ثقافة

يوم غائم في البّر الغربي.. رائعة «المنسي قنديل» التاريخية (1 – 2)

رغم ارتباطي العام في مجال الأعمال الأدبية الروائية العربية بإبداعات جيل مضىّ ، مثل كتابات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيي حقي والطيب صالح وغيرهم ، فإنني اتجه كثيراً إلى قراءة أعمال أدباء الجيل الثاني أمثال بهاء طاهر وجمال الغيطاني ويوسف القعيد ويحيي الطاهر عبد الله وخيري شلبي وآخرين ، لكني توقفت كثيراً عند مبدعي الموجة الحالية من أدباء الزمن الراهن ….

توقفت كثيراً عند أعمال أدباء باتوا عنواناً واضحاً لتلك المرحلة مثل ، ابراهيم عبد المجيد ويوسف زيدان وعلاء الأسواني ومحمد المخزنجي وغيرهم ، لكن انتهائي من قراءة رواية ” يوم غائم في البر الغربي ” لواحد من مبدعي هذا الجيل ، وهو ” محمد المنسي قنديل ” دفعتني إلى إبداء عدد من الملاحظات منها ما أعتبره إيجابياً ، والآخر أحسبه تساؤلات تتعلق بالفن الروائي ذاته ، أي ما يُسمىّ بلغة الأدب ” التكنيك الفني ” أو ” البناء المعماري القصصي ” ….

بداية أحمد الله على اختيار طائفة من هؤلاء المُبدعين الذين تركوا مهنتهم الأصلية واتجهوا إلى ما يرونه مجالاً يُبدعون فيه خلافاً لٍمّ حّصّلوه من دراسة أكاديمية ، ف ” محمد المنسي قنديل ” مثل زميله ” محمد المخزنجي ” خريج كلية الطب جامعة المنصورة عام ١٩٧٥ ، حيث وُلد في مدينة المحلة الكُبرىّ بوسط دلتا مصر عام ١٩٤٦ ، وعمل بداية في مجلة الدوحة الصادرة عن وزارة الإعلام القطرية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما كانت تحت رئاسة تحرير الناقد الكبير الأستاذ ” رجاء النقاش ” رحمه الله ، ثم انتقل للعمل في مجلة العربي الكويتية خلال رئاسة الدكتور “محمد الرميحي ” ، وتم له ذلك بعد أن ترك عمله كطبيب في عدد من المستشفيات الحكومية المصرية …

محمد المنسي قنديل
محمد المنسي قنديل

روايته ” يوم غائم في البر الغربي ” واحدة من أهم أعماله الإبداعية ، قبل صدور عمله الروائي ” الكتيبة السوداء ” التي أرّخّ فيها للفرقة المصرية التي ذهبت لتحارب في المكسيك في القرن التاسع عشر ، وكذلك روايته ” طبيب أرياف ” الصادرة في القاهرة خلال العام ٢٠٢٠ .

وقبل ذلك صدر له روايته البديعة ” قمر على سمرقند ” في عام ٢٠٠٥ / ٢٠٠٦ ، فضلاً عن مجموعة قصصية وعدد من الكتابات الأدبية المتنوعة ….

غير أنني أرى في روايته ” يوم غائم في البر الغربي ” ما يستحق التوقف عندها بالتعليق والتحليل ….

الرواية تتحدث عن مشوار حياة ” عائشة ” تلك الفتاة الصعيدية ، التي وُلدت في ” نجع بني خلف ” إحدى قري محافظة المنيا ، وفقدت والدها بوفاة مُبكرة دون أن يبقىّ في ذاكرتها ما يحمل له شئ يذكر ، وبفعل قوانين وعادات القهر السائدة في الصعيد تزوجت الأم ” عمران ” عم ” عائشة ” حفاظاً على ميراث الأب من الضياع ، لكن سرعان ما بدا جسد ” عائشة ” في التشكل والنضج الأنثوي ، حتى باتت هدفاً للعم الخسيس الدنئ ، فلم يكتفي بالإستيلاء على الأرض التي تركها الأب ، ولا الأم التي دانت له قهراً وظُلماً ، فقد أراد بنفس مريضة وروح وضيعة أن ينتهك العرض أيضاً ، فقد كان يرى في جسد الأم وروحها ” شجرة جافة ” لا تحمل غير الأشواك والنُدرة في الثمار ، وباتت ” عائشة ” هدفاً لغارات العم الليلية والنهارية الحقيرة الآثمة !!!

الأم ماذا عساها أن تفعل لحماية صغيرتها التي لا تُدرٍك خسة العم ” عمران ” ونذالته ؟؟

صعيد مصر زمان
صعيد مصر في بداية القرن العشرين

أخذت ” عائشة ” وذهبت بها إلى أسيوط ، لتّدُق وشم الصليب على الذراع اليُمنىّ للصغيرة البائسة ، وتختار لها اسماً مسيحياً هو ” ماري ” وتُلقي بها في الكنيسة الرئيسية بالمدينة ، كنيسة هي أقرب إلى المؤسسة التعليمية والدير معاً أو كما وصفتها الأم الرئيسة ” أننا مدرسة أمريكية في أرض غريبة ” ، بها قسم داخلي كبير للبنات وطاقم من الراهبات من بينهن من جاء من أمريكا وبلاد بعيدة ….

ادعت الأم لرئيسة الكنيسة قائلة ” إننا من أسرة مُسلّمة عريقة من إحدى قرى المنيا ولكننا تنصرنا واخترنا طريق المسيح “!!

هذه الأحداث ومن واقع المُضاهاة التاريخية ، شغلت مساحة زمنية تبدأ مع السنوات الأولى للقرن الماضي وحتى سنة اكتشاف باحث الأثار البريطاني ” هوارد كارتر ” مقبرة توت عنخ آمون في البر الغربي بالأقصر ، في الرابع من نوفمبر عام ١٩٢٢ ، أي نحو ثلاثين عاماً من الأحداث التاريخية في حياة الوطن ، وحياة ” عائشة “…

الصبية الفاتنة ، دخلت القرن وعاصرت أحداث جسام وكبيرة ، وهي تغادر سنوات الصبا متوجهه إلى أعوام الشباب ، تحمل ملامح أجدادها من أميرات الفراعنة وذكائهم الفياض ، فقد تعلمت تعليما راقياً بين جنبات ” الكنيسة / المدرسة ” واكتسبت ملامح الثقافة الغربية من لغة وسلوك وانضباط من ” الأم الرئيسة ” مديرة المدرسة والراهبة الأمريكية ” مرجريت ” فضلاً عن بقاء المُكون الحضاري الإسلامي داخلها لم تغادره ولم يغادرها طوال سنوات تلك الرحلة ، فهي في عُمقها كما لقنتها أمها قبل أن تتركها ولا تراها بعد ذلك اليوم ” أن الإيمان في القلب لا يغيره صليب على اليد ولا سلوك جديد تتعلمينه “

جريدة المؤيد
جريدة المؤيد

وهكذا كانت رحلة عائشة صاخبة وعاصفة ومتنوعة ، ومن الصعب رصد كل ما عاشته وعانت منه ، يكفيني أن أقول ، أنها عملت مُترجمة في بيت المُعتمد البريطاني في مصر ، رجل بريطانيا الآمر الناهي في شؤون مصر ، اللورد ” كرومر ” ، وعملت في جريدة اللواء لصاحبها الزعيم ” مصطفى كامل ” ومساعده المؤرخ ” عبد الرحمن الرافعي ” واقتربت من غضب الشعب ومظاهراته التي شاركت فيها مع مّثال مصر العظيم ” محمود مختار ” احتجاجاً على المذبحة البريطانية لفلاحي قرية دنشواي ، وكان تعاطفها معه خلال سجنه وإعجابها به وبوطنيته الجياشة ، سبباً كافياً لحبها له وحبه لها، ثم معرفتها لباحث الآثار البريطاني ” كارتر ” منذ البداية ثم العودة اليه في نهاية الرحلة وعند اكتشافه ” مقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون “

وخلال تلك الرحلة الطويلة تعرض جسدها وروحها لاختبارات صعبة ومؤلمة ، لكنها ظلت مُتماسكة ثابتة ، تتعلم من الحياة ومن ناس في أسفل السلم الإنساني والأخلاقي ، ورموز في الوطنية والفداء ، ومغامرين ومهربي آثار وباحثين ، وحياة في قصور الأمراء والحُكّامْ والسادة وبيوت العبيد والفقراء وبنات الهوى والرذيلة !!

عمل روائي كُتب بلغة جميلة رائعة ، وإطار معرفي تاريخي وثري وخصب …

لكن ثمة ملاحظات لا تنقص من جمال تلك الرواية التي أحسبها واحدة من أجمل إبداعات الموجة الثالثة من أدباء هذا الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock