رؤى

البطل أحمد عبد العزيز.. فارس هذا الزمان

في قفص الاتهام يقف الفتى الغض ابن السادسة عشرة في ثبات وثقة ليواجه تهمة يمكن أن تودي بحياته، لكنه بقدرة فائقة يخفي ما يعتمل في نفسه من نيران الغضب بابتسامة عذبة تكسو محياه الصبوح، إن الهدوء الشديد والوداعة التي تلمح في  هاتين  العينين المتقدتين ذكاء وتحديا، لا تفصحان أبدا عن طبيعة ذلك النمر الذي وثب منذ عدة ليال على  ضابط إنجليزي فأرداه قتيلا بعدة طعنات نافذة؛ وخلال التحقيقات التي استمرت لساعات تمتع الفتى برباطة جأش حيرت المحققين، فلم يستطيعوا إثبات التهمة عليه، ولا أثناء المحاكمة؛ ليخرج بطلنا بعد ثلاثة أشهر مبرّأ لعدم كفاية الأدلة، يخرج بطلنا من محبسه ليتنفس عبير الحرية، بعد أن ثأر لأخيه الأكبر الذي سقط بين يديه صريعا برصاص قوات الاحتلال في أحداث ثورة 1919م، وتمر به ذكريات المشهد فيرى نفسه وقد حمل جثمان أخيه الطاهر وسار به مسافة طويلة حتى وصل إلى البيت، ليضع أخاه على صدر أمه لتودعه الوداع الأخير، بينما كان الأب الأميرآلاي محمد عبد العزيز يصدر أوامره لجنوده باقتحام مبنى المحافظة؛ لتخليص طلاب المدرسة الحربية وطلاب مدرسة الشرطة من براثن قوات الاحتلال بعد أن تم القبض عليهم في المظاهرات، وكان الضابط الوطني قد رفض تنفيذ الأوامر قبل ذلك بإلقاء القبض على طلاب الأزهر عندما تجمعوا فيه استعدادا للمشاركة في المظاهرات، لقد كلفت تلك المواقف الوطنية الأب التضحية بوظيفته وصدور الأمر بنفيه إلى مالطا، ولكن القرار ألغي.

بعد الإفراج عن أحمد تقرر الحكومة إبعاده وأسرته إلى خارج القاهرة؛ فتضطر الأسرة إلى العودة لقرية الأب، قرية طنامل الشرقي مركز أجا بمديرية الدقهلية.

أحمد عبد العزيز مع زوجته وأبنه
أحمد عبد العزيز مع زوجته وأبنه

ومن مدرسة المنصورة الثانوية يحصل بطلنا أحمد عبد العزيز  على شهادة البكالوريا، ويكون ترتيبه الرابع والتسعون على عموم القطر المصري، ويخيره والده بين دراسة الطب والهندسة، ولكن الفتى يختار الكلية الحربية التي لا يؤهله تاريخه النضالي للالتحاق بها في ظل وجود سلطة احتلال غاشمة؛ لكن الوالد يطلب من أصدقاء له تيسير أمر التحاق أحمد بالكلية، ويلتحق بها ليكون الأول على دفعته خلال سنوات دراسته، وفي السنة النهائية يكون ترتيبه الثاني، ورغم ذلك يحرم البطل من البعثة المقررة لأوائل الدفعة إلى جامعة كمبرلي.. لكن البطل لا يستسلم فيلتحق لمدة عام بسلاح الطيران، يجيد خلالها الطيران؛ لدرجة أنه كان يقوم بحركات تستعصي على قدامي الطيارين، لذلك رأت سلطات الاحتلال التي كانت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في الجيش  آنذاك أن يترك بطلنا سلاح الطيران، ليتم إلحاقه  على سلاح الفرسان.

ويبرع بطلنا في الفروسية فيصير فارس الجيش المصري الأول لثمانية أعوام متتالية بدءا من عام 1928م، ثم يقع عليه الاختيار لتدريس مادة التاريخ العسكري بالكلية الحربية؛ فيقضي فترة بين الطلاب يبث فيهم أسمى معاني التضحية والفداء وحب الأوطان، ثم يعود إلى سلاح الفرسان، ويتقدم بطلب إلى قيادة السلاح لقضاء فترة في الصحراء؛  ثقة  منه  في أن ضابط السواري الذي لا يخدم في الصحراء لا يكون مؤهلا للقيام بالمهام التي يكلف بها في الميدان.

احمد عبد العزيز وسط رجاله
احمد عبد العزيز وسط رجاله

وفي عام 1938م يسافر البطل إلى فرنسا مع طلاب الدورة الأولى لكلية أركان الحرب التي كان يعمل مدرسا بها آنذاك، وتزور البعثة الميدان الغربي، وميادين أخرى للقتال، ويتزود البطل وطلابه بمعارف عسكرية متقدمة، وكان أن طلبت بريطانيا أن يعمل هؤلاء الضباط كضباط اتصال بين القوات البريطانية والهيئات المدنية أثناء مواجهة القوات الألمانية في الصحراء الغربية عام1942م ولكن البطل أحمد عبد العزيز يرفض الأمر رفضا قاطعا مما أجبر المحتل على البحث عن بديل في ظروف غاية في الصعوبة.

رحلة فلسطين .. والبطولات الخالدة

وتشتعل الأوضاع في فلسطين الحبيبة بعد ازدياد جرائم العصابات الصهيونية ضد المواطنين العرب، ويرى البطل أن مواجهة هذه العصابات لابد أن تكون بكتائب من الفدائيين المتطوعين؛ لأن الجيوش النظامية لا تملك القدرة على تحقيق الانتصار في تلك النوعية من المعارك التي تعتمد على الهجوم الخاطف، وحرب العصابات، ويقرر بطلنا أن يتقدم بطلب إحالته إلى الاستيداع من أجل ان يتفرغ لإعداد وتجهيز المتطوعين الفدائيين، وقد اختار البطل معسكر الهابكستب ليكون ميدانا للتدريب، وحصل لرجاله على الأسلحة من عدة مصادر منها ما جمع من الصحراء الغربية من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وبعد الانتهاء من التدريب توجه القائد برجاله إلى مدينة العريش، بعد أن انضم إليه المجاهدون المغاربة بقيادة البطل أحمد زكريا الوردياني الذي قرر أن ينضوى ورجاله تحت قيادة البطل أحمد عبد العزيز.

أحمد عبد العزيز بصحبة القائد الأردني حكمت مهيار في منطقة الخليل- بيت لحم التي كانت تحت قيادتهما المشتركة
أحمد عبد العزيز بصحبة القائد الأردني حكمت مهيار في منطقة الخليل- بيت لحم التي كانت تحت قيادتهما المشتركة

وينجح بطلنا في الدخول إلى فلسطين بعد جهد كبير، استغرق سبعة أيام كان السير فيها ليلا بعيدا عن الأعين الراصدة من القوات البريطانية والصهاينة، وتصل القوات إلى خان يونس بقطاع غزة ومنه تنطلق لاحتلال مواقعها وفق الخطة التي وضعها القائد للانتشار.

بدأ البطل بالهجوم على مستعمرة كفار ديروم التي كانت تنطلق منها الهجمات على المواطنين العرب، ولقوة تحصيناتها لم يسفر الهجوم الأول عن سقوطها، لكنه أسفر عن معركة حامية دارت بين قوات المتطوعين، وقافلة إمداد كانت تحاول كسر الحصار الذي فرضه البطل على المستعمرة، وقد انتهت المعركة بمقتل كل من كان بالقافلة، وغنم الفدائيون خمس عشرة سيارة مصفحة تحمل كميات كبيرة من الذخائر والغذاء.

وعند وصول قوات الجيش المصري أرسل قائدها إلى البطل أحمد عبد العزيز يعرض عليه العمل تحت قيادته، فتردد في القبول لكنه قبل في النهاية على أن تتولى قواته مهمة الدفاع عن منطقة بئرالسبع؛ لتقوم قواته بمهمتين هما تأمين المدخل الشرقي لفلسطين، وحماية ميمنة الجيش المصري.

وعندما يبلغه أحد رجاله أن اثنين من المتطوعين يرغبان في العودة يدرك أن الأمر خطير لأنه نذير بانفراط عقد قواته؛ فيجمع القائد العظيم رجاله ويخطب فيهم قائلا: “لقد جئنا إلى هنا لا رهبة من أحد ولا رغبة في شيء إلا رضاء الله وحده، فإذا استشهدنا ومضينا إلى جواره؛ فهذا أعظم آمالنا وأحب أمانينا… ولسوف نمضي في طريقنا دون أن يثنينا أحد عن غايتنا. سنطبق النظام والعدالة، وسنتخذ كل وسيلة تدنينا من أهدافنا، ما دامت في سبيل الحق والخير. وسنكون قساة على أنفسنا فنحن إنما نحارب من أجل غاية مثلى من أجل تراث العروبة ومستقبلها.. فمن شاء أن يمضي معنا فأهلا به وسهلا.. ومن شاء أن يمضي عنا فلن يرده أحد”. وكان لهذه الكلمات مفعول السحر في نفوس الرجال؛ فمضوا جميعا إلى الاستعداد للمهام القتالية، وكان الشابان في أول الصفوف بعد أن  طردا فكرة العودة من رأسيهما.

أحمد عبد العزيز يتفاوض واقفا مع ديان بشأن الهدنة.
أحمد عبد العزيز يتفاوض واقفا مع ديان بشأن الهدنة.

ويجمع أحمد عبد العزيز قواته ويخترق بها صحراء النقب مارًا بمستعمرة العمَّارة حيث قام بضربها بالمدفعية، ثم تدخل القوات بئر السبع؛ فتُستقبَل من الأهالي استقبالا رائعا، ولكن البطل لا يهدأ له بال حتى يذيق الصهاينة لهيب نيرانه، فيقوم بضرب مستعمرة بيت إيشل، ثم يقوم بتقسيم قواته؛ لاحتلال العوجة والعسلوج، بينما أبقى القسم الثالث من القوات لتامين بئر سبع.

تكتيك النصر

وصلت الأنباء إلى القائد البطل أن مستعمرة رامات راحيل تشكل خطورة كبيرة؛ إذ تحتل موقعا استراتيجيا هاما قرب قرية صور باهر على طريق القدس بيت لحم، ويقرر البطل شن هجوم على المستعمرة بمشاركة عدد من الضباط والجنود والمتطوعين الأردنيين، ويتحقق في بداية المعركة النصر، فيتوافد السكان العرب على ساحة المعركة لجمع الغنائم، مما سيتسبب فيما بعد في حدوث هزيمة مدوية، يفقد فيها  عبد العزيز  عددا كبيرا من أكفأ رجاله؛ لكنه لا يستسلم ويعاود تنظيم صفوف رجاله، ويقرر شن هجوم شرس بعد أن ضربت قواته حصارا محكما حول المستعمرة، وفي اليوم التالي للمعركة يحاول العدو تحطيم هذا الحصار، وإدخال قافلة كبيرة محملة بالجنود والعتاد، وكانت هي الفرصة التي ينتظرها أحمد عبد العزيز، فقام بعمل كمين محكم، وحشد مدافعه على سفوح التلال المشرفة على الطريق، وفي اللحظة التي أصدر البطل فيها الأمر بإطلاق النيران، وجد الصهاينة أنفسهم في جحيم لا نجاة منه، فاخذوا يقذفون بأنفسهم من العربات المصفحة، محاولين الوصول إلى مستعمرة كفار ديروم، وعندما أصبحوا على مقربة من المستعمرة انطلقت النيران من الأوكار التي أعدها البطل لهذا الاحتمال، فحصدت أرواحهم حصدا ولم تبق منهم أحدا.

كان لهذا النصر أبلغ الأثر في رفع الروح المعنوية للجنود، كما كانت تلك المعركة نقطة تحول في التكتيك العسكري الذي كان يميل إلى استخدامه البطل أحمد عبد العزيز؛ إذ استبدل القصف المدفعي ، والتقدم بالدبابات بالهجوم المباشر الذي كان يتسبب في زيادة عدد الشهداء والمصابين من قواته .

وأمام  تلك الانتصارات المدوية اضطر الصهاينة للتراجع والتخلي عن مساحات واسعة من الأرض كانت بحوزتهم، كما اضطروا لقبول التفاوض الذي كان يجري في مقر قيادة الجيش العربي بالقدس، بحضور القائد العربي الأردني عبد الله التل، وكان من أخلص الرجال للبطل أحمد عبد العزيز، وفي ليلة الثاني والعشرين من أغسطس عام 1948م انتهت المفاوضات، وأراد البطل أن يعود مسرعا بالنتائج التي أسفرت عنها المفاوضات إلى قيادة الجيش المصري بالمجدل، وكان الطريق بينها وبين القدس شديد الخطورة ليلا ويأبى البطل الانتظار حتى الصباح وينطلق بسيارته الجيب، وعند منطقة عراق المنشية تتقدم السيارة في طريق منع فيه السير ليلا، ولم يستمع السائق لتحذير الحارس، فتنطلق رصاصة من سلاح الحارس المصري؛ لتسكن جنب البطل أحمد عبد العزيز فيخر صريعا.

وتفيض روح البطل أحمد عبد العزيز إلى بارئها بعد أن ضرب أروع الامثلة في البطولة والفداء في ميادين القتال، مدافعا عن شرف أمته وحريتها واستقلالها.

المصادر:

البطل أحمد عبد العزيز.. ملحمة للبطولة من الطفولة- أبو الحجاج حافظ- مكتبة الجندي- 2006م.
الحقيقة عن ثورة يوليو- عبد المحسن أبو النور- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
الكبرياء.. أيام سعد الدين الشاذلي- سمير الجمل- كتاب الجمهورية- نوفمبر 2012م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock