رؤى

العمامة الثائرة.. الإمام محمد عبده يُدعم حق الإضراب

شهدت القاهرة في شهر ديسمبر من عام ١٨٩٩ حدثاً تاريخياً بالنسبة للحركة العمالية المصرية الناشئة في تلك الفترة وهو إضراب لفافي السجائر أو العاملين في مجال صناعة السجائر.

وتشير دراسة للباحثة هيام عثمان الى أن عدد المضربين بلغ نحو ٩٠٠ عامل من المصريين والأجانب على حد سواء مطالبين بزيادة أجورهم التي كانت لا تكفي لسد نفقات معيشتهم.

ولما كان مصطلح الإضراب العمالي لا يزال غير معروف في أوساط الصحافة المصرية فقد استعاضت الصحف الرئيسية في تلك الفترة في تغطيتها للحدث عن هذا المصطلح بتعبير “الاعتصاب”.

ومن الطريف حقاً ان هذا “الاعتصاب” بدا في قرن وانتهى في آخر٫ حيث بدأ العمال إضرابهم في نهاية عام ١٨٩٩ واستمروا فيه حتى شهر فبراير من عام ١٩٠٠.

ومن اللافت ايضاً أن أغلب الصحف المصرية اتخذت موقفاً معادياً للإضراب حيث اعتبرت ان الاضراب “بدعة اوروبيه” انتقلت الى مصر في ركاب العمال الاجانب الذين اتوا اليها في القرن التاسع عشر٫ وفي المقابل رأى بعض الكتاب وفي مقدمتهم الكاتب اللبناني المقيم في مصر في تلك الآونة فرح أنطون طرحاً مغايراً اعتبر أن العلة لا تكمن في إضراب العمال وإنما في النظام الرأسمالي في حد ذاته.

أنطون ومحمد عبده
أنطون ومحمد عبده

وسعى انطون للإجابة على سؤال أثاره هذا الإضراب وبات على لسان كثيرين وهو هل من حق الحكومة التدخل لحل أزمة كهذه والعمل كوسيط بين أصحاب العمل وبين العمال المُضربين؟ خاصة وان اللورد كرومر ممثل الاستعمار البريطاني في مصر ابدى موقفاً واضحاً من هذه القضية وهو الرفض التام لأي تدخل للحكومة في هذا الشأن متعللا بأن التدخل الحكومي لا يكون إلا برضا كلا الطرفين ورضاهما.

وهنا رأى انطون ضرورة استطلاع رأي علماء الشريعة في هذه القضيه الشائكه٫ فأرسل إلى الشيخ محمد عبده٫ المُلقب بين تلاميذه ومريديه بلقب “الأستاذ الإمام” يسأله رأي الشريعة في هذا الموضوع٫ ومن المُلاحظ أن عبده الذي كان حتى تلك اللحظة ومنذ عودته من منفاه في بيروت ينتهج نهج المهادنة مع المحتل الانجليزيه لم يلجأ إلى المهادنة في هذه القضية بل جَاءَ رده حاسماً.

حيث كتب الشيخ “إن القيام بالصناعات من فروض الكفاية أي يجب على الأمة أن يكون منها من يقوم بالصناعات الضرورية لقيام المعيشة” وفي حال تعطلت هذه الصناعات “وجب على القائم بأمر الأمة أن يتخذ السبيل الى اقامتها بما يرفع الضرورة والحرج عن الناس”.

ويضيف الإمام أن “باعه الأقوات” إذا ما تحكموا بها ورفعوا أثمانها إلى حد فاحش وجب على الحاكم أن يضع حداً للأثمان التي تُباع بها٫ وأجاز الإمام هنا تدخل الحاكم في شؤون الخاصة إذا خشي الضرر العام في شي من تصرفهم.

ثورة 1919
ثورة 1919

ويصل الإمام في خطابه الى قضية الاضراب فيقول “إذا اعتصب العمال في بلد واضربوا عن الاشتغال” خاصة في عمل ضروري لمعيشة الناس٫ كان للحاكم أن يتدخل في الأمر لرعاية مصالح العامة وإذا ما وجد الحاكم أن الحق في جانب العمال فان عليه ان يلزم “أرباب الأموال” بالرفق بالعمال “سواء كان بالزيادة في الأجر ام بالنقص في مدة العمل ام بهما جميعاً”.

أثار خطاب الإمام ضجه بمجرد نشره٫ حيث هاجمه بعض الشيوخ ورحب به بعض الكتاب مثل أنطون٫ أما العمال فرأوا في الخطاب دعماً معنوياً لقضيتهم ونضالهم وهو النضال الذي استمر حتى أثمر في عام ١٩١٩ وفي أوج الثورة الوطنية في ذلك العام وتحديداً في شهر أغسطس منه تأسيس ما عُرف باسم “لجنة التوفيق” الحكومية كوسيط بين العمال وأصحاب العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock