رؤى

 صدقي.. رجل هتف المصريون بحياته ثم سقوطه

يظل إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر شخصية مهمة مثيرة للجدل,فهو واحد من ثوار ثورة 19 وهو المحبوب الذي هتفت له الجماهير,هو من حارب  وجاهد مع سعد زغلول ليصدر دستور الثورة المجيدة, ثم هو نفسه من إنقلب علي الدستور ليؤسس لخطيئة تعطيل الدستور، وبفرض أن صدقي بقي في حظيرة الثورة لكان ثالث ثلاثة مع لطفي السيد وسعد زغلول وأحدهم من الممكن أن يتولي زعامة مصر، لكن لا راد لإرادة الجماهير في الثورات، فلماذا تحول صدقي من الزعيم الوطني المحبوب لعدو الشعب، يذكر عبد الرحمن الكواكبي في (طبائع الاستبداد) أنه ما من مستبد إلا ويتخذ صفة قدسية يشارك بها الله” فالطاغية يعتقد أنه على تواصل مع قوى عُليا يستمد منها قدرات خارقة لحماية اتباعه، فإرادته هي إرادة الشعب المنبثق عنه و الممثل له و مهمته الأولى هي انقاذ هذا الشعب من المخاطر التي تحيق به..

لحظة إعتقال صدقي المقيم في بيت الأمة

مذكِّرات إسماعيل صدقي تكشف عن جوانب التحول الجوهرية لهذه الشخصية السياسية الفاعلة فخلال عشرة سنوات فقط، تحول لُقِّب صدقي (عدوِّ الشعب) على إثر إسهامه  في وضع دستور ١٩3٣م الذي يعُدَّ انقلابًا على دستور ١٩٢٣م المقيِّد لصلاحيات الملك,فماذا كان سيحدث لو بقي دستور23ولم يتغير ولم يسقط شهداءللمرة الأولي في مصر دفاعاً عن دستور,في مذكراته يسردصدقي الوقائع برؤيته وتحليله لها، بتفسيرات لمواقفه السياسية وقراراته التي اتخذها إبَّان توليه المسئولية وزيرًا أو رئيس وزراء، يشرح فكره وعقيدته الوطنية، ويستعرض سجل  إنجازاته الاقتصادية والتشريعية,بحسب ما يري ويزعم .

يعترف صدقي بكونه كان شبه مقيم في منزل سعد باشا مما يدل علي مكانته عند الزعيم, فقال في يوم ٨ مارس سنة ١٩١٩ :كنت أجلس إلى مكتبي في غرفة مجاورة لمكتب سعد زغلول بمنزله، وكنت مشغولًا بالكتابة، فجاءني خادم الدار ينبئني بحضور ضابط إنجليزي، فأبلغت سعد باشا، ثم قابلت الضابط فسألني عن اسمي، ثم سأل عن سعد باشا فأوصلته إليه، ثم سرت إلى مكتبي، وأسررت إلى جورج أفندي دوماني بجمع الأوراق وإخفائها,وكان الضابط قد طلب من سعد باشا أن يركب عربة عسكرية، ثم دعاني إلى ركوب عربة أخرى، وذهب بنا إلى ثكنة قصر النيل، وفي الوقت نفسه كانوا قد قبضوا على محمد محمود باشا، وحمد الباسل باشا، وخصصوا لكل منا غرفة,لم نكن نعلم أين يكون منفانا، فلما وصلنا إلى الإسماعيلية، واتجه بنا القطار نحو بورسعيد تنفسنا الصعداء؛ فقد صعد إلينا الضابط المكلف بحراستنا، وأفهمنا أن وجهتنا مالطة معتقلين في حصن عسكري,وهكذا شكلت الثورة أول مجلس رباعي يقودها بطريقة شبه رسمية مع القادة الميدانيين في شوارع مصر ومدنها وقراها,فقداشتعلت المظاهرات تهتف بحياة سعد, ويقول صدقي في مذكراته : رأت إنجلترا أنه لا سبيل إلى الاستمرار في هذه السياسة، التي نتج عنها قيام ثورة خطيرة في البلاد، فعدلت عنها، وأعلنت الإفراج عنا يوم ٧ أبريل سنة ١٩١٩.

القبض على سعد زغلول وصدقي وإرسالهم إلى مالطا
خبر حول القبض على سعد زغلول وصدقي وإرسالهم إلى مالطا

هكذا تحقق ثورة 19أول إنتصار سياسي عندما استقالت وزارة عدلي باشا على أثر فشل المفاوضات مع كرزون، وبقيت البلاد مدة بلا وزارة,في هذة الفترة كان سعد باشا تحول نحو الفعل الجماهيري المباشر بينما دخل إسماعيل صدقي مع عبد الخالق ثروت دهاليز مطبخ السياسة مع الإنجليزويتشكل بذلك رافدان من منجزات ثورة 19تفاوض في الأروقة ومقاومة وشهداء في الشوارع,ويعترف صدقي بخط يده فيقول : دارت المحادثات بيننا نحن الاثنين: «ثروت، وصدقي» من جهة، وبين اللورد اللنبي، وإذا ما قلت «ثروت وصدقي» فإني أقول: إننا كنا على اتصال بعدلي باشا وإرشاد منه في كل الأدوار، وقد وضعنا مشروع تصريح ٢٨ فبراير،وتوليت تحرير هذا المشروع باللغة الفرنسية.

وأهم ما جاء في هذا المشروع:إعلان رفع الحماية عن مصر، والاعتراف باستقلالها، وما يترتب عليه من نتائج دولية وداخليةوإلغاء الأحكام العرفية التي أعلنت في نوفمبر سنة ١٩١٤,مع احتفاظ إنجلترا بتأمين المواصلات البريطانية، والدفاع عن مصر من كل اعتداء خارجي، وحماية الأجانب، ومسألة السودان، وذلك إلى حين يتسنى إبرام اتفاقية بين مصر وإنجلترا .

ثورة 19 تنصّب فؤاد ملكاً علي مصر

و يعترف صدقي بالإنجاز الثاني لثورة 19التي أجبرت الإنجليز علي الإعتراف بسيادة مصر ثم جاء الإنجاز الأهم بتنصيب فؤاد ملكاً علي مصر؟ وهنا يدرك الداهية صدقي بشكل ما دوره في مفاوضات اللنبي التي تمت بتوجيه من فؤاد وعدلي باشا رئيس الحكومة ) وكان صدقي مستعدا لحصاد ما قدمه من تأثيرفي تغير السياسية البريطانية في مصر أوائل يناير سنة ١٩٢٢ عندما سافر اللورد اللنبي إلى لندن، ثم موافقة الحكومة البريطانية على إعلان في ٢٨ فبراير من تلك السنة، ثم قدمته إلى مجلس العموم، فناقشته وفي يوم ١٥ مارس سنة ١٩٢٢ أعلن استقلال مصر، الذي ترتب عليه أن أصبح السلطان فؤاد ملكًا ,وبشكل رسمي يقر الملك فؤاد رسمياً بدور صدقي المباشر في الحياة السياسية المصرية عندما طلب من  عبد الخالق ثروت  مقابلة صدقي  في قصرعابدين ,ويعترف صدقي وكتب يقول, وصلت إلى عابدين، والتمست مقابلة عظمة «السلطان» فؤاد فسمح لي بها حالًا، وأخبرته ما أبلغني إياه ثروت باشا فقال لي: «لعل الحكومة البريطانية استكثرت المطالب التي تطلبونها!» لاحظ أن حديث فؤاد لصدقي بلغة المخاطب يقول له “مطالب تطلبونها” وليست مطالب الأمة المصرية أوحتي رغبة الملك.. يضيف صدقي …وخرجت من عنده، وعدت إلى ثروت باشا، فعلمت أنه في الوقت الذي كنت أقابل فيه السلطان قبض البوليس على جماعة كانت تريد اغتيال ثروت باشا عند كوبري قصر النيل .

الملك فؤاد
الملك فؤاد

وبالقطع كان القصر يعلم قصة محاولة إغتيال عبد الخالق ثروت في محاولة لحفر مجري ثورة 19 نحو ما يريد القصر والإنجليز ويبقي زعيم الثورة سعد خارج السلطة ,وهكذا تثبت مذكرات صدقي أن الرجل كان واضحا منذ البداية فهو يؤمن بالتفاوض والتدرج في المطالب والإستقلال مثله مثل لطفي السيد بعكس حمد الباسل الذي انخرط في تشكيلات تكوين حزب الوفد مع سعد ,في حين عرف صدقي ومحمدمحمود باشا الطريق نحو السلطة كوسيلة من وسائل خروج المحتل وكانت النتيجة مباشرة ، فصدقي يقر بالحرف الواحد… ثم كان لي الشرف أن أكون عضوًا في وزارة ثروت باشا، التي أعلنت استقلال مصر، بعد إعلان هذا التصريح بخمسة عشر يومًا,فقد صدر أمر عظمة السلطان إلى المرحوم عبد الخالق ثروت باشا بتأليف الوزارة في أول مارس من تلك السنة، فتألفت برياسته، ومن حضرات الآتية أسماؤهم:«إسماعيل صدقي باشا «وزيرًا للمالية»، وإبراهيم فتحي باشا «وزيرًا للحربية والبحرية» وجعفر ولي باشا «وزيرًا للأوقاف»، ومصطفى ماهر باشا «وزيرًا للمعارف»، ومحمد شكري باشا «وزيرًا للزراعة» ومصطفى فتحي باشا «وزيرًا للحقانية» وحسين واصف باشا «وزيرًا للأشغال» وواصف سميكة باشا «وزيرًا للمواصلات» … وكان الأساس الذي قبلنا عليه الوزارة في ذلك الحين هو تصريح ٢٨ فبراير، الذي أحدث في الحالة السياسية تغييرًا كليًّا.» …. هكذا برر صدقي قبول الوزارة بسعادة معتبراً أن ثورة 19نجحت ووصلت للقصر, لكن التشكيل الوزاري يكشف حقيقة واحدة فقد انقسم رفاق ثورة 19بعضهم مع سعد في الميدان وبعضهم مع فؤاد والقصر .

تبرير صدقي ودرس الجماهير الذي لم يفهمه

ظل الشعب المصري  في ثورة 19يملك الوعي والرشد واليقظة  فتكونت ثنائية مدهشة بين المسلمين والأقباط في أيقونة جميلة صارت  نموذجا لكل  ثورات مصر, لكنها أيضاً أفرزت قادة آخرين للبرلمان وكان رد  المصريين  علي إسماعيل صدقي مباشرا  فقد قرر الشعب إسقاط الطاغية لكن صدقي (لم يع) الدرس بل وتفاخر بقوله إن تصريح  28 فبراير ساعد مصر على دخول المفاوضات، وأتاح للوزارة أن تبدأ عهدًا جديدًا، وأن تضع لنفسها دستورًا على أحدث المبادئ الدستورية، وأن تتصرف في شئونها كدولة مستقلة ذات سيادة.وقد نجحت مساعينا في الوصول إلى إصدار الدستور سنة ١٩٢٣، ثم أعلنت الانتخابات لبرلمان سنة ١٩٢٤ فرشحت نفسي لمجلس النواب في دائرة سندا بسط، التي تتبعها بلدتي «الغريب»، وإذ ذاك نشأت فكرة الأغلبية الساحقة برئاسة سعد زغلول باشا، فرشح الوفد أمامي الأستاذ نجيب الغرابلي «نجيب الغرابلي باشا»، وعلى الرغم من كونه رجلًا فاضلًا فإنه لم يكن ابن الدائرة، ولم يكن معروفًا بها.ثم يأتي إعتراف صدقي المدهش ويقر فيه بزعامة سعد للأمة المصرية فقال بالحرف الواحد, وكنت أعتقد أنني سأنجح في دائرتي؛  لجهودي في خدمة بلادي، وماضيَّ في الجهاد واشتراكي في الفوز باستقلال مصر بتصريح ٢٨ فبراير، كان كل ذلك مما يضمن النجاح. ولكن شخصية سعد زغلول في ذلك الحين كانت شخصية جبارة، وفي الوقت نفسه جذابة غمرت البلاد بقوتها، وشدة تأثيرها، واجتاحت أمامها كل شيء، وأصبح الاعتقاد فيها يشبه الاعتقاد بالأنبياء، فلم أفز في الانتخابات إلا بأقل من ثلث الأصوات، وسقطت أمام منافسي الوفدي غير المعروف إذ ذاك لأهل الدائرة ، ومن هنا أستطيع أن أقول: إن الانتخابات لم تكن حرة … ولا أقصد من ذلك أنه كان هناك ضغط إداري استُعمل ضدي، بل أعني أنه كان هناك ضغط نفساني أوجدته شخصية سعد زغلول القوية، وهو والضغط الإداري سواء، في بلد لم تصل بعد إلى درجة النضوج السياسي، ولم تتكون فيها الروح الدستورية.

ثورة 1919
ثورة 1919

وأصبح الوفد عدواً لصدقي

تمضي الأحدث بسرعة وتلاحق ما بين طموح جماهير ثورة 19وأهداف لم تتحقق مثل الأستقلال التام   لكن صدقي كان في المعسكر الآخر المعادي للثورة ومن وجهة نظره  يقول : لا أنكر أننا في وزارة زيور باشا قد أقدمنا على إجراءات جريئة أملتها علينا الظروف العصيبة في ذلك الحين مثل قانون الصحافة وغلق الصحف والأحكام العرفية ،( لاحظ الجملة التي يقولها صدقي صارت كتالوج كل طاغية عربي بالحرف الواحد ,ويا محاسن الصدف )….  قال وشجعنا عليها خوفنا على استقلال البلاد من أن يعصف به عاصف، أو تُنتهَز الفرصة  فرصة الاضطرابات — لهدمه، وكنا نرغب بكل إخلاص أن ندخل في دور من الهدوء، وتحسين العلاقات بيننا وبين الدولة المحتلة.وكان الوفد يعتبر في ذلك الحين عدوًّا متحديًا لهذه الدولة خصوصًا بعد مقتل السردار، الذي اتهم فيه بعض المنتسبين إلى الوفد؛ لذلك أقدمنا على تعديل قانون الانتخابات، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت شخصية سعد كما قلت شخصية جبارة غمرت البلاد، ففاز الوفد في هذه الانتخابات بالأغلبية، ولو أنها لم تكن ذات خطر، ولما انعقد مجلس النواب وأجريت انتخابات الرئاسة فاز سعد زغلول بمائة وثلاثة وعشرين صوتًا ضد عبد الخالق ثروت باشا، الذي فاز بخمسة وثمانين صوتًا، فرأينا أن هذه النتيجة في المجلس ستدفعنا إلى سياسة بعيدة عن أن تحقق الهدوء، الذي كنا ننشده في ذلك الحين.لهذا أقدمنا على حل هذا المجلس رعاية للمصلحة الوطنية العليا؛ ولكي نعيد العلاقات الحسنة إلى نصابها حتى نصل بالبلاد إلى ما ننشده لها من خير في جو هادئ يسوده التفاهم، وعدم العنف.

و في هذا الجزء تظهر شخصية صدقي دون مواربه  …..يقول قرر جلالة الملك فؤاد اختياري لتأليف الوزارة سنة ١٩٣٠، ، وقدعلم الملك سياستي  بتوجيه منه فستكون سياستي أن أمحو الماضي بما له وما عليه، وأن أنظم الحياة النيابية والدستورية تنظيمًا جديدًا يتفق ورأيي في الدستور، واستقرار الحكم والقضاء على الفوضى، والسعي الجدي للإصلاح القومي … وقد وافق جلالة الملك فؤاد على هذه السياسة، بل إنه كان راغبًا فيها بعد ما مرت تجارب سبع سنوات كاملة، دون أن تتقدم البلاد خطوة إلى الأمام، بل لعلها تأخرت إلى الخلف …ولذلك ما كدت أنتهي من تأليف الوزارة حتى أخذت أفكر فيما يجب أن يعمل لعلاج الحالة الحاضرة، ولم أرغب في القيام بإجراء غير دستوري — على نحو ما فعل صديقي المرحوم محمد محمود باشا من وقف الدستور، وتأجيل البرلمان ثلاث سنوات قابلة للتجديد — بل رأيت أن أسلك طريق التعديل، الذي رسمه دستور سنة ١٩٢٣، حتى لا أحرم البلاد من الحياة الدستورية.

صدقي مع عبد الخالق ثروت
صدقي مع عبد الخالق ثروت

إنقلاب صدقي علي دستور 23

ولايزال صدقي يبرر إنقلابه علي دستور23وسقوط شهداء وجرحي ، لكنه مثل كل طاغية يحاول إنكار الحقيقة من وجهة نظره فقال ….لعل مما يهم الجيل الحاضر أن أبين له لماذا نقحت دستور سنة ١٩٢٣، أو بعبارة أخرى لماذا استبدلت به دستورًا جديدًا؟وضع الدستور المصري سنة ١٩٢٣ منقطع الصلة بالماضي، فإنه على وجه العموم، وفيما عدا ما أحتفظ به من الانتخاب بدرجتين، ليس بينه وبين نظام الجمعية التشريعية، أو ما سبقه من نظام مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية سبب أو نسب.

وضع هذا الدستور على نظام الدستور البلجيكي، مستعيرًا من غيره من الدساتير الحديثة أحكامًا مختلفة من هنا وهناك، فكان من ذلك كله مجموعة يصح بحق أن تعتبر صورة صادقة، لما بلغته الديموقراطية في أوروبا في العصر الحديث … ويعلم المطَّلع على تاريخ الدساتير الأوروبية أن هذه الصورة الأخيرة لم يبلغها طفرة واحدة أي بلد من البلاد، التي نشأ وترعرع فيها النظام النيابي، وأن الدساتير وضعت في كل بلد وفق أحوالها المعاصرة لها، وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية بعد أن تبلغ مداها يكون لها أثرها في تعديل تلك الدساتير، تعديلًا يجيء تارة بطريق قلب الدستور وتغييره، وطورًا بالطرق التي رسمها الدستور نفسه.

ومن يستقرئ أخبار وضع الدساتير لن تفوته ملاحظة، أن كثيرًا من واضعي الدساتير الحديثة يعمدون إلى الانتفاع بخبرة الغير في الأمور الدستورية، دون مراعاة ما بين بلد وبلد من الفوارق في الخلق، والطباع والنظم الاجتماعية. ويظنون خطأ أن آخر الأوضاع خيرها إطلاقًا، كما أن أحدث المخترعات أكملها، أو أن ما نجح في بلد لا بد  ان ينجح في غيره من البلاد، ويرون أن النقل عن الغير أقل كلفة وأهون نصبًا، إذ كان البحث والاستقراء فيما يناسب ويلابس حال كل بلد أمرًا صعب المسلك طويل المشقة.

زغلول وصدقي وحمد ومحمد محمود باشا
زغلول وصدقي وحمد ومحمد محمود باشا

شهادة العار: مقولة مصر ليست أوروبا

ولا شك في أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية العامة في مصر، خصوصًا من حيث التعليم ونوع الثروة العامة وتوزيعها، لا تشبه في كثير أحوال البلاد، التي نقل عنها الدستور المصري سنة ١٩٢٣، ولا يجهل أحد أن هذا الدستور وضع في وقت بلغ فيه الخلاف بين المشتغلين بالمسائل العامة، والمشايعين لهم حد الفتنة؛ ولهذا كان من الواجب أن يفرَّق بين دساتير البلاد، التي عالجت النظام النيابي دهرًا طويلًا وبين ما يوضع لنا، بقدر ما يقتضيه اختلاف الشبه بين أحوالنا وأحوالها، كما كان من الواجب أن يجعل الدستور، بحيث لا تعلق به آثار الفتنة التي ولد في جوها.

ليس يعنينا، بل يعني التاريخ وحده، أن نعرف ما إذا كانت هذه الغاية الأخيرة مما كان يمكن أن يحققها الذين وضعوا الدستور، وإنما الذي يعنينا أن نقرره هو أن دستور سنة ١٩٢٣ لم يحقق في تلك السنين ما عُقد عليه من الآمال من أنه خير ما تمتعت، وتتمتع به البلاد من صور الحكم وأكفلها بإقرار النظام والسلام.

هنا تجلت شخصية المستبد الطاغية صدقي الذي يري نفسه من الصالحين ,  كتب بالحرف يقول لابد من توجيه الأمور العامة إلى خير الغايات، على يد الصالحين لذلك، القادرين عليه.

وفي الحق أنه لا يمكن أن يوصف نظام من أنظمة الحكم بأنه خير الأنظمة، فليس في طبيعة أي نظام أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان ما دامت الأمم، بل الأمة الواحدة على توالي العصور هي ما نعرف من الاختلاف طباعًا وعادات وأسباب حياة، حتى لقد قال بحق أحد الحكماء: «جرت سنة الاجتماع وطبائع الشعوب بأن الأنظمة مهما تبلغ من الكمال ليست في الواقع إلا حسابًا وتقديرًا، مرماه ونتيجته تفضيل أخف الضررين»!

ومن حسن الحظ أنه ترك المذكرات لمن يريد التأمل في تاريخ رجل كان من الممكن ان يختلف تقييمه ومكانه   لو ظل في معسكر الثورة لكنه مضي نحو رؤيته البراجماتية  التي تغلب مصلحته على مصلحة الوطن فحكم عليه التاريخ بانه “عدو المصريين “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock