلك الرجل المتقدم في العمر الذي أسس إمبراطوريته المالية واصبح مقعداً علي كرسيه المتحرك فيسلم قياده لطفلة من الجيل الجديد للعائلة لتأخذه عبر ممر المبني  حيث  تحتفل العائلة المليارية بتقاعده وتمضي به إلي البحر لتدفعه في خطوات هادئة نحو المزيد من المياه في الأعماق ولتبقي هي علي الشاطئ تنظر إلي المصائر الطبيعية لهذا العالم الذي قام الرجل بنسجه ومن ثم الإستسلام السعيد للنهاية ، وهي الغرق تحت أمواج المتوسط ، وهناك مضمون يؤكد ذلك ويتشابه معه من حيث الطاقة التدميرية التي تمتلكها الرأسمالية في فيلم (القارة السابعة)  ..

الولوج إلي عالم هانيكي أمر صعب ومثير ومفجر للشغف والقلق معاً في آن واحد بحيث تظل وانت تشاهد أي عمل لهانيكي تتقلب بشكل حقيقي في رحلة موجعة مابين المتعة والألم والصدمة والإثارة العميقة التي تشبه مايحدث في الألعاب والرياضات الذهنية  ..

مشهد من فيلم القارة السابعة
مشهد من فيلم القارة السابعة

هانيكي لايرحم مشاهده ، ولايعترف له بحق التمتع بأي نوع من رفاهية المشاهدة .. فهو يضعه كشريك وأحياناً كمتواطئ أمام نفسه ، أو مسئول عما يحدث من عذابات للإنسان وشاهد إثبات علي جروحه العميقة  .. ولايضع أية حسابات لكونه دفع ثمن تذكرة ، أو أنه جاء ليستمتع فقط  .. بل أحياناً يعلق مُشاهده علي صليب فيلمه كمتهم وكضحية مثلما في فيلمه (معلمة البيانو)  ..

ويقدم الأمريكي جيم جارموش نقداً مريراً للإستعمار الأوربي وفي أعمال مثل (ليلة علي الأرض) ، (وحدهم العشاق يعيشون) ، (الرجل الميت)  ، (حدود السيطرة)  وأعمال أخري يعري مظاهر التهميش الإجتماعي والتمييز العنصري في المجتمع الأمريكي ويقدم موضوعات تسخر من فكرة الرجل الأبيض صاحب اليد العليا علي عالم الإنسانية كمايراها عنصريو أوربا وأمريكا ، ويرفع  القناع عن الدوافع الاستعمارية والعنصرية الكامنة في التعامل مع أبناء شعوب المستعمرات السابقة في افريقيا وامريكا اللاتينية بدون خطابية أو رطانات إيدولوجية وعبر تناول إنساني بسيط وعميق للطبيعة الإنسانية التي تحكم علاقات الناس ، ويكشف أحياناً أن سلوك عصابات القتل والسرقة ماهو إلا تعبير طبيعي عن علاقات مجتمع بأثره تسود فيه علاقات الزيف والتأنق الكاذب ..

جوني ديب من فيلم رجل ميت
جوني ديب من فيلم رجل ميت

تحت جلد العالم

مايجمع المخرجين العظيمين هانيكي وجارموش أنهما يقدمان سينما تخلو تماماً من عناصر التسلية ولاتعبأ بأي حسابات تجارية ..

بالقطع هناك مخرجون في انحاء العالم يقدمون سينما مستقلة عن هوليود ، التفافاً علي شروطها  التي تعتمد علي سينما الإبهار والتسلية الدرامية ، وهناك تجارب سينمائية في فنلندا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والدنمارك ورومانيا وغيرهم تتفوق كثيراً علي السينما الأمريكية من حيث اللغة السينمائية ومواضيع التناول  ..

ولكن تجارب كل من هانيكي وجارموش تظل متفردة وتقف بجرأة شديدة علي أبعد مسافة من هوليود وعلي نقيضها تماماً  .. بل  كبديل مقترح..  بجدية وحدة وعدائية شديدة في مواجهتها ..

هانيكي وجارموش يقدمان سينما لاتجعل المشاهد يسترخي أمامها ، أو يجلس مستريحاً ليتابع قصة درامية مشوقة .

المشاهد لسينما هانيكي أو جارموش يتحمل وحده مسئولية قراءة الفيلم بدرجة قد تحوله من مشاهد إلي شريك في إعادة ترتيب أفكار الفيلم عبر تدفق المشاهد السينمائية التي لايمكن أن يكون لها أي سياق توقعي

هما لايقدمان للمشاهد حلولاً أو تفسيراً للعالم بقدر مايدخلانه في عملية تدريب علي طرح الأسئلة ، وعلي ارتداء بصيرة حادة حذرة ومنتبهة لكل لقطة سينمائية ، ولكل جملة أو إيماءة من أحد أبطال أفلامهما (هما لايقدمان أبطالاً بقدر مايقدمان عناصر وكائنات وأمكنة وأزمنة تتفاعل) ..

وحدهم العشاق يعيشون
وحدهم العشاق يعيشون

وبالرغم من ذلك فإن كلاً منهما له لغته السينمائية الخاصة والمختلفة عن أحدهما الآخر  ..

جارموش الذي اختار أن يقف بعيداً بعيداً عن سياق السينما الأمريكية بالرغم من أنه مخرج أمريكي يبدو في أفلامه حزيناً وساخراً ، وحاداً ،  لدرجة تفجير الكوميديا من قلب الأوجاع ، ولكنه شديد العداء للتفاهة ، لدرجة أن أفلامه هي محاولة بلاهوادة لإعادة ترتيب وبناء الواقع علي أسس أكثر جديةً وعمقاً ممايحتمله السطح المهترئ لهذا العالم ..

بينما هانيكي يمتلك لغة سينمائية تعمل كمولدات لعمليات الوخز الملهبة للوعي والمعذبة للضمير في منتهي الحدة الكاشفة، وفي منتهي القسوة والصدمة أيضاً  ..

ان تشاهد أفلام هانيكي وجارموش فعليك أن تحضر ذهنك وعقلك ووعيك لرحلة مرهقة من الكشوفات والأسرار المفضوحة في ادغال ماتحت جلد العالم الذي يسمي بالعالم المتقدم أو العالم المتحضر  ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock