رياضة

الرياضة…. كيف تحولت إلى قوة ناعمة وأداة صراع بين الدول؟

ليست  الرياضة مجرد خوض تلك المنافسات الممتعة والمثيرة في ميادين ألعاب  متعددة بل هي دوما إحدى مكونات القوة الناعمة لشعوب العالم ووسيلة للنفوذ الحضاري والتبادل القيمي والتلاقي الإنساني الذى يتجاوز حدود الصراعات والحروب ولذلك فقد تنافست الشعوب والحكومات في الاهتمام بالرياضة من هذا المنطلق ولكونها أحد أهم الطرق لنشر ثقافة كل أمة وإعلاء شأنها بعيدا عن القوة الجبرية واستخدام الأسلحة لتقف الرياضة إلى جانب الثقافة والفنون في تعزيز التعايش السلمى وترسيخ كل ما هو إنساني في عالمنا المعاصر.

ولعل المقولة الشهيرة للمناضل الإفريقي الكبير “نيلسون مانديلا ” حين قال ” «الرياضة يمكنها خلق الأمل عندما لا يوجد سوى اليأس. إنها أكثر قوة تحطيم الحواجز العنصرية، إنها الابتسامة في وجه كل أنماط التمييز العنصري ” ويوضح ذلك الدور الهام للرياضة والرياضين.

وتعد الأولمبياد الرياضية أحد أهم المحافل الدولية التي تشهد مشاركة معظم دول العالم من خلال رياضيين من الجنسين  وهي بذلك  تؤكد ما يمكن تسميته بقوة الرياضة الناعمة للشعوب فقد عرف العالم ذلك التنافس الرياضي منذ العصور القديمة، وقد عرف في القرن الثامن قبل الميلاد  الألعاب الأولمبية القديمة واستمرت حتى القرن الرابع الميلادي باليونان.

وفي العصر الحديث أسس البارون “كوبر تان ” اللجنة الأولمبية الدولية عام 1896 من خلال الكونجرس الأولمبي والتي قادت إلى تنظيم أول بطولة أولمبية حديثة في “اثينا “عام 1896 وتنافس فيها 241 رياضيا جميعهم من الرجال ممثلين لأربع عشرة دولة وتمكنت الولايات المتحدة الأمريكية  من الفوز بتلك البطولة  بحصده للعدد الأكبر من الميداليات الذهبية

ومنذ ذلك العام ستمرت دورة الألعاب الأولمبية تقام كل أربع سنوات ، وشهدت توقفا خلال أعوام 1916 و1940 و1944 بسبب اندلاع الحروب كذلك أدت المقاطعات خلال الحرب الباردة إلى الحد من المشاركة في أولمبياد 1980 التى أقيمت فى موسكو،  وقد شنت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربا الغربية حملة قوية ضد تلك البطولة وحرضت على مقاطعتها مما أدى لتراجع في عدد الدول المشاركة لتصل إلى 80 دولة فقط  وفى عام 1984 يرد ” الاتحاد السوفيتي ” ودول أوربا الشرقية بحملة  مماثلة ضد أولمبياد لوس أنجلوس ردا على ما شهدته أولمبياد موسكو من هجوم ومقاطعة

وفى عام 2020 تسببت جائحة كورونا في تأجيل أولمبياد طوكيو التي تقام هذا العام 2021 بمشاركة هي الأكبر منذ نشأة البطولة لتصل إلي 206 دولة يمثلها 11551 لاعبا ولاعبة يتنافسون فى 47 مسابقة من خلال 33 لعبة.

وشهدت البطولة هذا العام استمرار مشاركة فريق اللاجئين الذين تسببت الحروب والعوامل الطبيعية في نزوحهم عن أوطانهم والذي ظهر لأول مرة خلال بطولة “ريودي جانيرو  ”  بالبرازيل عام 2016

ويعتبر هذا الفريق الذى يضم ” 29 ” رياضيا وفقا للجنة الأولمبية الدولية “رسالة قوية من التضامن والصمود والأمل للكوكب بأسره “

 اقتصاد البطولة

تسعى الحكومات بشكل حثيث في الحصول على شرف استضافة وتنظيم البطولات الدولية بنفس القدر الذي  تُوليه   لحصد المسابقات المختلفة وترصد ميزانيات ضخمة لتحقيق هذا الغرض في إطارالإستفادة من وهج الرياضة وبريقها وشعبيتها الطاغية بين كل شعوب العالم ويمكنها من نشر ثقافتها وعلامتها التجارية وتراثها والترويج السياحي والثقافي بشكل كبير مما يساهم فى زيادة نفوذها الحضاري ومن ثم تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية.

وقد أكدت المصادر أن اليابان  أنفقت  أكثر من 15.4 مليار دولار أمريكي لتنظيم أولمبياد طوكيو التي تقام حاليا ويؤكد خبراء أن هذه الميزانية المعلنة أقل بكثير عن الميزانية الفعلية التي تحملتها الحكومة اليابانية خاصة بعد تأجيل البطولة لعام كامل إضافة إلى تكلفة الإجراءات الاحترازية التي تشهدها لمواجهة انتشار فيروس كورونا  بين أفراد البعثات الرياضية.

وتعتبر ميزانية “طوكيو 2020 ” هى الأكبر منذ نشاة البطولة حيث كانت التكلفة المعلنة لبطولة عام 2016 فى البرازيل حوالى 12 مليار دولار وربما العائد الاقتصادي الذي حققته البرازيل اضعاف ما سوف يتحقق فى طوكيو التي تقام فعاليات المسابقات فيها بدون جمهور .

بين الرياضة والسياسة

مع تزايد الاهتمام الشعبي بالرياضة بين دول العالم سعت الحكومات إلى استثمار تلك الحالة في بناء صورة ذهنية إيجابية سواء لأنظمة الحكم أو للشعوب وانشغلت بالاستفادة من قوة الرياضة الناعمة في تحقيق مكاسب عبرها وهذا ما كشفت عنه  دراسة أعدها ” جوناثان جريكس و” باري هوليهان ” الأستاذان  في سياسات الرياضة بجامعة لوربورو البريطانية والتي تحمل عنوان ” الدرس الألماني : كيف تسهم “الرياضة” في بناء “القوة الناعمة” للدول؟

وتكشف هذه الدراسة عن استخدام الرياضة من جانب الألمان لتحسين صورتهم  وتعتبر”  ألمانيا من أبرز الدول التي قامت ” بتسييس  “الرياضة كجزء من استراتيجيات الدبلوماسية العامة، فمنذ بدايات القرن العشرين قامت النخبة الرياضية في ألمانيا النازية باستخدام دورة الألعاب الأولمبية النازية لتحقيق اعتراف دولي وشرعي بالنازية، وكان يطلق على ممثلي الرياضة في ألمانيا الشرقية (دبلوماسيون في ملابس رياضية) بسبب مساهمتهم في كسر الجمود الدبلوماسي، وتحرير بلادهم من العزلة “.

وتشير الدراسة إلى أن ألمانيا ” استخدمت كأس العالم عام 2006 كأداة دبلوماسية لتحسين صورتها الخارجية بسبب تاريخها النازي والسلوك العدواني لها طوال سنوات عديدة من القرن العشرين، وعدم اعتراف الدول الأجنبية بتطورها الثقافي وصعودها المذهل من أنقاض ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لذلك اتجهت إلى تنويع موارد قوتها الناعمة لتغيير الصورة السلبية لها في الخارج، وأقامت مراكز ثقافية، ووجهت حملات للخارج كسفراء للثقافة واللغة الألمانية، مثل: منظمة خدمات التبادل الأكاديمي الألماني، ومعهد جوتة “.

وتضيف الدراسة ” ” بالرغم من صعوبة تحديد مفهوم “القوة الناعمة” وقياس أثرها، إلا أن هناك مؤشرات لنجاحها عندما استخدمتها ألمانيا عام 2006 وتمثلت في استمرار السياحة لمدة 6 سنوات بعد استضافة كأس العالم، بجانب الاستفادة المالية الضخمة لشركات الطيران ووسائل الإعلام، ووفود أكثر من 2 مليون سائح أجنبي إلى ألمانيا في عام 2006 وحدها “

وبعيدا عن الحالة الألمانية فإن الدراسة تتناول استخدام الرياضة أُثناء الحرب الباردة بين القطبين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق حين قررت الأولى مقاطعة أولمبياد موسكو عام 1980 احتجاجا على الحرب السوفيتية على أفغانستان. كذلك كانت مباراة كرة الماء بين الفريق السوفيتي وفريق المجرعام 1956 أبرز دليل على توتر العلاقات بينهما، فعلى خلفية قيام حكومة الاتحاد السوفيتي آنذاك بقصف المجر في 10 نوفمبر 1956، حدث عراك بين لاعبين أحدهما مجري والآخر سوفيتي أثناء لقائهما خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية بأستراليا عام 1956، ونتج عن هذا إصابتهما بجروح بالغة، مما جعل البعض يطلق على هذه المباراة اسم “مباراة الدماء في الماء “

حفل افتتاح كأس العالم 2006
حفل افتتاح كأس العالم 2006

العرب وإسرائيل

شهدت البطولات الرياضية عدد من المواقف التي امتزجت بها السياسة بالرياضة وذلك التوتر بين معظم الرياضيين العرب والإسرائيليين فقد شهدت الملاعب الرياضية وقائع انسحاب ورفض مُعلن من جانب العرب لمشاركة وفود إسرائيلية

وذلك تضامنا مع الشعب الفلسطيني ورفضا للسياسيات الإسرائيلية التوسعية فى الوطن العربي وعلى الرغم من التوجه الأخير نحو التطبيع مع الدولة العبرية من جانب حكومات عربية إلا أن بطولة “طوكيو ” قد شهدت انسحاب لاعب الجودو السوداني محمد عبد الرسول من أمام الإسرائيلي توهار بطبل، والجزائري ” فتحي نورين “

وأعلن بطل الجزائر: “ أنه لا يريد أن يلعب مع خصم إسرائيلي ” كما شهدت بطولة العالم في الفنون القتالية المقامة في بلغاريا انسحاب بطل لبنان “عبد الله منياتو” من مواجهه لاعب إسرائيلي  وفى المقابل قررت لاعبة الجودو السعودية تهاني القحطاني مواجهة منافستها الإسرائيلية راز هيرشكو وهذا ما أثار جدلا واسعا بين مؤيد معارض .

ومصريا  ففى عام 1992 التقى المنتخب المصري لكرة اليد بمنتخب إسرائيل في بطولة العالم لكرة اليد في النمسا رفض لاعبو المنتخب المصري الوقوف للسلام الوطني الإسرائيلي، بل إن أحد اللاعبين المصريين وقف بقدميه على العلم الإسرائيلي داخل الملعب وفي هولندا عام 1995 التقى الفريقان مرة أخرى في مباراة أصيب فيها خمسة لاعبين إسرائيليين لأن المباراة تحولت إلى ساحة اشتباك بين الفريقين .

وفي 2011 وبعد أحداث 25 يناير، تعرض لاعبو منتخب الشيش المصري إلى هجوم حاد نتيجة لموافقتهم على خوض مباراة ضد المنتخب الإسرائيلي في مباراة فاز فيها المصريون

والتقى الجودو المصري إبراهيم درويش مع الإسرائيلي إريك زائيفي في بطولة العالم للجودو عام 2012، ثم رفض أن يصافحه في نهاية المباراة

كما التقى لاعب الجودو المصري إسلام الشهابي مع اللاعب الإسرائيلي أور ساساون ورفض أن ينحني له في بداية المباراة كما رفض أن يصافحه في النهاية

من جانبه قرر منتخب مصر للهوكي الانسحاب أمام الإسرائيلي في نهائي بطولة العالم التي أقيمت في أوروغواي عام 2012.

ورفض بعض لاعبي كرة القدم المصريين اللعب أمام أنديه إسرائيلية عندما كانوا يلعبون في أوروبا، مثل نادر السيد وأحمد حسن، اللاعبين السابقين في منتخب كرة القدم المصري كما رفض الاتحاد المصري لكرة القدم مشاركة منتخب مصر للناشئين تحت 16 سنة في دورة ودية عالمية في إيطاليا، بسبب مشاركة إسرائيل .

وعربيا فإن العديد من الوقائع التي اختلطت فيها السياسة بالرياضة حيث رفضت بطلة سلاح المبارزة التونسية عزة بسباس، خلال مباراة الدور النهائي لبطولة العالم للمبارزة في إيطاليا مبارزة منافستها الإسرائيلية “ناعومي ميلس”، لتنسحب من نهائي البطولة وتستغني عن الميدالية الذهبية

وقرر الكويتي عوض الحربي، الانسحاب من منافسات نصف نهائي بطولة رومانيا المفتوحة ورفض مواجهة منافسه الإسرائيلي “جيفا ليران

 كما انسحب السباح التونسي من منافسات 400 متر متنوعة رجال بدورة الألعاب الأولمبية، بعد أن علم باشتراك سباح إسرائيلي في المنافسة.

وامتنعت بطلة الجودو الجزائرية مريم موسى عن مواجهة الإسرائيلية “شاهار ليفي” في بطولة العالم للجودو التي أقيمت بالعاصمة الإيطالية في عام 2011.

وانسحب لاعب المنتخب السعودي للتايكوندو فهد السميح من دور 32 في التصفيات المؤهلة لأولمبياد الشباب بالصين، المقامة في تايوان بسبب المواجهة التي كانت ستجمعه بلاعب إسرائيلي،

هذه بعض الوقائع التي توضح درجة الارتباط الشديد بين السياسة والرياضة سواء بين الشعوب أو على المستوى المحلى حين يسعى الحكام لاستثمارها لتحقيق مزيد من الشعبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock